د.رجب العويسي يكتب: هل أسهم التعليم في صناعة الفكر النقدي الأصيل؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في حياة الإنسان اليومية مواقف عديدة يتعامل معها ، وموجهات متنوعة يتفاعل في نطاقها، قد تكون صائبة وقد تكون غير ذلك، ولكنه ينبغي أن يكون له رأي فيها وموقف واضح منها، فيوطن نفسه فيها ويظهر هويته في التعامل معها، ويبدي رأيه عن قناعة وصدق، بناء على أدلة وبراهين وحجج عقلانية تثبت دقة تصرفه وصحته من عدمه، إنها التربية على الفكر النقدي التي تعني بناء الذات في ظل تحسيسها بقصورها عن بلوغ الكمال، وحاجتها إلى المراجعة والتصحيح وتعديل المسار، ينطبق ذلك على المستوى الشخصي أو على مستوى المؤسسات، لتصبح التربية على الفكر النقدي من ضرورات التربية المعاصرة وأولوياتها التي تستهدف بناء جيل المتعلمين الواعي القادر على فهم المعطيات من حوله فيدير حركتها ويجلي ظلامها ويعيد إنتاجها ويمسح حالة التشرذم التي يعيشها واقعنا المعاصر، وعندها بصبح الفكر النقدي البناء الذي تتلقاه الأجيال عن علم وبصيرة ومنهج وأدوات مقننة، هو نتاج فهم متحقق وتحليل معمق وقراءة هادفة لما بين السطور، للوصول إلى قرار استراتيجي بناء على واقع ورؤية ونظرة متمكنة واستشراف للمستقبل.

إن مجتمع التعليم هو الأجدر لأن يمتلك ناصية بناء الفكر النقدي وترسيخ شريعته في المجتمع وتمكين موارده من النمو والتطور بطريقة مهذبة وأسلوب كيس فطن، فتنغرس في المتعلمين هذه السمة وتنطبع فيهم نواتج السلوك، وأن يربى فيهم الفكر النقدي وهم في مقاعد الدراسة في المدرسة والجامعة والمعهد بل والأسرة ، بحيث يتطور هذا الفكر ويستمر مع المتعلم في كل مراحله التعليمية وإلى حين انخراطه في الحياة المهنية كموظف ومسؤول وأحد رجالات الدولة ، ليصبح الفكر النقدي البناء الطريق لبناء الوعي الاجتماعي في تشخيص الأمور وقراءة السياسات، وفهم النواتج وتحليل الشواهد، وبناء سيناريوهات عمل قادمة تستهدف ترقية دور المواطن واسهامه في برامج التنمية وانتاجها وتطويرها.

ولذلك كان من الأهمية بمكان أن يبدأ تعليم مبادئ هذا الفكر وقواعد عمله ومعايير تفوقه ومسارات نجاحه واليات تحققه ونوع الخطاب الذي يؤسسه ومداخل الإنتاجية المقصودة منه وقيمة الاختلاف في وجهات النظر كأحد مسارات التكامل وفق أصوله السليمة ومناهجه العلمية الصحيحة، وعبر مراجعات وتقييم لأدواته، وتوجهه لأن يكون أداة إصلاح وطريق تقدم ومنهج عمل لا يزيغ عن الهدف ولا ينحرف عن المسار في ظل معايير واضحة وتوجيه أبوي وتعليمي وتربوي رشيد يمهد لسلوك أفضل وتوقعات أجمل ينتجها فكر المتعلم الواعي وتحمله لمسؤولية الكلمة والفعل، وبناء الذات وتأصيل الأخلاق في القول والفعل، فهو بذلك يستهدف أمن الإنسان وسعادته وحماية فكره من المصادرة وقناعاته من التغييب والتشويه، وترقية دوافعه وحفز شعوره الإيجابي نحو قيمة الوطن والمحافظة على الهوية ، وعندها يصبح الفكر النقد المتعلّم في المدارس والجامعات وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، المعادلة الأقوى في بلوغ مهنية الكلمة وصدق المعلومة فيتحول النقد من التجريح والإساءة والسلطوية والمصادرة والتشفّي في الآخر وفرض الأمر الواقع والشخصنة والتشهير بالأشخاص ، إلى مرحلة انتقاء البناء الذي يحمل روح الفكرة وحياة الضمير وذوق الكلمة ويستهدف المصلحة العامة ودوافع التطوير والتجديد ويعبر عن نبل الطبع والنقد للفعل الممارس والسلوك الحاصل بدون تعميم أو نيل من كرامة الآخر.

على أن تأصيل دور التعليم في غرس ثقافة الفكر النقدي لدى المتعلم ينبغي أن يستفيد من جملة الممكّنات والفرص التي تحتويها بيئة التعليم على مختلف المستويات التعليمية ، وطبيعة الموجهات التي يتعامل معها ويعمل على تحقيقها في حياة المتعلم ، عبر استراتيجيات ومبادئ وسياسات وخطط وبرامج وأدوات ومناهج عمل ومساقات بحثية واستدلالية، سواء تلك التي تتجه نحو بناء شخصية المتعلم في مجالات ريادة الأعمال والابتكار، أو تلك البرامج الموجهة لصناعة شخصية المتعلم لتحقيق الاستقلالية والنقدية والعيش في بيئات غير اعتيادية لواقعه، أو تلك البرامج التي تعزز في المتعلم اليات اتخاذ القرار وتشخيص المشكلات واقتراح اليات الوصول إلى قرارات عادلة تخدم الجميع كالمجالس الاستشارية الطلابية لطلبة مؤسسات التعليم العالي، هذا الأمر من شأنه أن يأخذ في الحسبان تمكين المتعلم من الاختيار الواعي من بين بدائل متعددة تتعدى مجال اختياره المهني لمواد التخصص إلى اختيار الطالب لنمط تعلمه وطريقة تدريسه، وتوظيف المسار النقدي في انتقاء مصادر المعرفة وما تطرحه من قضايا جدلية باتت تضع المتعلم أمام مسؤولية الانتقاء الواعي الناقد لما تحتويه من أفكار ومعتقدات وبرامج وغيرها.

وبالتالي، كيف يمكن أن يستفيد التعليم من كل الفرص والمنصات في بناء صورة متكاملة حول صناعة الفكر النقدي الأصيل في المجتمع بالشكل الذي يتناغم فيه عمله مع حزمة التشريعات والقوانين والأطر الوطنية النافذة من جهة ويعكس المفاهيم والمنطلقات التي تبني عليها قواعد الفكر النقدي الأصيل من جهة أخرى، وبالتالي مدى ما تتيحه السياسات الاعلامية الوطنية من فرص أكبر لتحقيق لشفافية والموضوعية والحكمة في نقل الخبر الإعلامي أو الصحفي أو غيره ، بالشكل الذي يحفظ سقف التناغم حاضرا مع طموحات الرأي المجتمعي العام في الاعلام، واستيعابه لمتطلبات النقل الموضوعي لصوت المواطن، في ظل ما يطرحه الاعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي من قضايا تتسع فيها مساحات النقد وتعدد الآراء، وعندها سيكون المنتج الفكري الناتج من تداول الفكر النقدي والتعاطي المرن معه في الواقع المهني وتدريسه في أروقة التعليم وتأصيله في البرامج الإعلامية وحفز المفكرين والكتاب والباحثين وصناع القرار على توظيفه لصالح المجتمع ؛ منطلقا لصناعة بيئة وطنية جاذبة للنقد البناء تنطلق من التعليم تفاصيلها وتتجه إلى المؤسسات والمسؤوليات بوصلة تأثيرها.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock