“وقفها” في عبري و”مبناها” في الحمراء: مكتبة عُمانية منذ 3 قرون كادت أن تندثر..و 15 شخصًا بادروا لإحيائها

أثير- تاريخ عمان

إعداد:  د.محمد بن حمد العريمي

اهتم العمانيون بتدوين الكتب ونسخها؛ وأوقفوا في سبيلها العديد من الأموال والوصايا للاهتمام بها، لذا لم يكن من الغريب ظهور العديد من الكتب والمؤلفات التي تناولت الجوانب المختلفة، وأن يتم إنشاء المكتبات العامة والخاصة التي يحفظ لنا التاريخ العماني أسماء بعضها ومن بينها: مكتبة دولة اليعاربة بالرستاق، ومكتبة حصن جبرين، وعدد من المكتبات الخاصة مثل مكتبة الشيخ خلف بن سنان، ومكتبة الشيخة عائشة الريامية وغيرها قديما، ومثل مكتبة السيد محمد بن أحمد، ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ومكتبة الإمام نور الدين السالمي حديثا.

كما ظهر لدينا في الوقت الحالي العديد من المكتبات العامة التي تعود ملكيتها لمدن أو قرى أو أندية أو فرق أهلية، والتي تؤكد روح العمل التطوعي الجماعي، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: مكتبة الندوة العامة ببهلا، مكتبة صور العامة، ومكتبة وقف الحمراء الأهلية التي ستقترب منها (أثير) للتعريف بها كنموذج يؤكد مدى اهتمام المجتمع وتكافله في مجال العمل الخيري التطوعي لدرجة أن بعضهم يوقف شيئا من ماله لمثل هذه الأنشطة، معتمدين على المعلومات المتعلقة بها والواردة في البحث القيّم الذي أعدّه الدكتور علي بن هلال العبري والمعنون باسم (دور المجتمع في حفظ التراث الثقافي العماني.. مكتبة وقف الحمراء الأهلية نموذجًا).

بدايات النشأة

تعود البدايات الأولى لمكتبة وقف الحمراء لنشأة بلدة الحمراء في عصر الإمام سلطان بن سيف ابن مالك اليعربي في النصف الثاني من القرن الحادي عش الهجري ، في فترة شهدت فيها عمان نمواً وازدهارا في الاقتصاد والتجارة بعد أن تحررت من الاحتلال البرتغالي وتوحدت في دولة قوية تحكمها سلطة مركزة واحدة،ومن جهة أخرى فإن الذين أسسوها هم العلماء والفقهاء وكان بعضهم من ولاة الدولة اليعربية وقضاتها،وقادتها الذين شاركوا في معارك تحرير وتوحيدها، فكان التفكير في الاهتمام بالعلم وتوفير أسبابه أحد اهتمامات المؤسسين، لذلك فقد حبس اثنان من المؤسسين حصة مما يملكون من ماء فلج العراقي لشراء الكتب ونسخها وصيانتها، فكان لهذا الوقف دور كبير في نشأة المكتبة ونموها وبقائها،واستمرارها، يرتادها طلبة العلم وتنتقل من عهدة عالم إلى الذي بعده، وفي القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي ارتأى الأهالي نقل الكتب إلى بلدة مسفاة العبريين التي تبعد عن بلدة الحمراء مسافة 3 أميال تقريبا تحسبا لبعض القلاقل السياسية، فبقيت هناك، ولما انزاح الخطر أعيدت بعض الكتب الى المنزل الذي أخذت منه وهو المنزل الذي كان يقيم فيه الشيخ ماجد بن خميس العبري المتوفى سنة 1346هـ.

    إلا أن الكتب ـ بقسميها ما بقي في المسفاة، وما أعيد الى الحمراء- اعتراها الإهمال وعدم الاهتمام، وبعضها تفرق بأيدي الناس على سبيل الإعارة، وبعضها اختفى لسبب أو لآخر، ولما أنشأت حكومة السلطنة وزارة التراث والثقافة في منتصف التسعينات الهجرية / السبعينيات الميلادية من القرن المنصرم وجدت بعض هذه الكتب طريقها إلى مكتبة المخطوطات بها، وإلى بعض المكتبات الخاصة، وربما هاجر بعضها إلى خارج السلطنة،ومنها ما بقي في البيوت الطينية التي توفي أصحابها ولم يحافظ ورثتهم عليها فتعرضت للسرقة، وللتلف والطمر بسبب السيول، وكادت المكتبة أن تصبح خبرًا ليس له أثر، وكان الذي أبقى هذه المكتبة تنبض على قيد الحياة أمران:

  الأول: بقاء حصة الماء الموقوفة في فلج بلدة العراقي بولاية عبري، واستمرار الانتفاع بريعه حتى اليوم، فقد كان لهذا الوقف الفضل الكبير في بقاء المكتبة لأكثر من ثلاثة قرون، ولولا ذلك لانتهت وانقرضت، مثل كثير من المكتبات الكبرى التي ذكرتها المصادر التاريخية.

الثاني:قيام أمين الوقف بتسليم مخطوطات الكتب المتبقية بعهدته إلى وزارة التراث والثقافة، وكان الاتفاق مع الوسيط أن تهدي الوزارة للمكتبة 100 نسخة من كل كتاب تطبعه.

إعادة الإحياء

في عام1415هـ / 1996م م  بادرت ثلة ضمت (15) شخصا من أهل العلم و الفكر و الثقافة من الآباء الذين أدركوا نصف قرن تقريبا من المرحلة السابقة للمكتبة وقرأوا في كتبها، والأبناء الذين نالوا حظا من العلم والثقافة في عصر النهضة الحديثة للسلطنة بعقد لقاء لدراسة وضع الكتب، التي تعود ملكيتها لمكتبة الوقف المخطوط منها والمطبوع، وضرورة القيام بعمل ما لإحياء هذه المكتبة وتطويرها وجعلها مكتبة عصرية لتواصل عطاءها وإشعاعها الثقافي، واعتبر المجتمعون أنفسهم لجنة رئيسة لتطوير مكتبة وقف الحمراء انبثقت منها لجنة فرعية تنفيذية، وعقدت اللجنة عدة اجتماعات لوضع آليات التنفيذ للمشروع المقترح ومتابعة ما يهم المشروع من مختلف جوانبه، سميت ” لجنة تطوير مكتبة وقف الحمراء”.

أهداف تطوير المكتبة

وضعت اللجنة عددًا من الأهداف لتطوير المكتبة وتشغيلها، وهي: إحياء مكتبة تاريخية تأسست منذ أكثر من ثلاثة قرون، تطوير المكتبة بما يتوافق مع روح العصر، تشجيع الطلبة والباحثين كبارا وصغارا على الحصول على الكتب و المراجع التي تخدم دراستهم وأبحاثهم، نشر الوعي العلمي و الفني من خلال تقديم المعلومات العامة للراغبين بما تتضمنه من كتب و مراجع ووسائل إيضاح أخرى، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للشباب للانتفاع بأوقات الفراغ بالقراءة والمطالعة و اكتساب المعلومات والمعارف.

خطوات التطوير

 

    قامت اللجنة بجهود مكثفة، لتنفيذ الخطة فأنجزت في أقل من شهرين توفير مبنى مناسب ليكون مقرا مؤقتا للمكتبة، حيث تكفل بدفع الإيجار في السنوات الأولى بعض أعضاء لجنة تطوير المكتبة ، وبعد مضي خمس سنوات على افتتاح المكتبة تم استئجار مبنى المركز الصحي القديم بالولاية ليكون مقرا للمكتبة مقابل مبلغ رمزي (ستين ريالا سنويا) يدفع عند تجديد العقد كل (خمس) سنوات ، ولا يزال هذا المبنى هو المقر الحالي للمكتبة، كما تمت صيانة المنزل وزُود باللوازم المكتبية من الرفوف والطاولات والكراسي، وجهاز حاسوب لتسجيل الكتب وترقيمها وفهرستها وفق الإمكانات المتاحة، بعدها جرى نقل الكتب الموجودة في مساجد الولاية إلى المبنى الجديد وكانت كلها من النسخ المطبوعة المهداة من وزارة التراث وبعضها من الكتب المطبوعة المشتراة من داخل السلطنة وخارجها خلال العقود السابقة، وتم تسجيلها في الحاسوب وتصنيفها وفق نظام (ديوي) العشري لفهرسة وتصنيف مواد المكتبة.

كما أعلنت اللجنة عن قبول التبرعات لتغطية تكاليف التطوير، وكان بعض فريق المبادرة أول المتبرعين لتغطية بعض نفقات التطوير، وتجاوب كثير من الأهالي مما عجل بنجاح المبادرة، ثم جرى الإعداد لحفل افتتاح المكتبة، وتم ذلك برعاية سماحة الشيخ المفتي العام للسلطنة وحضور جمع كبير من الأهالي والمدعوين من ولايات السلطنة.

 

الموارد المالية

 

 أولت المكتبة اهتماما كبيرا بضمان الموارد المالية اللازمة لاستمرار المكتبة في أداء رسالتها، وحيث إن المكتبة بحاجة ملحة ومتزايدة من الأموال لتتمكن من تحقيق رسالتها، ولمزيد من التطوير، لهذا كان التفكير ينصب في البداية على دعوة الناس إلى التبرع، مع التفكير مستقبلا في الاستثمار متى توفرت السيولة الزائدة على نفقات التشغيل المتكررة، والتي ترد الى المكتبة من خلال الروافد الآتية :

التبرعات المنتظمة (الصدقة الجارية) ويتمثل في توزيع استمارات للراغبين في دعم المكتبة ماليا لتحويل مبلغ مالي شهري إلى الحسابات البنكية للمكتبة ، وقد حظي هذا المشروع بإقبال من قبل المتبرعين ، ويعد هذا المورد من أهم الموارد التي تعتمد عليها المكتبة في أمورها المالية، ولا يزال هذا الرافد ـ وإن كان قليلا ـ إلا أنه هو الأساس منذ افتتاح المكتبة، خير الأعمال ما دام وإن قل، وهناكالتبرعات غير المنتظمة وهي عبارة عن مبالغ نقدية متفرقة تصل إلى المكتبة من قبل متبرعين، من الجنسين، دعما للمكتبة، وقد تكون التبرعات عينية كالكتب وغيرها، بالإضافة إلى رسوم الاشتراكات والتجديدات وهي مبالغ رمزية يدفعها مرتادو المكتبة لفتح اشتراك يمكنهم من استعارة مواد المكتبة خارج مبنى المكتبة، وهي عبارة عن (ريال واحد) للموظف و (نصف ريال) للطالب ، بحيث يتجدد هذا الاشتراك سنويا.

كما أن هناك عائد وقف يتمثل في مبلغ مالي سنوي من نصف أثر الماء الذي أوقف للمكتبة من فلج العراقي بولاية عبري، وهذا العائد كان له الدور الكبير في بقاء مجموعة الكتب منذ منتصف القرن الحادي عشر الهجري، ولا يزال هذا العائد يسهم في تمويل المكتبة، كما أوصت إحدى معلمات القران الكريم بعقار يُقسم ريعه الشهري مناصفة للمكتبة ولتعليم القرآن الكريم.

كما قامت المكتبة ببناء محلين تجاريين في جزء من قطعة الأرض التي حصلت عليها المكتبة، وقد تم تأجيرهما  لأحد المستأجرين، وسيحقق المشروع بعد إنجازه مصدرا ماليا منتظما يساعد المكتبة على القيام بشؤونها وتوفير متطلباتها المتجددة.

خدمات المكتبة

       تقدم مكتبة وقف الحمراء العديد من الخدمات التي تتجاوز الأعمال التقليدية لتشمل أعمالًا إبداعية كثيرة، ومن بين خدماتها: توفير المراجع والموسوعات غالية الثمن وجعلها في متناول أفراد المجتمع من خلال اقتناء المكتبة لها وإتاحتها لمرتاديها، وإتاحة الفرصة للقراءة والبحث، والاستعارة، واستقبال الزيارات الطلابية المدرسية للمكتبة، واستقبال الوفود من داخل السلطنة وخارجها لزيارة المكتبة وتعريفها بالولاية وتراثها، بالإضافة إلى الاحتفاظ بأرشيف للجرائد اليومية يتيح الفرصة للمهتمين للرجوع إليها لاحقا.

كما أنها تشارك في المعارض التي تقيمها المؤسسات والأهلية، وتتعاون مع الجهات المختصة لتصوير الوثائق والمخطوطات المودعة بالمكتبة ونسخها، وتعاون كذلك مع الفرق الرياضية في إقامة الأمسيات والاحتفالات، وغيرها من الخدمات والأنشطة التي تؤكد بها حضورها المجتمعي الواضح.

 

نتائج وآثار مهمة

 

 قدم مشروع تطوير مكتبة وقف الحمراء الأهلية خدمات جليلة – مباشرة وغير مباشرة – للأفراد والمجتمع المحلي من بينها: حفظ معلم من معالم التراث الثقافي العماني، توفير مكتبة عامة في الولاية يلجأ إليها الطلاب و المثقفون و الباحثون، جمع التراث الثقافي للولاية من خلال جمع بعض المخطوطات وصيانتها وحفظها في المكتبة، تعويد الناشئة على ارتياد المكتبات العامة والبحث فيها، وغرس ثقافة العمل التطوعي لدى أفراد المجتمع من خلال العمل بالمكتبة أو التبرع لها، كما أن هذا المشروع أسهم في تحفيز أبناء بعض الولايات الأخرى بالسلطنة على تأسيس مكتبات أهلية قائمة على العمل التطوعي.

 

المرجع:

العبري، علي بن هلال. دور المجتمع في حفظ التراث الثقافي العماني .مكتبة وقف الحمراء الأهلية نموذجاً، جامعة السلطان قابوس

  • الصور من حساب المكتبة على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر).

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock