د.عبدالله باحجاج يكتب: الحيرة الاجتماعية من تعارض وتباين الخطابات “السياسية والدبلوماسية والنخبوية” من قضية الساعة في بلادنا

أثير – د.عبدالله باحجاج

التوصيف الدقيق للقضية التي نطرحها اليوم يكمن في الآتي: تعارض جوهري بين الخطابين السياسي والدبلوماسي على خلفية آخر تطورات العلاقة بين الشقيقتين “السلطنة والإمارات”، وتباينٌ كبيرٌ بينهما مع خطاب النخب ومواقع التواصل الاجتماعي العمانية التي شكلت رأيًا وطنيًا عامًا متحفزًا ومعبئًا من قضية الاختراقات الإقليمية خاصة والعالمية عامة، ونجحت في صناعة وعي مجتمعي على مختلف مستوياته بأهم تحديات ومخاطر الجيوسياسي لبلادها، فكيف يأتي الخطابان السياسي والدبلوماسي متعارضين مع بعضهما البعض من جهة ومتباينين مع خطاب النخب والتواصل الاجتماعي من جهة ثانية؟

لم نشهد مثل هذا التعارض والتباين والتعدد طوال العقود الماضية، لذلك لابد أن يفتح ذلك جدالا داخليا، ينبغي التسليم به، لأن هذه المرحلة يلتقي فيها عامل قوي، وهو الوعي المجتمعي، ومن ثم، من الطبيعي أن يكون لهذين الخطابين ردود فعل وانعكاسات على المجتمع، ونرصد ردود الفعل الاجتماعية على الموقفين السياسي والدبلوماسي في التساؤلات التالية:

• أبرز ردود الفعل على الموقف السياسي:

س: هل ما يحدث بين الشقيقتين هو مجرد استفزاز فقط؟
س: وهل هذا الاستفزاز من صناعة مواقع التواصل الاجتماعي؟

هذا الموقف السياسي يقفز فوق واقع معترف به دبلوماسيا، وهو أن هناك قضية تجسس ينظر فيها القضاء العماني، فهل تعاطي وسائل التواصل الاجتماعي معها يشكل استفزازًا بين الأشقاء؟ وهل المطلوب منها أن تلزم الصمت على ما يحدث بين الفينة والأخرى من مزاعم وافتراءات تجاه حقوق بلادنا المادية والمعنوية، أم يجب أن تقف مع قضاياها الوطنية؟

هنا منطقة توهان اجتماعية يحدثها الموقف السياسي، ومن المؤكد لها انعكاسات اجتماعية، سنؤجلها لاحقا، وبالتالي، فأين الحكمة من هذا الموقف؟ هذه الحكمة لم تصل للرأي العام حتى الآن، وقد نتجرأ في اكتشافها في آخر المقال، لكن، إذا ما استند فقط إلى الخطاب السياسي، فإن تلكم التساؤلات تظل مطروحة وبقوة.

• أبرز ردود الفعل على الموقف الدبلوماسي
س: هل التجسس بين الأشقاء مقبول؟
س: وإذا كان أمرًا واردًا رغم أنه غير مقبول، فهل ينبغي التسليم به علانية؟
س: وإذا كان التجسس مؤثرًا ومتكررًا، هل ينبغي التعامل معه بأسلوب ناعم؟
س: وهل النعومة ردع يحول دون التكرار من الشقيق أو يحول دون التواطؤ معه من الداخل؟

تساؤلات نطرحها لإدارة مرحلة فكرية، نخشى أن تسكن فيها بعض المفاهيم المرفوضة التي هي أصلًا من الخطوط الحمر، خاصة إذا ما علمنا بأن من أهم أهداف التجسس الحصول على معلومات تمس الأمن القومي لأية دولة، أي أسرارها في مختلف المجالات، وبالتالي، هذه منطقة لا ينبغي أن تكتنفها الضبابية وإنما الوضوح والدقة والحزم، لأنها من عوامل صناعة الردع، وتقوية المجتمع.

لن نقبل التجسس أو اختراق أي شقيق في المقابل لن نقبل التجسس علينا أو اختراقنا من الشقيق، وإذا حدث ذلك، فإن الخلل سيكون تغليب في عامل الصراع والتنافس على عامل التعاون.. وإذا ما استمر تغليب العامل الأول، على نظيره الثاني، فمن الطبيعي أن يوسم ذلك العامل على علاقات أي بلدين، وهذا هو السائد على مستوى كل العلاقات الدولية، لذلك، يحتم على الدول التي ترتبط فيما بينها بروابط مشتركة وحدود متداخلة ومتلاصقة، وتشكل فيما بينها وحدة تكاملية، كالأشقاء في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي أن يسود فيما بينها مبدأ التعاون عبر ترسيخ قاعدة الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وهجر الصراع والتنافس بينهما، لأنه ليس بينهما رابح وخاسر، بل الربح للكل يميل جهة تعزيز التعاون وليس الصراع والتنافس، وكل الشواهد والاستدلالات التاريخية والمعاصرة تؤكد النتيجة سالفة الذكر.

ولو تم الإيمان بهذا المبدأ في قناعات هذه الأنظمة، ورسخته ممارساتها وسلوكياتها السياسية، فالدول الست كلها سيعم عليها الخير، وتكاملية جغرافيتها مؤهلة للانتقال لهذا النوع من التعاون، ونعتقد أن رهانات السلطنة على مبدأ التكامل الاقتصادي بين اقتصاديات الدول الست، تنضجه الآن كل الظروف والمعطيات الإقليمية والعالمية، كيف؟

فهاجس الهيمنة الإقليمية وخاصة على بحر العرب، يمكن احتواؤه عبر ربط الموانئ البحرية والجوية للدول الست سواءً بواسطة النقل الجوي أو سكة حديد – كما هو مقرر – مما ستنتعش الحركة الاقتصادية بين الدول الست، وتسهم بصورة فعالة وتشاركية مع العالم الجديد الذي يتجه نحو القرن الأفريقي بدلا من التفكير نحو الهيمنة الانفرادية التي لن تتحقق مهما تم صناعة الشعور بالاستقواء.

وحتى تتبلور هذه القناعة السياسية، ويصدقها العمل، فإن مثل ذلك التعارض بين الخطابين السياسي والدبلوماسي من جهة والتباين الكبير مع خطاب النخب العمانية، له مردود عكسي على المجتمع، فالتلويح بالاستفزاز والتقليل من حجم مخاطر التجسس، لن يصنع مجتمعا مدركا بحجم التحديات التي قد أصبحت تتقاطع على بوابات بلاده المائية، وبعضها تخترقه من الداخل، وكلما تعاظم أهمية بلاده الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية نحو بحر العرب سيزداد الاختراقات والتجسس على البلاد من الشقيق والصديق على السواء.

من هنا، يستوجب أن يظل المجتمع واعيا بمثل هذه القضايا لدواعي الحصانة من جهة وحتى لا يُعذَر أحدٌ بجهله إذا ما وقع في شباك التجسس والاختراق، وقلقنا من الأخيرة أكبر في ضوء مؤشرات حقيقية، قد تنجح في المساس باللحمة الوطنية وبمراجعها الوطنية الثابتة، إذا ما استمرت إدارتنا السياسية والدبلوماسية على نهجهما الراهن، واختزلت القضية الساخنة في مفردتي “الاستفزاز والتسليم بالتجسس والتعامل الناعم معه” لأن ذلك سيخفف من حدية النقاط الحمر عند المجتمع، وسيكون أمام المخترق الأبواب مفتوحة للنيل من الوحدة الترابية، وتعطيل مصالحنا الاقتصادية.

وعندما كلنا نمعن التفكير في فهم أبعاد الموقفين السياسي والدبلوماسي، اهتدينا إلى احتمالية أن يكون منطلق كل واحد منهما، تبني المقولة التالية “المبادئ ثابتة والأفكار متحركة” وأفكار الموقفين تمليهما حسن النية في عدم التصعيد، وأنهما موجهان للخارج، لكن الإشكالية في تعارضهما، وفي انعكاساتهما على الجبهة الداخلية، والتحذير هنا من تحييد المجتمع وقوته الناعمة من معادلة أي خلاف أو اختلاف يستدعي الرهان على المجتمع خاصة وأن بلادنا تمر بمرحلة اقتصادية انتقالية، يشهد المجتمع فيها بعض الآلام الاجتماعية من جرائها، وبالتالي،  من مصلحتنا الوطنية الحفاظ على وحدة الموقفين السياسي والدبلوماسي وعلى قوة المجتمع وعلى متانة الرابط السيكولوجي لمفهوم المواطنة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock