بالأمس “حوزة كدم” واليوم “الحمراء”، فماذا تعرف عنها؟

أثير – ريما الشيخ

لعبت محافظة الداخلية دورًا عظيم الشأن في التاريخ العماني، لاسيما في انتشار الإسلام في عُمان، كما كان لها دورٌ بارزٌ في ربط الساحل بداخل عمان، وتتميز بمكانة مرموقة من سفوح جبال الحجر الغربي، باتجاه الصحراء جنوبًا فهي الشريان الرئيسي للتجارة وملتقى القوافل لعدة قرون، وبها عدة ولايات هي: نزوى، بدبد، سمائل، إزكي، منح، بهلاء، الحمراء، وأدم.

واليوم، سنسلط الضوء على إحدى ولايات محافظة الداخلية، ألا وهي “الحمراء”، التي تقع في الجانب الشمالي الغربي من الجبل الأخضر، وتحدها من جهة الشمال ولاية الرستاق، ومن الجنوب ولاية بهلاء، ومن الشرق ولاية نزوى، ومن الغرب ولاية عبري، وتقع على ارتفاع 580م عن سطح البحر.

وتشير كتب التاريخ إلى أنها كانت تعرف سابقا بـ”حوزة كدم” وأطلق على المكان الذي تشغله اسم “الحمراء” نسبة إلى التل الأحمر الذي يحيط بالبلدة من الجانب الجنوبي الغربي عند عقبة الحمراء التي تقع في منطقة برج الشريعة.

أُنشئت الحمراء في حكم اليعاربة، واتخذت هذه الولاية حصن الشريعة شعارًا لها، وتبلغ تجمعاتها السكانية حوالي 83 تجمعًا منها: الحمراء ومسفاة العبريين والقرية والعارض والقلعة وذات خيل.

وتتنوع طبيعة الحمراء بين الجبال والسهول التي تقطعها الوديان، فيوجد فيها سلاسل جبلية شديدة التضرس، وتحتوي على صدوع كبيرة، من هذه الجبال جبل شمس «القنة» وهو أعلى قمة في عُمان، إذ يصل ارتفاعه إلى حوالي 3000م، وقمة هذا الجبل صخور جيرية مغطاة بالأعشاب، وتجري فيها مجموعة من الأودية منها: وادي غول ووادي النخر ووادي الصلوات ووادي موخل ووادي العبري ووادي شعماء ووادي الملح ووادي المدعام ووادي الخور ووادي السليل أو المنيبك ووادي دوفيا ووادي العور، كمال يوجد بها عيون مائية منها: عين وادي الغول وعين مسفاة العبريين وعين الحمام، بالإضافة إلى عدد من الكهوف الجبلية، مثل: كهف زعيل وكهف الهوتة وكهف الفلاح، ويشكل هذان الكهفان نظامًا كهفيًا واحدًا.

ويعول سكان ولاية الحمراء على الأفلاج في الري، ويوجد بها 38 فلجًا، منها 33 فلجًا حيًا، حيث تنتشر في الحمراء أنواع من الأشجار والنباتات البريّة كالعتم والعلعلان والبوت والضجع والجعدا والقفص والشوع والمشكاع وتفر التيس والحواء، ولكنها تكثر في الجبال كجبل شمس «القنة» الذي يتميز بانخفاض الحرارة، لذلك تنمو فيه أنواع من النباتات البرية النادرة، وأشجار الفواكة المثمرة.

العمارة القديمة

مع غياب التنقيبات الأثرية لم يتم العثور على عمارة مطمورة، حتى يتم اعتبارها أبنية أوجدتها البشرية منذ القدم في ولاية الحمراء، ولكن بعد الاطلاع على ما هو عليه الآن من عمارة باقية من الأطلال المتبقية من المباني الضخمة سواء في الأماكن الجبلية أو السهلية، فإنه ولا شك أن هناك تجمعات بشرية كانت على ضفاف الأودية وفي الواحات الجبلية، كان لها منشآت مدنية، ولكن مع غياب الدليل انطمست الحقيقة، وتوجد احتمالية كبيرة أن الدور السكنية كانت غير متينة سواء كانت تلك الدور المبنية من الحشائش أو من سعف النخيل أو من الطين اللبن، فإن تلك المواد لا تبقى فترة طويلة تحت تلك الظروف المواتية سواءً من قبل الطبيعة أو الأحوال البشرية التي آلت إلى تدهور الأوضاع بالنسبة لتلك المباني، ولكن مع تتبع المدافن، اتضح أن هناك أمة قامت على هذه المنطقة المنحصرة بين الجبال، وقد عثر على نوعية من الأواني ذات الدوائر المنقطة والتي يطلق عليها علميا بمصطلح أواني الحجر الصابوني، فإن هذه المنطقة لا تخلو من الملامح الحضارية المعمارية التي شاعت في مناطق جغرافية من الجزيرة العربية، حيث يؤول الاستنتاج من خلال ما تقدم بأن الحمراء قد سكنتها أجناس بشرية مختلفة.

حارة الحمراء

تعد حارة الحمرا من أروع وأجمل الحارات القديمة في سلطنة عُمان، فبالرغم من قدمها إلا أنها تتميز بتخطيط هندسي في غاية الإبداع، فهي تقع على سفح جبل شمس بالمنطقة الداخلية، ويتوسطها فلج الحمراء ومزارع النخيل والمانجو، وتحيط بها البروج ويوجد بها العديد من البيوت الأثرية والمساجد التاريخية وسوق الحمراء القديم الذي يتميز بتصميم معماري في غاية الروعة ويعد بيت الصفاه من أقدم وأجمل بيوت حارة الحمراء القديمة، وتضم الحارة كذلك بعض مصانع الحلوى العمانية المتميزة.

الأسواق في ولاية الحمراء

تعد الأسواق إحدى الدلائل الحضارية لكل منطقة، وذلك لأنها تعطي صورة للحركة الاقتصادية السائدة في المنطقة ولا شك أن منطقة جغرافية كالحمراء، تتمتع بثروة اقتصادية، سواء كانت زراعية أو حيوانية، إضافة إلى الجوانب الاحتياجية الأخرى، وهذا كله دليل واضح على قيام مؤسسات اقتصادية حيوية في الحمراء، ونسرد هنا للقارئ الكريم عددًا من الأسواق وهي:

1- سوق الحمراء القديم

تمتاز الحمراء بسوقها المنفرد بعمارته والذي يتمتع بصفات معمارية تقليدية، وهو بذلك يشبه في عمارته سوق بهلاء القديم، وتبدأ فكرة هذا السوق بساحة مكشوفة، تقع داخل باب عريش السدرة الموجود في بلدة الحمراء القديمة، ثم تطور الحال في المباني السكنية المحيطة به، بحيث تم استخدام الأدوار الأرضية لتلك المباني لعمل محال تجارية متجاورة، إلى أن تطور هذا النموذج في حوالي 1300هـ /1883م تقريبًا، فقد بناه الفاضل زهران بن محمد بن زهران العبري على طريقته الحالية. فتطور السوق من الأساسيات الأولى ولكن حدثت فيه بعض التعديلات بعد تلك الفترة، وأما الجزء العلوي من السوق فقد بناه الفاضل مهنا بن حمد بن محسن العبري، وهذا السوق الجميل الواقع في الحارة الوسطى هو الأكثر روعة والذي يحمل نظامًا تجاريًا متكاملا ويعد من أهم المنشآت المدنية التي لها جذور في القدم إذ يقال إنه بعمر مائة وثلاثين سنة على الأقل، وتكون المحال التجارية في السوق بصورة متقابلة في الممرّات. والسوق مبني من الطوب الطيني إضافة إلى أساساته الحجرية، ومسقف بسعف النخيل والطين اللبن بحيث يتم جمعهما، ثم بعد ذلك تربط بنوعية من الحبال المصنعة محليًا من الياف النخيل.

2- سوق الحمراء الجديد

في بداية الثمانينات توجه الأهالي إلى بناء سوق جديد لبيع المواد بأسلوب المناداة كالتمور والأغنام والخضروات والأعلاف وغيرها، وذلك في منطقة مختلفة عن منطقة السوق القديم، خارج بلدة الحمراء القديمة، وكان ذلك في 1404هـ/ 1983م . وباشرت فيه الأعمال التجارية من ذلك العام حتى يومنا هذا، وفي السوق الجديد لا توجد إيرادات (قعودات) كما في السوق القديم، وقد اختلف هذا السوق عن السوق القديم في أنه يفتح في فترة الصباح فقط، نظرا لعدم وجود محال ثابتة.

3- سوق قرية بني صبح

كان في قرية بني صبح سوق محلي مستقل، وكان يأوي إليه الرعاة الموجودون في المنطقة القريبة من قرية بني صبح، وتُباع فيه السلع المحلية، والتي هي عبارة عن سلع اعتيادية كالبرسيم أو السمن البلدي، وغيرها من المنتجات المحلية للبلدة، فهو مركز تجاري يلبي احتياجات البلدة من مستلزمات موجودة في البلدة نفسها، ومن أدلة قدوم القوافل إلى هذه البلدة وجود أماكن مخصصة للإبل، وهي تعد حظائر لتلك الحيوانات التي كانت تأتي محملة بالمواد، كانت تستجلب إلى هذا السوق بعض الأسمدة التي كانت تجلب من المناطق الجبلية ويحضرها الرعاة إلى السوق بواسطة قوافل من الحمير وغيرها.

المنشآت المائية

من المعروف أن المنشآت المائية لها وجود بارز في العمارة الإسلامية وولاية الحمراء تميزت ببعض أنماط العمارة الدينية، وهي المساجد، وخاصة المساجد الموجودة في بلدة الحمراء القديمة، كمسجد الصلف ومسجد الحديث ومسجد العقد، فتجد وحدات معمارية مقسمة إلى أجزاء، وهي أماكن الوضوء والاستحمام. كما توجد منشآت مائية أخرى للنساء يطلق عليها محليا ( المجازة).

ويوجد في بلدة الحمراء عدد من (المجازات) وهي: مجازة الغور، مجازة الطبيب، مجازة العالي، مجازة السويب ومجازة الجفرة. كما أنها انتشرت في بقية قرى الولاية على نطاق واسع، وهي في الواقع مرتبطة ارتباطا وثيقا مع جريان الفلج. كما تم العثور على سدود قديمة كانت بمثابة الحواجز المائية للأفلاج، أو أنها قريبة من الأحياء السكنية التي تحتوي على آبار يتم الحصول بواسطتها على المياه من الوادي، وتكون تلك السدود مبنية من الصاروج والحجارة.

هكذا مرت العصور والأيام بولاية الحمراء منذُ القدم، فشهدت التطور الذي أكساها ثوبًا جديدًا في يومنا هذا.

المراجع

1- سلطنة عمان، تاريخ وحضارة (الجغرافيا، التاريخ، الحضارة، المنجزات، السياحة) لـ سعيد بن سالم المعمري
2- أشواق القراء لزيارة ولاية الحمراء لـ علي بن سعيد بن محمد العدوي
3- روائع عمان الجيولوجية والحضارية لـ د.سليمان بن سالم بن ناصر الحسني
4- الموسوعة العمانية / المجلد التاسع م
5- الموسوعة العمانية / المجلد الثالث ث-ح

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى