بالصور: “وستاد” عُماني سبعيني يحكي شهادته عن صناعة السفن

 أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

في يومٍ ما كانت الأشخرة؛ تلك النيابة الجميلة الواقعة في حضن بحر العرب تزخر -عدا عن جوّها المنعش- بعشرات الصواري التي تطاول السحب كعلامةٍ بارزة للسفن الممتدة على طول شاطئها في دلالةٍ واضحة على تاريخٍ طويلٍ لأهلها في مجال البحر والتجارة والتنقل بين الموانئ المختلفة بحثًا عن لقمة العيش، ومن أجل إضافةِ أسطرٍ مهمّة في كتاب التاريخ العماني!

اليوم لم تعد تلك الصواري بارزة كما كانت سابقًا، ولم تعد تلك (الجوارِ المنشآت) تغفو على الشاطئ الذي ألفته وأحبته كثيرًا يداعبها نسيم (الكوس) كما كانت تفعل، ولم تعد أهازيج بحّارتها مسموعةً من على قرب، واختفى الصغار الذين كانوا يتنقلون على ظهورها حالمين بيومٍ قريبٍ يعلنون فيه عن رجولتهم بقيادة دفّتها نحو المجهول، بل حلّت محلها سفنٌ أخرى بلا هويةٍ أو شكل!

وعندما زرت الأشخرة عصريةَ يوم جمعةٍ شتويٍ جميل، ودارت بي الذكريات كثيرًا أمام شاطئها، طلبت من مرافقي الصديق حمود الجعفري أن يرتب لي لقاءً مع أحدٍ مِمّن تبقى من شهود ذلك العصرِ الجميل بعد أن رحل كثيرٌ من صانعيه، فاقترح عليّ أن نذهب برفقة خاله محمد بن راشد الجعفري وهو راوية متمكن وملم بأجزاء مهمة من تاريخ الأشخرة البحري إلى (الوستاد) حمد بن جمعه أحد الشهود المتبقين على ذلك العصر والذي وجدناه في مقهىً صغير من مقاهي النيابة الحالمة يجترّ الذكريات مع أحد رفاقه كعادته بعد صلاة العصر.

 وفي مجلس بيته العامر الكائن في حارة (المندسّة) إحدى حارات الأشخرة العريقة، وحيث الصور العديدة المعلقة على جدران المجلس التي توضح جانبًا من السيرة الذاتية لضيفنا وتحمل ذكريات زمنٍ جميل مضى؛  فتح لنا الرجل السبعيني الهادئ البشوش قلبه وذاكرته، في حوارٍ طويلٍ لكنه شائق ومثير حول موضوعاتٍ عديدةٍ تتعلق بتاريخ صناعة السفن في الأشخرة بصفةٍ خاصة، وموانئ المنطقة بصفةٍ عامة، وسرد لنا قصصًا عديدةً تدل على تحمل أولئك الرجال وصبرهم في مواجهة الطبيعة وظروفها من أجل لقمة العيش، ولم يخلُ الحوار من حسرةٍ وألمٍ بدت على محيّاه وهو يتحدث عن واقع صناعة السفن اليوم، وغياب العديد من تلك السفن وسط دائرةٍ من الغفلة والإهمال!  

بدايات مبكّرة

الوستاد حمد بن جمعه بن عبد الله الجعفري هو سليل أسرةٍ امتهنت صناعة السفن في الأشخرة واشتهرت بها منذ مئات السنين، وهي أسرة (أولاد ريحان) التي أنجبت العديد من (الوساتيد) الذين كانوا شهودًا وصنّاعًا لزمنٍ جميلٍ مضى حينما كانت الأشخرة أحد أهم الموانئ التجارية على ساحل بحر العرب، وحينما كان شاطئها مصنعا كبيرا للرجال الذين برعوا في مجالات التجارة والصيد وصناعة السفن وغيرها من الحرف التي ارتبطت بالمكان، ومن هؤلاء الوساتيد على سبيل المثال: سليم بن جميّل، حمد بن سعيد، عبد الله بن سعيد، حليس بن عبد الله، خليف بن عبد الله، ناصر بن عبد الله، سليم بن علي، ومصبح بن علي وغيرهم من أبناء هذه الأسرة العريقة.

وكعادة أبناء جيله في ارتباطهم بالحرف القريبة منهم، فقد اتجه الوستاد حمد نحو حرفة آبائه، وبدأ في تعلمها من خلال عمه الوستاد خليف بن عبد الله، وبعد أن تشرّب المهنة وتمكن من فكّ بعض طلاسمها أسس ورشته الخاصة وانطلق في مزاولة الأعمال المرتبطة بها حتى أصبح وستادًا متمكنًا يُشار إليه بالبنان، حيث بدأ في صناعة السفن مثل البدن والشوعي، وفي بداية السبعينيات ومع انتهاء زمن الأسفار واضمحلال دور البدن، اتجه لصناعة قوارب الصيد بمختلف أحجامها، وبعدها في صناعة الأبواب والمنتجات الخشبية المختلفة.

الاتفاق على صناعة السفينة

وعن الخطوة الأولى لصناعة السفينة حدثنا ضيفنا وهو يتصفح ألبومًا يحوي صورًا عديدةً له في ورشته، وحواراتٍ قديمة أُجريت معه من قبل بعض محرري الصحف؛ بأنها تبدأ من خلال الاتفاقبين الوستاد وصاحب السفينة  في لقاءٍ مشترك يحدد التاجر طلبه ويبين رغبته في صناعة سفينة جديدة، ويرغب أن تتم هذه الصناعة على يده، فيتم الاتفاق بين الطرفين على نوع السفينة التي يرغب هذا التاجر في صناعتها، وحجمها، ومقدار حمولتها، كما يتم الاتفاق على المدة الزمنية اللازمة للصناعة، ونوعية الأخشاب التي ستصنع منها السفينة، والطرف الذي سيلتزم بتوفير المواد للصناعة، كما يتم تحديد أية طلبات أخرى يرغب التاجر في توفرها في السفينة، بعد كل هذه الاشتراطات التي يطرحها التاجر والمواصفات يحدد الوستاد قيمة العمل المطلوب وتكاليفه.

أما المدة الزمنية لصناعة السفينة فتعتمد على حجم السفينة، ومدى توفر المواد اللازمة للصناعة كالأخشاب وغيرها من المواد.

مراحل صناعة السفينة

كانت عملية صناعة السفينة تمر بمراحل متتالية تبدأ بتحديد الحجم المطلوب من حيث الطول والعرض والارتفاع بحسب نوعها، ثم تنطلق عملية البناء في الشاطئ الذي ستبحر منه بعد أن تكتمل.

وبعد قطع الخشب وتفصيله على يد الوستاد الذي اكتسب خبرته من مدرسة الحياة، يتم أولا تركيب (الهيراب) الذي يعد قاعدة السفينة، ثم يتم تثبيت الألواح الخارجية، وبعد ذلك يتم تركيب سطح السفينة،  ثم يُثبت “الدقل” وهو الصاري، وبعد ذلك تأتي عملية سد الفراغات من خلال أنواع معينة من القطن المدهونة بالزيت، وتتم عملية سد الفراغات والدهن الخارجي بالصلّ المستخرج من زيت السمك وأنواع أخرى من المواد المانعة للتسرب وذلك لإطالة عمر السفينة.

بعد أن تكون السفينة جاهزة يتم إنزالها إلى البحر من خلال اشتراك عدد كبير من أهالي المنطقة في ذلك ضاربين مثالًا جميلًا للتعاون والمشاركة، وكانت العملية تتم بمصاحبة الأهازيج والفنون الشعبية التي تثير الحماس في النفوس، وتعين على مواصلة العمل لإنزال السفينة إلى البحر كي تبدأ رحلة انطلاقةٍ جديدة أسوةً برفيقاتٍ لها سبقنها في مجال الكفاح وصناعة التاريخ.

وطوال مراحل صناعة السفينة كان هناك العديد من العادات الاجتماعية الجميلة التي تعبّر كلٌّ منها عن انتهاء مرحلة من مراحل صناعة السفينة وابتداء الأخرى، وهي عادات يقصد منها بث روح الألفة والتعاون والحماس بين فريق صناعة السفينة، وصاحبها.

عدّة الوستاد

ونحن نتبادل أطراف الحديث مع ضيفنا كانت عدّته التي لا يزال يحتفظ بها كجزء من ذكريات جميلة، أو وكأنها جزءٌ من حياة؛ متناثرةً بين يديه، وكانت فرصة كي نطلب منه أن يشرح لنا تلك الأدوات وماهيّة استخدامها، وعرفنا منه أن الوستاد يستخدم في صناعة السفينة عدة أنواع من الأدوات تختلف مادة صنعها باختلاف استخدامها فهناك: الجدوم (الفأس)، المطارق، المنشار، المسن، المجدح، المنقاب، السكنا، الرندة، الحامور، الخيط والبلد، ولكل أداة من هذه الأدوات استخدامها المختلف عن الأخرى وإن كان الكل يتكامل في عمليةٍ شاملة ينتج عنها تحفٌ فنيةٌ عديدة لا يقدر عليها سوى فنانٍ متمكن.

الأخشاب المستخدمة

وعن الأخشاب المستخدمة في صناعة السفن فقد استخدم الوساتيد بحسب شهادة ضيفنا عدة أنواعٍ من الأخشاب في صناعتهم للسفن، وتنوعت استخدامات هذه الأخشاب؛ فهناك أخشاب استخدمت كألواح، وأخرى كشلمانات أو فرمات أو حلاقيم أو لصنع الصواري وأنواع الفرمال، واختلفت مصادر هذه الأخشاب فهناك أخشاب عُمانية وأخرى هندية وثالثة أفريقية، ومن الأخشاب العُمانية المستخدمة: السدر والقرط وتستخدم في الشلمانات أو الفرمات أو الحلاقيم، وهناك أنواع أخرى من الأخشاب مثل الغاف والسمر ولكن استخدامهما في صناعة السفن قليل، أما الأخشاب الأفريقية فمنها الميط ويستخدم في صناعة الشلمان، والمسمباتي وهي شجرة يستفاد منها في عدة استخدامات في صناعة السفينة، أما الأخشاب الهندية فأبرزها: الساي ( الساج ) الذي يُعدّ من أجود وأفضل الأنواع لصناعة السفن بسبب صلابته ومتانته ومقاومته للمياه وعدم تأثره بمؤثرات الرطوبة والحرارة، إلا أنه لا يُستخدم في صناعة الهيراب بصفة عامة  حيث يفضل عنه خشب الينقلي، وهناك البنطيج الذي يستخدم في صناعة أجزاء السفينة المغمورة في الماء بصفة خاصة، والفـيـنـي الذي تستخدم ألواحه في سطح السفينة أو وصل الشلمانات، والينـقلي وهو خشب صلب ومتين وتتميز أشجاره بالطول فيستخدم في صناعة الهيراب ( الهيكل ) ويمتاز عن  خشب الساي بالمرونة مما يساعد على تحمله للصدمات.

وهناك خشب اللمبا (المانجو) واستخداماته بسيطة في صناعة السفينة كالمجاديف والصناديق وغيرها، وبحسب الوستاد حمد فقد كانوا يجلبون تلك الأخشاب من مدينة صور عبر وكلاء هناك كون أن مدينة صور كانت تُعد مركزًا تجاريًا مهمًا تتوافر فيه العديد من البضائع والسلع وبالأخص تلك المرتبطة بصناعة السفن كونها من أهم المدن العمانية والخليجية في تلك الصناعة.

أنواع السفن

وعن أنواع السفن التي كانت (توشر) في الأشخرة، ذكر الوستاد حمد الجعفري بأنها كثيرة بحسب استخداماتها ومنها البدن السفّار وهو نوعٌ كبير من البدن كان يصل لموانئ أفريقيا، والبدن الشغّار وهو نوع أصغر من سابقه ويصل إلى موانئ الهند واليمن والموانئ العمانية القريبة، والسنبوق، والشوعي الذي ظهر في فترةٍ لاحقة، وفي السبعينات انتهت صناعة البدن وبدأت صناعة (اللنجات) وهي سفن خشبية تستخدم في صيد الأسماك، والهواري، والأبواب، وغيرها من الصناعات الخشبية.

وكانت هذه السفن تحمل وتجلب العديد من البضائع التي تختلف باختلاف الموانئ، ومنها: اللخم، السمك المجفف، الملح، اللومي اليابس، البهارات، الأرز، الأقمشة، العطور، الأخشاب وغيرها من البضائع التي تميز الموانئ المختلفة التي كانت تصل إليها تلك السفن.

حسرة وألم

يتحسر الوستاد حمد بن جمعه وهو الحرفي الذي قضى ردحًا طويلًا من حياته في ورشته المفتوحة التي تطل على بحر العرب وسط الأخشاب، مترنمًا بصوت المطارق وهي تهوي على تلك الأخشاب، محولًا إياها إلى تحف فنيةٍ رائعة، وهو يرى الشاطئ خاليًا من سفنه التي لطالما رست على رماله، وعانقت أمواجه، ويتذكر بألم تلك المعدّات الحديثة وهي تهوي على تلك السفن محولةً إياها إلى حطام وسط غفلةٍ من التاريخ، ويتألم كذلك وهو يرى ورش صناعة السفن وهي تقفل واحدةً تلو الأخرى حاملةً معها إرثًا كبيرًا من الفن، والهندسة، والتاريخ، بل وذكريات سنينٍ طويلةٍ كانت حافلةً بأحداثٍ تعد شاهدةً على ماضٍ عريق!

 المراجع:

1-  الغيلاني، حمود بن حمد والعريمي، محمد بن حمد. التاريخ البحري المروي لولاية صور، ط1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2012.

2-  الجعفري، حمد بن ناصر. حوار شفهي مسجل بمنزله، الأشخرة، 28 يناير 2019.

3-  الجعفري، محمد بن راشد. حوار شفهي مسجل، الأشخرة، 28 يناير 2019.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock