د.رجب العويسي يكتب: نحو ميلاد جديد للتربية والتعليم

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

من منطلق دور التربية والتعليم في صناعة القدوات وبناء القدرات وترسيخ القيم وتأصيل  قواعد السلوك الإيجابي وترقية نوازع النفس ونقل الأجيال إلى مرحلة الشعور بالمسؤولية ، لذلك لن تكون حادثة اختلاسات وزارة التربية والتعليم المعلن عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حالة عرضية تنتهي بمجرد أن يمضي عليها بعض الوقت، أو أن تتدخل عوامل وأحداث أخرى لتتركها في طي النسيان، بل ستظل حاضرة في الذاكرة بذكرياتها الأليمة، وصرخاتها الموجعة، وصدمتها للممارسين للتعليم والقائمين عليه والساعين لتحسينه وتطويره، وما قد تطبعه في الصورة الذهنية للأجيال من أفكار وقناعات، فيقرؤون في هذا التصرف على أنه سلوك مؤسسة تعليمية، عندما يطلب منهم امتثال القيم ونهضة السلوك وترقية الوجدان وجودة الممارسة وسلامة التوجه ، فيبح صوت  الممارسين من معلمين ومشرفين وإداريين في تدريس الأبناء المبادئ والأخلاقيات والقيم  الداعية إلى المحافظة على المال العام وحماية ممتلكات الدولة ومستلزمات التعليم.

على أن بناء ” فرضية التأثير” الذي يمكن أن يؤسسه هذا السلوك على قناعات الأجيال وأفكاره والتزامهم وقراءتهم لمنظومة القيم والاخلاقيات والمبادئ والأعراف التعليمية،  نابع من الخصوصية التي تتسم بها المنظومة التعليمة عامة والمؤسسة التعليمية خاصة ، كونها المؤسسة الأم التي تتجه إليها الأفكار وتراقبها الأنظار، فهي تتفاعل مع المجتمع بكل طوائفه وشرائحه، وتتعايش مع كل محطاته، وتتعامل مع النشء في الفئة العمرية 0-17 سنة، بما تمثله هذه الفئة من رقم صعب في الحالة السكانية الوطنية وصلت إلى 46% من مجموع السكان العمانيين ، وما تحتاجه هذه الفئة في المقابل من ضمانات وموجهات يؤصلها التعليم في نفوس الأجيال، وتعمل مؤسساته على تحقيقها عبر كفاءة سياساته، وجودة برامجه، وواقعية خططه، لبناء أرصدة نجاح قادمة، يصنعها جيل المتعلمين عبر تقديرهم لمنجزات الوطن والمحافظة على ثرواته وموارده، في مجتمع ينشد القوة فيه، ويرجو النزاهة في مخرجاته ويستقرئ الكفاءة في منتجه، ويؤمن بأنه الواجهة الحضارية للمجتمع والقلب النابض فيه .

 إن الطموح اليوم نحو صناعة مرحلة جديدة تزيل حالة التشويه، وتعيد النظر في كل المعطيات التي باتت تؤسس لمثل هذه الحالات وغيرها، عبر إعادة هيكلة التعليم ( فقه التعليم وأهدافه وغاياته  ومسؤولياته وموقعه في منظومة العمل الوطني وما يراد منه في بناء الانسان )، وإعادة تأهيل المنظومة وحسن توجيهها وضبطها بالشكل الذي يضمن قدرتها على إحداث التغيير في فكر الأجيال وثقافتهم ومحو الصورة الذهنية السالبة  من ذاكرتهم المتولدة لديهم حول التعليم، بحيث يتجه العمل إلى إعادة الاعتبار للقيم والأخلاقيات والمبادئ التعليمية العليا، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الممارسات الواقعة من العاملين في التعليم،  في كونها ممارسة فردية لا تعبر عن التعليم كمنظومة وطنية وثقافة مجتمع،  كما لا يمكن القياس عليها أو التكهن بأثرها على الأجيال، وتقوية الممكنات الإعلامية والتثقيفية جنبا إلى جنب مع دور التعليم،  ويبقى على المجتمع ( الأسرة ومؤسسات التنشئة الدينية والاجتماعية والشبابية)، أن يمارس دوره التعليمي في تقديم الدعم لمؤسسات التعليم في كل ما من شأنه تغيير الصورة القاتمة، وتصحيح الأفكار المتداولة والأحاديث المشاعة عبر توجيه المجتمع نحو مسارات البحث والتشخيص، والقراءة الفاحصة للمعلبات الجاهزة ، كون التعليم عملية مجتمعية قائمة على  شراكة الجميع، ومسؤولية الشركاء في  تقديم كل ما من شأنه المساهمة مع مؤسساته في تحقيق تعليم عالي الجودة، لذلك نعتقد بأننا اليوم أمام مرحلة تتطلب المزيد من العمل معا في الوقوف على مواطن الضعف والاستفادة من أفضل الممارسات المجيدة التي أنتجها التعليم في فترات سابقة في تجاوز الإشكاليات والتعاطي الواعي مع معطيات المستقبل، وإعادة فلسفة الثواب والعقاب بطريقة تؤسس للعدل وتنمي روح المسؤولية والولاء والانتماء وتقف على كل المستحدثات التي باتت تؤثر على المنتج التعليمي، وإعادة هيكلة الخطاب التعليمي ومحاور عمله وأساليب وطرائقه والمفاهيم التي يتداولها، وبناء رصانة علمية وإعلامية  في الممارسة التعليمية تدير المشاعر وتحتضن الأفكار وتنمي الاتجاهات الإيجابية، فيتجه التعليم لرسم خارطة بناء المواطن الأنموذج ( قلبا وقالبا)، كما يتجه لجودة برامج التعليم وخططه ونضوج سياساته ، وإعادة تنظيم الموارد التعليمية بشكل توجه فيه لتوطين الكفاءة وتقف على طبيعة الممارسة، وآليات العمل الداخلية، وإعادة هيكلة القرار المؤسسي، وإعادة التوازن في منظومة الصلاحيات الممنوحة، وتأكيد مسار الاحتواء للخبرة التعليمية والكفاءة الوطنية، وتبني معايير أكثر كفاءة في نيل الاستحقاقات الوظيفية للوظائف الإدارية والفنية على مستوى الوزارة والمحافظات والمدارس والتمكين المتدرج للصلاحيات المشروط بكفاءة منظومة المساءلة والمحاسبية وإدارة الحوافز.

وبالتالي أن يُفهم من حالة النقد البناء وتعاظم بروز الثقافة المضادة حول التعليم، مدخل لزيادة مستوى الوعي في التعاطي مع القضايا التعليمية، والاستفادة من ما تحتضنه منصات التواصل الاجتماعي من حوارات قيمة ونقاشات ومقترحات عملية  لمساعدة التعليم في بناء توجهات افضل لقراءة سيناريوهات المستقبل ، والإجابة عن التساؤلات التي يطرحها مجتمع الطلبة وأولياء الأمور ورجال الأعمال والاقتصاد وقطاع التربويين والقطاع الخاص وغيرهم، حول العديد من الملفات التعليمية في مجالات المناهج والمعلم والحافلات المدرسية والقرارات الإدارية والشراكات الفعلية مع القطاع الخاص والباحثين عن عمل من التخصصات التربوية والتعليمية وغيرها، بما تعكسه من ضرورة تبني استراتيجيات أداء نوعية تراعي طبيعة الظروف والمتغيرات، وتستجيب للاحتياجات والتوقعات. فهل ستفصح الجهود القادمة عن ميلاد جديد للتعليم يعيد تقييم أدواته وترقية مساراته وتوجيه برامجه؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock