“المرشدون” تسطّر قصة نجاح حملة حج عُمانية تستهدف راحة الحجاج

أثير – المختار الهنائي

لا يمكن للنجاح أن يذكر إلا ووراءه عملٌ دؤوب، ولا يمكن أن يكون نجاحًا إلا بعد أن يحقق رضا من قام به وكذلك من استفاد، ولا يمكن للإنسان أن يكون ناجحًا إلا إذا تحلّى بالكثير من المهارات التي تأتي بعد جهدٍ وصبرٍ متواصل، والعمل كما يُقال “عبادة في الدنيا وفلاح في الآخرة” فكيف وأن العمل الدنيوي هو طريق أمام الناس إلى آخرتهم.

في هذا الموضوع تضع “أثير” مجهرها أمام قصة نجاح مختلفة، نذكر مجالها لأول مرة ، وكنّا شاهدين عليها في رحلة سابقة خرجت من السلطنة إلى أطهر بقاع الأرض “أم القرى”، واليوم نحن أمام حملة للحج والعمرة، عُرِفت بمرشديها وأصحابها لتحمل اسم “المرشدون للحج والعمرة” ويَعُدّها البعض أفضل حملة للحج على مستوى السلطنة.

“أثير” اقتربت من الشيخ راشد بن سالم الراشدي صاحب حملة “المرشدون” الذي يعمل فيها بمعية شركائه وأولاده وأقاربه، والكثير من الشباب العمانيين منذ عام 2005م ، حيث تميزت الحملة بوجود مجموعة من المشايخ والوعاظ يرافقون حجاج بيت الله الحرام، ويعلمونهم مناسك الحج خطوة بخطوة ويصحبونهم حتى أثناء المناسك وفي بيت الله الحرام .

في البداية يحدثنا الشيخ راشد عن عمله الإداري كمدير لدائرة الحاسب الآلي بمجلس الشورى، حيث عمل هناك مدة عشرين عامًا ، لتتولد لديه فكرة إنشاء شركة لنقل الحجاج هو وشريكه طلال الراشدي، بعد أن مرّا بتجربة الذهاب إلى الحج في إحدى الحملات، والأحداث التي مرت عليهم من سوء خدمات من قبل الحملة التي ذهبا فيها ومعاناتهما من الخدمات المتدنية جدا ، وإقامة في غرف مكتظة بشقة تقع في بناية قديمة متهالكة، وزحمة شديدة على دورات المياه، وتنقل بين المشاعر المقدسة على حافلات قديمة متهالكة وغيرها من الخدمات التي رأى أنها تحتاج حتمًا إلى إصلاح عاجل وسريع من أجل الحاج العُماني .

التقت رغبتهما في إطلاق حملة حج يكون همها (إرشاد الحاج وخدمته)، راشد كان منهمكا في عمله بمجلس الشورى، ولكي يدخل في مثل هذا المشروع الصعب فإنه يحتاج إلى شخص متفرغ ليشاركه وليبدآ معًا هذا المشروع الواعد، وكان ابن عمه طلال يحمل نفس الفكرة، وتوفر لديه التفرغ والوقت والحماس إلا كان بحاجة إلى شريك لديه الخبرة الإدارية وهو الذي كان يتميز به راشد، فكان الاتفاق وكانت البداية التي كان منها انطلاقة “المرشدون”.

يقول راشد الراشدي : “في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية طلب منا التوجه أولا إلى وزارة التجارة لفتح سجل تجاري به نشاط نقل الحجاج، وفي وزارة التجارة طُلب منا تسمية المشروع ، وأخبرت شريكي طلال نحن نهدف من خلال مشروعنا هذا إلى إرشاد الحاج وخدمته، فإذًا نحن المرشدون أليس كذلك ؟ فكانت ابتسامة طلال وإعجابه الكبير بالاسم دافعًا لإنهاء الإجراءات بالسرعة المطلوبة”.

يضيف الراشدي :” قبل أن يداهمنا موسم الحج قررنا أنه لابد من خوض تجربة، ولا بأس بأن تكون تجربة صغيرة، فكانت أول رحلة عمرة للمرشدون بالاشتراك مع حملة الشيخ/ سعود الهاشمي، وكانت رحلة برية تدريبية ناجحة مشجعة لرحلة ثانية للمرشدون حصريًا بدون شريك، وتم ذلك في شهر رمضان، عندها أصبح المرشدون قد أتموا استعدادهم وأعلنوا جاهزيتهم لأول حملة إلى الحج عام 1426هـ – 2005م”.

وعن تجربة الحج الأولى يوضح الراشدي :” تجربة الحج الأولى تحتاج إلى احتياطات كبيرة وحذر أكبر لأنها بمثابة إيجاد موطئ قدم في عالم حملات الحج، لهذا تم التنسيق مع حملة الشيخ سعود الهاشمي من أجل شراكة متميزة في موسم الحج لتتظافر جهود الحملتين لإنجاح أولى رحلاتهما إلى الحج، وكان عدد الحجاج في الحملتين ناهز المائة والخمسين حاجا وكان أهم نجاح حققته الحملة هو أنها مكنت الحجاج من التفرغ لأداء المشاعر وقاتلت في الخفاء ودون أن يشعر الحاج بشيء لجلب الخدمات التي تليق به مع انضباط ودقة في المواعيد” .

هذا النجاح –حسب ما ذكر الراشدي- فتح شهية المرشدون لتكثيف رحلاتها للعمرة ليصل موسم الحج التالي وقد اكتسب رجالها خبرة وممارسة جيدة في تسيير الحملات؛ وهو ما جذب انتباه حملة أنوار أم القرى، فطلبت من المرشدون أن يقوموا بإدارة شؤون حجاجها في الحج فكان اندماجا إيجابيا بين الحملتين وكسبت المرشدون من خلال هذا الاندماج مهارة قائدَيها ناصر بن خميس المشايخي وناصر بن سليم المشايخي في إدارة الحافلات التي تُعد من أصعب المهام في الحج مما جعلها تخرج في الموسم الثاني بطاقم قوي متكامل برزت فيه بعض الأسماء الأخرى كالشيخ/ سيف بن سعيد الشبلي والشيخ الواعظ/ بدر بن هلال البوسعيدي.

في الموسم الثالث دخلت “المرشدون” بثقة كبيرة، وقرارات جريئة ومنها اختيار مبنى مدرسة القرآن بجبل النور لسكن الحجاج، حيث تميز المبنى الجديد بوجود قاعتين كبيرتين للرجال والنساء للمحاضرات والدروس، مما مكّن المشايخ والوعاظ الذين يرافقون الحملة من أداء رسالتهم بفاعلية كبيرة جعل شعار المرشدون الجديد (استشعر المناسك) بارزًا.

وفي المواسم التالية انهالت الطلبات على “المرشدون” من بعض الحملات لإدارة حصصها من الحجاج مقابل نسبة معينة فكانت الفرصة ملائمة ليتمكنوا من استغلال كامل المبنى الجديد والذي يتسع لعدد 200 حاج وليكتسبوا خبرة في إدارة أفواج أكبر وعدد أكبر من الحافلات، لتصبح خيام المرشدون في منى بالمخيم العماني من أوائل الخيام التي دخلتها الأسرّة القابلة للطي وزينتها الستائر والسجاد الأنيق.

يقول الراشدي : “تسامع الناس بهذه الحملة الفريدة من الحجاج العائدون من الحج فأصبحت مقاعد المرشدون تحجز كاملة للموسم القادم فور عودة الحجاج إلى أرض الوطن، وموسم عام 1437م كان موسمًا استثنائيًا لحجاج سلطنة عمان ولشركات الحج حيث أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية نظامها الإلكتروني لتسجيل الحجاج الذي كانت أبرز نتائجه:
1. إعطاء أولوية الحج لأصحاب الفريضة الأكبر سنا ثم الأصغر
2. إعطاء الحاج الحاصل على استحقاق الحج الحرية الكاملة لاختيار الحملة التي يرغب بها
3. رفع سقف الحملات إلى 300 حاج مقابل إلغاء نظام الحصص السابق

والمرشدون كانت الشركة الوحيدة على مستوى السلطنة التي تمكنت من الوصول إلى السقف الأعلى وذلك بتسجيل عدد 300 حاج، وفي موسم 1438 تم ضم تصريح أنوار أم القرى إلى شركة المرشدون في اندماج رسمي لتتمكن المرشدون من ضم 540 حاجا في صفوفها، وخلال موسم 1439 استطاعت الحملة تحقيق رقمين قياسيين على مستوى السلطنة.
الأول: تسجيل أكثر من 300 حاج خلال أقل من 24 ساعة من بدء التسجيل
الثاني: تسجيل عدد 730 حاجًا وطاقم خدمة وهو أكبر عدد في تاريخ السلطنة يتم تسجيله في حملة واحدة.

وفي سؤال طرحته “أثير” حول سبب النجاح الوعظي والإرشادي يُجيب الراشدي : لدى المرشدون فريق علمي قوي ترأّسه في العام الماضي الشيخ/ أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي، ويضم هذا الفريق دعاة وعلماء معروفين كالشيخ/ داود بوسنان والشيخ/محمد بن أحمد الهنائي والشيخ الدكتور/ خالد بن سالم السيابي والشيخ/ بدر بن هلال البوسعيدي والشيخ/ طالب بن علي الراشدي والشيخ/ زاهر بن سالم آل عبدالسلام والشيخ/ صالح بوكراع وغيرهم.

وفي سؤال آخر حول الاهتمام بالنساء في الحج يقول : لدينا فريق متخصص في الخدمة النسائية، قد اكتسب المهارات اللازمة له تحت قيادة الأستاذة خديجة بنت سيف الطوقية والأستاذة الواعظة/ عبير الخصيبية وقد تم تثبيت معظم العضوات فيه وعددهن ست ليكتسبن خبرة كبيرة تتراكم سنويًا في إدارة شؤون الحاجات ورعايتهن وهو ما ميز المرشدون بوجود كادر نسائي وعظي وكذلك صحي، حيث يرافق الحملة طاقم طبي وتمريضي .

“أثير” طرحت سؤالًا آخر حول المشاكل والمواقف التي تحدث في مواسم الحج وكيف تتعامل معها حملة المرشدون ، فيوضح الراشدي: “في إحدى المرات حدثت مشكلة انقطاع الأسلاك الموصلة لمكبرات الصوت في المخيم العماني قبيل خطبة عرفة خلال موسم حج 1438، واجتمعت الإدارة بالفريق العلمي للمرشدون وقاموا بترشيح الشيخ الدكتور خالد بن سالم السيابي لخطبة عرفة والشيخ زاهر بن سالم آل عبدالسلام للدعاء حيث التجهيزات الصوتية الاحتياطية متوفرة لدى المرشدون فلم يشعر حجاجها بهذه المشكلة إطلاقا بسبب وجود طاقم وعظي متمكن علميًا وإدارة متمرسة في إدارة الأزمات ليتفرغ الحجاج لعباداتهم ويتلذذوا باستشعار مناسكهم، وهذا مجرد مثال ، والحمد لله نستطيع تجاوز كل المشاكل بفضل فريق الخدمة المتمكن جدا.

لماذا المرشدون متميزون، وكيف يُمكن أن تتميز الحملات؟ سؤال طرحناه للفائدة وكيف من الممكن أن يستفيد أصحاب الحملات من نجاح حملة المرشدون، ليس بغرض التنافس التجاري بل بالغرض الأسمى وهو خدمة حجاج بيت الله الحرام. فيجيب الراشدي بكل وضوح: الحج جهاد كبير، والحاج يبذل جهدًا كبيرًا في أيام الحج، ونحن وضعنا هدفنا بأن نيسّر للحاج أداء مناسكه، لذا أقررنا وألزمنا أنفسنا بعدة جوانب كانت سببًا لتميز حملتنا وهي:

1. الحافلات التي يتنقل من خلالها الحجاج بين المشاعر المقدسة يجب أن تكون من طراز حديث جدا
2. واعظ متمكن ومرخص بالإضافة إلى إداري ذي خبرة وكفاءة على كل حافلة من حافلات المرشدون ليعملا معًا على الاعتناء بركابها ورعايتهم ومرافقتهم في جميع المناسك
3. كل حاج يتم تسليمه رقم الغرفة التي سوف يقيم فيها ورقم الحافلة التي سوف تستقبله في المطار ويتنقل بها بين المشاعر المقدسة وحتى يستقلها إلى المطار للعودة إلى أرض الوطن.
4. يبدأ المرشدون في تهيئة الحجاج قبل سفرهم وذلك بتجميعهم في تجمعين اثنين لتقديم عرض وشرح لبرنامج الرحلة وكذلك تقديم شرح وافٍ للمناسك باستخدام وسائل العرض المرئي.
5. يخصص المرشدون اليوم الخامس والسادس والسابع من ذي الحجة لدورة علمية وتأهيلية مكثفة للحجاج في قاعات الفندق تضمن للحجاج دخول جو المناسك في اليوم الثامن من ذي الحجة وهم على قدر كبير من الدراية والعلم بالمناسك تكسبهم ثقة وطمأنينة وسكينة أثناء تأديتهم للمناسك .

وحول الاستعدادات لموسم الحج القادم 1440م يذكر الراشدي : يدخل المرشدون باستعدادات مبكرة جدا وخبرة كبيرة في اختيار الأفضل للحجاج حيث أنهينا التعاقد مع فندق 4 نجوم بمكة المكرمة لحجز 75% ، من غرف الفندق مع حجز قاعتيه الماسية والذهبية اللتين تتسع كل منهما لأكثر من 500 حاج ، مع العلم بأن هذا الفندق يقع في خارج نطاق الازدحامات المرورية كما يحتوي على 12 مصعدًا وبهوا واسعا لسهولة تفويج الحجاج واستقبالهم، كما أنهينا إجراءات حجز فندق كورال المدينة لحجاج مسار المدينة والذي يصنف بأنه الفندق الأذكى على مستوى المدينة المنورة بسبب لمساته الإلكترونية في غرفه ومرافقه كما أنه مطل مباشرة على الروضة الشريفة المباركة.

ويضيف الراشدي : من ضمن استعداداتنا وجاهزيتنا أتممنا التعاقد مع شركة سابتكو السعودية لاستئجار عدد 16 حافلة من طراز 2020 ، والتي تعد الأحدث في أسطول الشركة، والتي يخصص لها موقف بجوار الحرم المكي الشريف لنزول الحجاج وانتظارهم لحين عودتهم إليها، ومن أهم مفاجآت المرشدون هذا العام انضمام بعض الأسماء الكبيرة إلى الفريق العلمي حيث سيتم الإعلان عنها لاحقا بالإضافة إلى الأستاذة/ ميمونة الجامعية التي انضمت بالفعل إلى الفريق الوعظي النسائي ابتداءً من هذا العام.

ويختتم الراشدي حديثه لـ”أثير” قائلا بأن فريق حملة المرشدون عاهد الله قبل كل شيء بأن خدمة الحجاج هي مسعى يجب أن يتم بإخلاص، متمنيًا لجميع حجاج بيت الله الحرام التوفيق والسداد، وأعرب عن شكره الكبير لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية على التطور الكبير في موضوع تسجيل حجاج بيت الله الحرام والمرونة في العمل والإجراءات.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock