من شاب بسيط في عُمان إلى أشهر التابعين وتلامذة أم المؤمنين المدوّنين لأحاديث الرسول الكريم

أثير – تاريخ عمان
إعداد: نصر البوسعيدي

عُمان عبر التاريخ مصنع الرجال والكثير من القادة والعلماء الذين أسهموا بشكل كبير في خدمة الحضارة الإنسانية والإسلامية، فبرز مثلا الطبيب العماني ابن الذهبي صاحب أول معجم لغوي طبي في التاريخ، والخليل بن أحمد الفراهيدي أول من وضع علم العروض في العالم ووضع العلامات على الحروف ليسهل على الناس قراءة القرآن بالشكل الصحيح وله أكبر الإسهامات في خدمة اللغة العربية، وهناك العديد والعديد من العلماء الأفاضل من أهل عمان كصاحب موضوعنا هذا أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني الذي ولد في مدينة نزوى من داخلية عمان وتحديدا في قرية فرق ما بين عامي 18 – 22 هـ تقريبا.

 

نعم، لم تذكر المصادر التاريخية شيئا عن طفولته ومآثر والديه ومتى تحديدا هاجر هذا العماني إلى البصرة حاضرة المسلمين ومنارة العمانيين الذين اتخذوها موطنا لهم، بحثا عن العلم والمعرفة ومجالسة أفاضل العرب والمؤلفين في مختلف العلوم، ولكن وجب أن نذكر بأن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن والده زيد كان من صحابة رسول الله مثلما أشار إليه أبو بكر الرازي أحمد بن علي الجصاص (305-370هـ) في كتابه (أحكام القرآن) على أن زيد روى حديثا عن رسول الله سمعه بنفسه حيث قال مثلما ذكر ابنه أبو الشعثاء وهو يروي عن أبيه:

“سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم أتى بلحم صيد يأكل منه، فقال احسبوا له “.

 

 

والذي نتفق عليه جميعا بأن جابر بن زيد وعائلته هاجروا إلى البصرة وهو متزود بالعلم من خلال أساتذته من علماء عمان، لكنه أراد أن يضيف لمعرفته الكثير ليصل إلى البصرة مع عائلته وهو لا يريد إلا أن يسامر أهل العلم وحلقات دروسهم التي كانت شعلة نشاط في البصرة آنذاك، وهناك تتلمذ على يد علماء عصره في مختلف المعارف الإسلامية خاصة القرآن والحديث، فتفوق وبرز وأصبح مرجعا للكثير ومدرسا ومؤلفا ومنظرا في السياسة وخاصة فيما يتعلق بقضية الخلافة.

 

 

ولم يكتفِ أبو الشعثاء بذلك بل كان يتردد كثيرا على الحجاز ويحج في كل عام وتتلمذ على يد صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام وأدرك 70 صحابيا شهدوا مع الرسول الكريم معركة بدر الكبرى، فكان معلمه الأول ابن العباس حبر الأمة، وعبدالله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأبوهريرة، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن مسعود وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم.

 

كما أنه كان أول عماني تتلمذ على يد أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وهي من كانت أحب زوجات رسولنا الكريم وعلمت هذه الأمة الكثير من سنته صلى الله عليه وسلم، وبما أن جابر بن زيد شغوف جدا بالعلم والمعرفة واتباع سنة نبيه، فقد كان يسأل أم المؤمنين مسائل كثيرة ويقال بأن بعض هذه المسائل لم يسألها أي أحد من قبله، لذا فأساس العلم الذي استند إليه أبوالشعثاء كان منبعه أصيلا، لأنه تتلمذ على يد هؤلاء الصحابة العظام ليصبح من أشهر علماء عصره، فقد قال عنه ابن العباس أمام أصحابه ناصحا لهم إن رغبوا التزود بالعلم: “اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه”، وقال كذلك: “لو أن أهل البصرة نزلوا على قول جابر بن زيد لأوسعهم علما في كتاب الله”.

 

وليس هناك أعلى شرفا من أن يشهد حبر الأمة للمكانة العلمية العظيمة التي وصل إليها جابر بن زيد، بالإضافة إلى ثناء جميع من عاصرهم من الصحابة الأجلاء كعبدالله بن عمر والعلماء الكرام كابن القيم وغيرهم، فكان ابن عمان بينهم من أغزر أهل زمانه علما وفقها وصاحب مبادئ علمية وسياسية آمن بها وصنع منها توجهات تلامذته، وكان نتاج كل ذلك الديمقراطية العمانية التي عمل عليها أهله في عمان حينما تم السير على نظام الإمامة وانتخاب الإمام لحكم البلاد من قبل أهل الحل والعقد، ولذا لا غرابة أن نجد أن جابر يعد بحق من كبار التابعين، فأصبح شيخ البصرة ومفتيها والداعي دوما للسلام والوحدة واتباع النهج الإسلامي القويم، فكان أهل البصرة يرجعون إليه في كل صغيرة وكبيرة حيث قال في هذا الشأن إياس بن معاوية المزني، الذي أصبح فيما بعد قاضيا للبصرة: “أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان”.

 

وقالت العمانية هند بنت المهلب بن أبي صفرة عن جابر ابن زيد: “كان جابر بن زيد أشد انقطاعا إلي وإلى أمي وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله تعالى إلا وأمرني به، ولا شيئا يباعدني عنه إلا ونهاني عنه”.

 

وقال عنه عمرو بن دينار: “ما رأيت أحدا أعلم بالفتوى من جابر بن زيد”.

 

لقد عاش جابر بن زيد في البصرة حياة تقشف وزهد بعيدا كل البعد عن ترف الدنيا فقد كان يقول دوما لأصحابه: “سألت ربي ثلاثا فأعطانيهن، سألته زوجة مؤمنة وراحلة صالحة ورزقا كفافا يوم بيوم، وليس منكم أغنى مني، فأنا ليس عندي درهم وليس عليّ دين”. ولم يقابل يوما الإساءة إلا بالإحسان.

 

وإن كنا نريد أن نتحدث الآن عن دوره في تأصيل الفقه الإسلامي والحفاظ عليه، فإننا لن ننسى أبدا بما قام به في جمع الأحاديث المروية والثابتة عن رسولنا الكريم، بالإضافة إلى جمع كل ما يتعلق باجتهادات الصحابة وأقوالهم وما قاموا بروايته عن رسول الله كأم المؤمنين السيدة عائشة، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعروة بن الزبير، وأبوعبيدة بن الجراح، وأم هاني وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين، وكان يتبع منهجا محمودا في رواياته للأحاديث النبوية التي كان يعرضها على القرآن الكريم مثلما كانت تفعل السيدة عائشة أم المؤمنين، فأخذ منها الكثير في حذره الشديد في نقله للرواية، كذلك لم يبخل على الأمة الإسلامية باجتهاداته التي كانت مبنية أسسها على الإيمان والتقوى وسماحة هذا الدين الحنيف، كما أنشأ مدرسة فقهية في البصرة على نهج مبادئ السيدة عائشة وابن العباس، وتميزت مدرسته من الناحية العلمية بجمعها بين الأثر والرأي واعتبار القرآن الكريم المرجع الأول لكل شيء، كما تبنى في مدرسته نهجا سياسيا مختلفا عن الأحزاب السياسية التي تفرقت من خلالها الأمة بين حزب المناصرين لعلي بن أبي طالب، وحزب معاوية بن أبي سفيان، وحزب المحكمة من رفضوا معاوية وعلي ونهجوا نهج الشورى في انتخاب ولي الأمر وكان شيخهم الأول هو جابر بن زيد وتبعه في ذلك رؤوس المحكمة كأبي بلال المرداس وعبدالله بن أباض.

 

ومن المهم جدا أن نذكر هنا بأن الأزارقة الخوارج يبرأ منهم جابر بن زيد وأتباع نهجه وكل الأباضية من أهل عمان، ويكفي أن نعلم بأن العماني المهلب بن أبي صفرة هو من قضى عليهم وخلص الأمة من أذاهم خاصة في البصرة موطن هجرة أزد عمان.

لقد كان جابر بن زيد كالأب الروحي لأتباعه ولهذا النهج السياسي الرافض لسياسة توريث الحكم في بني أمية بعدما انفرد معاوية بن أبي سفيان بالحكم عقب اغتيال علي بن أبي طالب، لكنه كان ذكيا جدا ومسالما ولم يتورط بالخلاف مع الأمويين وخاصه واليهم الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق رغم أذاه له ومراقبته وسجنه ونفي العديد من أصحابه إلى عمان توجسا وخيفة منهم، إلا أن الحجاج لم يستطع فعليا إدانة أبو الشعثاء الذي كان يصلي وجماعته خلف الحجاج ولم ينعزلوا عن أتباع الدولة الأموية بل العكس كان يأمر أصحابه بالهدوء والتعايش وعدم المجازفة بالصدام، ويكفيكم أن تعلموا بأن تلميذته هند بنت المهلب تزوجت من الحجاج بن يوسف الثقفي رغم أذاه لأبيها وأخوتها ولبقية العمانيين بغض النظر عما حدث لاحقا بين هند والحجاج وبغضها له.

 

كما كان يأمر أصحابه بإتلاف أي رسالة بينهم مخافة أن تقع في يد الدولة الأموية، وأخذ يراسل أتباعه سرا وكوّن قيادات جديرة بحمل نهج فكره وتوجهه السياسي ليتم نشره في العديد من المناطق والأمصار، فمنهم من كان في العراق كجعفر السماك وصحار العبدي ومنهم من كان في موطنه عمان كيزيد بن يسار ومنهم من كان في خرسان كتلميذه عنيفة.

 

وبشكل عام سنشير هنا لأكثر تلامذته شهرة ومعرفة، ومنهم:

أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعبدالملك بن المهلب بن أبي صفرة العماني وأخواته هند وعاتكة، والربيع بن الحبيب الفراهيدي، ومالك بن دينار، وأبو هارون الغطريف العماني، وأبو مودود حاجب بن مودود الطائي، وحيان الأعرج الجوفي البصري، وأيوب بن كيسان السختياني، وأبو نوح صالح بن إبراهيم الدهان، وضمام بن السائب العنبري، وقتادة بن دعامة السدوسي، وهبيرة المكي، وعمرو بن هرم البصري، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم.

 

وأما من الناحية العلمية، فإن جابر بن زيد يعد أول من دون الحديث الشريف في تاريخ الإسلام، بالإضافة إلى أنه رفد الحضارة الإسلامية بالعديد من مؤلفاته التي كتبها بيده أو نقلها عنه تلامذته ومنها:

1 – ديوان جابر بن زيد المختص بالعلوم الشرعية وهو أول كتاب في الإسلام يدون الأحاديث النبوية الشريفة مثلما أشرنا سابقا، ووضعها في هذا المؤلف الضخم الذي فقد للأسف لعديد من الأسباب يقال بعضها انه كان من ضمن الكتب التي أحرقها المغول حينما هاجموا بغداد.

2 – رسائل جابر بن زيد إلى أتباعه وعددها 18 رسالة جميعها مسائل فقهية ووعظ وإرشاد بعثها لـ 14 شخصا من تلامذته.

3 – روايات ضمام، وهي الروايات التي رواها أبو صفرة عبدالملك بن صفرة عن الربيع بن حبيب وضمام بن السائب عن جابر بن زيد.

4 – مسند الربيع بن حبيب الذي دون فيها ما نقله جابر بن زيد من أحاديث شريفة نقلها عنه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع نفسه.

5 – كتاب الصلاة، وكتاب النكاح.

6 – أقوال وآراء جابر بن زيد.

7 – مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، وتحوي روايات كثيرة منقولة من جابر بن زيد في مختلف العلوم الفقهية.

8 – كتاب أقوال قتادة، وهو لقتادة بن دعامة السدوسي وجله روايات عن جابر بن زيد نقلها عنه عمرو بن دينار وعمرو بن هرم.

9 – أقوال وآراء جابر بن زيد، وفيه تم جمع أبرز ما جاء بلسان وفكر جابر بن زيد.

والعديد من الآثار العلمية التي خلدها التاريخ لهذا الشيخ العماني الجليل ليسطر كبقية علماء عمان وأفاضلهم وقادتهم أروع ملاحم الجد والاجتهاد وخدمة الإنسانية والحضارة الإسلامية.

 

**************************
المراجع:

– الموسوعة العمانية، المجلد الثالث، الطبعة الأولى 2013م ، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان.

– من أعلام عمان – صور مشرقة من حياة الرعيل الأول، د.صالح بن أحمد الصوافي، الطبعة الأولى 2001م، دار الحكمة – لندن.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock