عزان بن قيس.. وفتوى الخليلي في نجدة البريمي

أثير – تاريخ عمان

إعداد – نصر البوسعيدي

يذكر التاريخ بأن أهل عمان حينما يدب بينهم الضعف والشتات يتعرضون دوما للأطماع والتدخلات الخارجية لا سيما في العصر الحديث حينما كان الصراع مشتعلا بين الحزبين، إن جاز لنا التعبير بلغة العصر، الحزب المحافظ ويمثله نظام الإمامة والحزب المعتدل ويمثله سلاطين عمان، وخاصة حينما كان الصراع ذاته يلامس عائلة السلاطين حينما مات السيد سعيد بن سلطان وانقسمت الإمبراطورية العمانية بين ابنه ثويني في مسقط وابنه ماجد في زنجبار، وبين الأخوة أنفسهم في كل قُطر من هاتين العاصمتين، فبرغش في زنجبار ينافس شقيقه ماجد من أجل السلطة وتركي في عمان ينافس أخاه ثويني لذات السبب، ومن ناحية أخرى مناصروا الإمامة في عمان في صراع مستمر تارة ضد بعضهم وتارة ضد السلاطين.

وقبل هذا الصراع بزمن قليل وبعده، كان التمدد القادم من نجد قد وصل إلى الحدود العمانية قبل فترات من الزمن، وكانت البريمي هي الضحية الأكبر لهذه الاعتداءات التي وصلت للعديد من مدن عمان وأهلها، حيث أن ضعف وتشتت البلاد سمح لبعض ضعاف النفوس الميل نحو سلطة نجد فكريا وسياسا لمصالح تم إشراكهم بها ناحية البريمي والظاهرة.

في الوقت نفسه، استغلت سلطة نجد الخلافات في عمان، مع تقديمهم الدعم المستمر لأي معارضة تتشكل داخل البيت الحاكم، فوصل تأثيرهم للسيد سالم ابن حاكم عمان السيد ثويني بن سعيد بن سلطان والذي كان يمثل لهم الحجر العاثر أمام تمددهم إلى عمان، فتم التغرير بابنه سالم ليغتال والده في شهر رمضان وينال الحكم بدعم من بعض القبائل مع استعانته فيما بعد ببعض القوات النجدية في جيشه.

وبعدها اعترفت بعض القبائل بسلطته رغم وجود منافس قوي ضده من خلال عمه السيد تركي بن سعيد والذي حاول جاهدا القضاء على قادة الجيش النجدي الذين كان يستخدمهم ابن أخيه سالم، ورغم استطاعة السيد تركي من قتل أحد أحفاد مطلق المطيري واسمه عبدالله بن مشاري بن سعد بن مطلق المطيري في مسقط بمساعدة شحوح عمان ومن معه من القبائل التي استاءت من قتل سالم لأبيه واستعانته بالخارج، إلا انه لم يحسم الأمر لصالحه، ليتوقف بعد هذه المحاولات ليعد العدة مرة أخرى بشكل منظم وأكبر وينال مناصرة العدد الأكبر من القبائل العمانية الحليفة له بالإضافة إلى الحصول على الدعم البريطاني السائد في المنطقة الخليجية آنذاك.

في الوقت نفسه، نجح مناصروا الإمامة من خلال عرّابها الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي أن يجمعوا الحشود لإنهاء سلطة السيد سالم بن ثويني ومبايعة عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي 1285هـ إماما على عمان.

حينما بايع أهل الحل والعقد الإمام عزان بن قيس على الحكم، بدأ أول أعماله في إخضاع أغلب القبائل والمدن إلى صفه لكي يتفرغ بعدها لصد تمدد أمير نجد عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود في البريمي ومن حولها.

ولكن وبسبب نقص الموارد المالية لتسليح جيشه، فقد اضطر الإمام عزان لاقتراض المال من أغنياء عمان لأجل هذه المهمة الوطنية، فسانده الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي بفتوى تجيز له جمع هذه الأموال لنجدة البريمي بعدما قام الإمام بسؤال الشيخ عن ذلك فأجابه الخليلي عام 1286هـ بوصية وبفتوى حفظتها كتب التاريخ واختصرتها هنا بتصرف كالتالي:

“بسم الله الرحمن الرحيم

إلى جناب سيدنا وعزيزنا الثقة الأجل الأكرم الأحشم في سبيل الله الإمام عزان بن قيس أعزه الله ونصره سلام عليك ورحمة الله وبركاته..

كتبك الشريفة وصلت وما بلسان خادمك محمد بن سليمان الخروصي وتعاريف فيصل ومحمد بن علي والسمار نظرناهن وهن صريحات في حالتين؛ إحداهما الأخبار النجدية، والثانية الأخبار العمانية بوجود الضعف والخيانة من أهل تلك الأطراف وكلهم يستدعي وصولك بالحال ونحن كنا نؤخرك لأجل التخفيف، لكن نرى الأمر يزيد والداعي حثيث مسرع وكذلك تعاريف زايد.

والآن، لا نرى لك التأخير ولا نحب لك التواهن من يوم إلى يوم، ولا تفعل مثل بني أمية إذ يدعوهم عاملهم بخرسان فيكتبون له: رقع الأمور حتى أخذت خرسان.

ونقول لك تشّمر وانتزع الملك وقم على بركات الله تعالى بجنود المسلمين من الشرقية والباطنة وغيرها قبل وقوع الخلل في البريمي، وإذا وصل ابن سعود قبلك نخاف أن تنكشف داهية لا يمكن تداركها، فلا بد من القيام إن كان مرادك الدفاع عن الرعية من حد بركاء إلى البريمي والظاهرة، ونحن من استوى خبر ابن سعود إلى هذا الوقت الذي غرمناه في البريمي يقارب عشرة آلاف بغير فائدة ولا يمكن المقام على هذا ولا بد من قلع هذه الشجرة الفاسدة إن كانت في نصرة الله ورسوله وإغاثة الفقراء والمساكين والخروج على هؤلاء البغاة من أهل الشمال وغيرهم في سبيل الله.

وحكم الدفاع يلزم جميع أهل عمان بأموالهم وأنفسهم، وقد أجزنا لك دعوتهم وجبرهم إليه وتأديبهم ليس بحد الجفاء إذا أحاط بك الخصم وتغلقت عليك البلدان وصارت يدهم القوية، وليس جهاد ابن سعود أوجب ولا ألزم من جهاد أهل عمان الذين يكاتبون عليك العدو ويجرون عليك الخصم، مرادهم نزع ملكك واستئصال دولتك، قال تعالى: “وأما تخاف من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء”..

ولقد أجزنا لك في هذا الخروج والقرض من الرعية لبيت المال ولو بالجبر، وأمرناك به فألزمهم إياه عن أمرنا ورأينا.

وأياك أن تأخذ من الفقراء والضعفاء وتترك الأقوياء والمياسير من أهل الباطنة فيكون ذلك خارجا عن العدل ومخالفا لسيرة الأئمة الصالحين، فلا تعطل أمور المسلمين ولا تسمع قول المثبطين فإن هذا هو الأمر الصحيح في النظر ويشهد بصحبته الأثر، وأنا أقول إنك أبلغهم إياه عني واحكم به عليهم مني، فإن المريض لأجل طلب العافية يداوى بالكي وقطع بعض الأعضاء لسلامة العمر وإن كان ضعيف القلب يؤلمه ذلك من غير النظر في العواقب فالعاقل لا يلتفت إليه.

وأياك والتواهن يا عزان فيصبح أهل نجد والذين في قلوبهم مرض معسكرين في البريمي، فشد عليهم واقهرهم بحكم الله وأذلهم بعزة الله، وأما زايد فقد قاطع بخصامه ابن سعود لأجلكم ومحمد بن علي أعرف بما هناك فأكرمهم وأخبر إبراهيم وصالح يلاقوك بجيشهم في البريمي ويأتوك بالسميع المطيع.

فإذا تعين عزمكم على القيام، فالذي يحتاجه أهل الشرقية يأخذونه من القرض المسطر من هناك أو من سمد أو من نزوى وإزكي وبهلا، ورتبه لهم من تلك الجهة وأنت مر على أهل الباطنة العزاز وخذ منهم ومن غيرهم على الترتيب السابق والذي يحصل من هنا لنجعله مدادا لكم فوق ذلك والسلام..

من أحبائك الفقراء إلى الله تعالى وشركائك في المسرة والمضرة هلال بن أحمد وكاتبه والقائل به الداعي إليه سعيد بن خلفان الخليلي بيده.

حرر يوم 27 شوال سنة 1286هـ”.

وبهذه الفتوى من الخليلي الزعيم الروحي للإمامة، سار الإمام عزان بن قيس بعد جمع المال والعتاد بجيوشه إلى البريمي فحاصرها وبدأ بمهاجمتها لطرد المعتدي منها حتى تمكن وطهرها منهم وخاصة بعدما استثمر الإمام انقسام سلطة نجد على نفسها حينما كفر أميرها شقيقه سعود بن فيصل بعدما علم بتواصله مع الإنجليز، وبالتالي هرب الأخير إلى عمان لمقابلة عزان بن قيس يطلب منه النجدة والعون والمال فانجده الإمام بالمال ويقال انها بلغت ألف قرش ليعد العدة لقتال أخيه، وفعلا تم له ذلك واستطاع من قتل شقيقه الأمير عبدالله بن فيصل بعد معارك شديدة بين الفريقين، ليصب كل هذا الشقاق حينها في صالح الإمام الذي مثلما اسلفنا استطاع من نجدة البريمي وما حولها ليجمع الشمل باسم الوطن وينهي حالات التمرد والخيانة والصراعات الداخلية التي فتحت الباب للأطماع الخارجية حينها.

المرجع : السالمي، عبدالله بن حميد ، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، مكتبة الإمام نور الدين السالمي – مسقط 2000م.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. وفي التاريخ عبر وحكم وبساله وشجاعه – ومازلت العقول المريضة تحاول النهش والتوسع والسلب بالطيب او بالقوة – يوماً بعد يوم – جيل بعد جيل – ولكن هيهات وشتان بين الثرى والثريا – لتبقى البريمي عمانية حرة شامخه حتى النخاع من اطماع العقول الجشعه!

  2. اكثر مقالات موسى الفرعي فتن ف فتن
    وش جاب هالموضوع في ظل هذه الظروف
    خلال الفتره الماضيه كل مواضيعه بخصوص الامارات وهيه جاره عزيزه ما نرضى عليه
    وحالياً نجد
    شوف ، نحن ابناء الخليج اخوه ويحكمنا ترابط الدم والعروبه ويجمعنا اسلامنا
    فماله داعي تطرح موضيع فتن في ظل هذه الظروف
    الفتنه اشد من القتل واحسب حساب رب يحاسبك قبل لا تقوم بكتابه مواضيع تؤدي الى الاسواء….

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock