عمر بن الخطاب والمحاكمة التاريخية الأولى في سيرة أهل عُمان

أثير – تاريخ عمان

إعداد: نصر البوسعيدي

 

 

تحفظ لنا كتب التاريخ بعضًا من المواقف والأحداث التي دونها المؤرخون ونقلها أهل العلم لتصل إلينا ونحكي تفاصيلها لكل الأجيال لنستفيد جميعا من كل ما حدث لأجدادنا فنتفادى أخطاءهم ونكمل مجدهم.

 

وعمان منذ القدم حضارة امتزجت فيها الكثير من الثقافات وكانت الهمزة الحقيقية للحضارات المجاورة ، لذا فأغلب الأحداث التي تشكل منها التاريخ العماني هي الأولى من نوعها في المنطقة الخليجية والعربية بشكل عام.

 

إن تاريخ الدولة العمانية رغم كل ما مر بها من استقرار وصراع  بين الأئمة في زمن الشتات كان فيه جوانب مضيئة جدا في مكافحة الفساد ونصرة المظلومين و هذا التاريخ الذي نحاول دوما أن نخبر به الناس وكل الأجيال لنعلم حقا أن كلما أظلم جانب نتيجة بعض الظروف لا يستكين أهل الهمم المحبين لأوطانهم المحاربين لكل من يحاول النيل من مقدراتهم أو استضعاف أهل الحق بجبروتهم ، وهؤلاء هم من ينتصر لهم التاريخ دوما أينما كانوا مثلما انتصر القدر للإمام العماني عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد الخروصي الذي تولى أمر عمان وعقدت له الإمامة سنة 885هـ – 1480م.

 

لقد كان أمر عمان عسيرًا جدا قبل توليه الحكم فيها، فصراع السلطة خلف الكثير من الدمار والشتات والحروب الأهلية، لدرجة أن وصل الحال لانتخاب 16 إماما لعمان في عام واحد!

 

كل ذلك صحبه ضعف وكراهية وضياع المجتمع بين جميع هؤلاء فنزف الأبرياء وسفكت الدماء وخربت البلاد بين الخصوم لنيل السلطة باسم الإمامة، وفي ظل هذا النزاع الحاصل، استطاع بنو نبهان وهم أسرة أزدية بارزة وعريقة من السيطرة على أجزاء كثيرة من عمان، وهم أول من تلقب باسم الملوك طوال فترات حكمهم، دون الاعتماد على مبايعة أهل الحل والعقد لذلك وجدوا الكثير من المعارضين والمناصرين لنظام الإمامة التي هي الأخرى عانت بما فيه الكفاية نتيجة صراع العلماء في مبايعة هذا أو ذاك مثلما أشرنا سابقا.

 

وما نعلمه جميعا أن بني نبهان في ظل هذه الأوضاع البائسة كان بيدهم السلطة لفترات طويلة بداية من القرن السادس الهجري، ولكن للأسف لا نملك الكثير من تفاصيل دولتهم نتيجة تعمد الكثير من مؤرخي عمان لطمس تاريخهم وبتره وعدم ذكر محاسنه نتيجة اختلاف أغلبهم وهم  المناصرون للإمامة في التوجه السياسي مع دولة بني نبهان، بالإضافة إلى ظهور بعض الشخصيات منهم والتي حكمت الأقاليم العمانية بيد من حديد وبشكل صارخ أفقدهم الولاء وأخفى كل جوانبهم الإيجابية كتطور الحراك الأدبي والفني والعمراني وغيرها من أمور طمست في غياهب التاريخ. فركز المؤرخون المعارضون حينها وهم الأشهر في عمان على سلبياتهم والتي نجدها في جل كتاباتهم.

 

وهذا إن دل فإنه يدل على أن الأذى كان كبيرا من بعضهم وبأن المعارضة كانت على أشدها في أغلب فترات حكمهم لعمان خاصة في نزوى وبهلاء وسمائل وإزكي ووادي القريات ووادي السحتن والرستاق والعوابي ونخل؛ أي في الأماكن التي تركز فيها نفوذهم.

 

وحينما ضاق العقلاء وأهل الحل والعقد في عمان من حكم بني نبهان، اجتمعوا على مبايعة الإمام الفاضل عمر بن الخطاب الخروصي ليصبح قائدهم  ونصير حقوقهم التي سلبت، وفعلا كان عمر بن الخطاب العماني كالصحابي الجليل عمر بن الخطاب في عدله وحزمه وعدم تهاونه في رد المظالم لأهلها منذ بداية حكمه، فوقعت بينه وبين جيوش بني نبهان الكثير من الحروب كانت نتائجها النهائية لصالح الإمام عمر  وأتباعه.

 

وبعدها اتفق الإمام عمر بن الخطاب مع العلماء وأكابر العلم على الكيفية التي يردون فيها المظالم لأهلها، عن طريق أشهر محاكمة في تاريخ أهل عمان.

 

وجعلوا من محمد بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلا لكل المظلومين الذين سلبت أموالهم ومنازلهم، وعينوا أحمد بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلا لملوك بني نبهان ليقف الجميع في تلك المحاكمة التي دونتها صفحات التاريخ بين عامة الناس ومن كان يحكمهم وذلك في سنة 887هـ، وتمت المحاكمة برئاسة فضيلة القاضي الشيخ أبي عبدالله محمد بن سليمان ابن أحمد بن مفرج، وبعد عدة مداولات حكمت المحكمة في يوم الأربعاء 9من جمادي الآخرة سنة 887هـ – 1482م ، بمصادرة جميع أموال ملوك بني نبهان وردها لأصحابها، وما تبقى من هذه الأموال قرر القاضي بأن تصرف على الفقراء وخزينة الدولة وهذا هو نص الحكم مثلما ورد في بعض المخطوطات العمانية القديمة :

 

” أقام الشيخ القاضي المجاهد سيف الإسلام وقطب عمان أبو عبدالله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلا للملوك المقدم ذكرهم، فقد صح عندنا ذلك فقضى أحمد بن صالح بن محمد بن عمر بجميع مال آل نبهان من أموال وأراضي ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية وغلال وتمر وسكر وجميع ما لهم من ملك، فقد صح ذلك لمن ظلم من المسلمين من أهل عمان الذين ظلمهم السادة الملوك من آل نبهان، من لدن السلطان المظفر بن سليمان بن المظفر بن نبهان إلى آخره من ظلم من نسله وولده الملكين سليمان بن سليمان وحسام بن سليمان.

هذا الحكم الذي هو البادرة، وقد سجل هذا الحكم جملة من أهل العلم، وكل من عرض عليه هذا الحكم أثبته وأمضه من جملة المسجلين إثباته .. كتبه عبدالله بن مداد بن محمد “.

 

سيمضي الزمن وسيندثر البشر لكن الإصلاح وحده هو من سيبقى ناصعًا في تاريخ الأمم.

 

************************

المراجع:

 

1 – عمان عبر التاريخ الجزء الثالث والرابع، تأليف سالم بن حمود بن شامس السيابي، الطبعة الخامسة، 2014م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان.

 

2 – كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تأليف الشيخ سرحان بن سعيد الأزكوي، تحقيق أ.د.محمد حبيب صالح – د. محمود بن مبارك السليمي ، الجزء السادس، الطبعة الأولى 2012م ، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان.

 

3 – قصص وأخبار جرت في عمان ، تأليف العلامة أبو سليمان محمد بن عامر بن راشد المعولي، دراسة وتحقيق د. سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي، الطبعة الثانية 2014م، وزارة التراث والثقافة –سلطنة عمان.

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock