بالصور: شواهد أثرية تدل على أن العُمانيين أساتذة العمارة الدفاعية في شرق الجزيرة العربية

مسقط-أثير

إعداد: الباحث محمود محمد صادق- جمهورية مصر العربية

أُسست الاستراتيجية الدفاعية في السلطنة  منذ وقت مبكر، وقامت هذه النظرية على موروثات حضارية وشواهد أثرية يمتد تاريخها إلى ما قبل الألف الرابع الميلادي مرورًا بالعصر الجاهلي وانتقالًا منه إلى عصر الخلافة الإسلامية وتعريجا إلى القرن السادس عشر والسابع عشر وصولا إلى القرن العشرين، وانطلقت تلك الموروثات من أبعادها المختلفة وشكلت فيما بينها نسيج النظرية الاستراتيجية الدفاعية، وأكدت أن هذه النظرية لا تعود إلى عامل منفرد ومحدد بذاته وإنما تشابكت في تشكيلها كافة العناصر اللازمة والضرورية لإعطاء السمة الدفاعية بالأبنية الحربية، رغم اختلاف الحقب الزمنية وتعدد وسائل القتال وأنماط التحصينات المختلفة، فضلا عن اختلاف المستوى الحضاري والثقافي للمجتمع العُماني.

    وإيمانا بذلك قامت القلاع والحصون العُمانية بدور رئيسي في تاريخ شرق الجزيرة العربية منذ أقدم العصور وحتى العصر الإسلامي في عُمان، فقد شيد العُمانيون عمائر كثيرة عبر فترات تاريخها تنوعت ما بين الحصون، والقلاع، ودور الحكم، والقصور المحصنة، والأسوار، والأبراج وغيرها، وما بقي من تلك العمائر ظل شامخا إلى يومنا هذا شاهدا ثابتا على رقي العُمانيين وتقدمهم في هذا الميدان، والذي تنوعت فيه عمائرهم وفقًا للحاجات والظروف الطبيعية والاجتماعية والسياسية والتاريخية.

حصن الحزم

   لذلك قامت النظرية الدفاعية في بناء القلاع والحصون في سلطنة عُمان مرتكزة على إرث حضاري شكل الهوية المعمارية والتخطيطية للأبنية الدفاعية بالسلطنة، وعبر بشكل واضح عن الروح الفنية والذوقية للمعمار العُماني عبر حقبه الزمنية الطويلة التي باتت ظاهرة في معمار وبناء الأبنية الدفاعية، والتي تجسدت في عدة عوامل أسهمت بشكل واضح في بناء القلاع والحصون بالسلطنة إلى عدد لا بأس به في أغلب مناطق عُمان بطول البلاد وعرضها، وكان من ضمن هذه العوامل هي العامل التاريخي الضارب في القدم وتعدد الحقب التاريخية وتنوعها عبر العصور والذي أكد ذلك عدد العمائر التي بنيت في عُمان منذ القدم، فضلا عن اتسامها بالعديد من المميزات والخصائص التي تغيرت وتنوعت عبر تطور العصور المختلفة وتنوعها.

   حصن جبرين المنيع

كما لعبت الحروب في عُمان منذ فجر التاريخ دورا مهما في تشييد الأبنية الدفاعية ممثلة في الأسوار والأبراج والقلاع والحصون عبر امتداد فترات تاريخها المتعاقب، فالحروب التي دارت رحاها على أرض عُمان في داخلها، وسهلها وساحلها وصحرائها وبحرها وحتى المناطق الخاضعة لها، عبرت عن خبرة تعود أصولها إلى حضارة أم النار، والتي كشفت عن بعض جوانبها التحصينات الأثرية القديمة التي عُثر عليها في منطقة “بات” بولاية عبري، والتي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، كما تنوعت فيها التحصينات ما بين قلعة إلى سور إلى حصن دل بشكل تام على الخبرة المكتسبة في هذا المجال.

قلعة الرستاق المهيبة

وإلى جانب ذلك فقد أنشئت معظم القلاع والحصون في عُمان من أجل استخدامها، كمقر للحكام والأئمة والسلاطين حتى قبالة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد كانت الحصون بمثابة رمز للسلطة والحكم وبالتالي كان الاهتمام ينصب عليها باستمرار خلال الحروب الأهلية العنيفة، إلى جانب كونها من المستلزمات الهامة لإقامة بلد موحد بعد فترات الانقسام السياسي والديني، لذلك فقد كان الحصن هو مركز الحكم التقليدي مهما كانت قيمة الحاكم من القوة والضعف، كما كان يحيط بهذا المقر أو الحصن، الأسوار الضخمة بأبراجها المنيعة، وبمنافذها وبواباتها العالية التي تكتنفها الأبراج على جانبيها والتي تقوم على حراستها قوة من العسكر، وداخل تلك الأسوار يقيم المدنيون من الأهالي.

    ومن هذا المنطلق اتجه سلاطين دولة اليعاربة إلى الاهتمام بإنشاء وتوسيع وتحسين الحصون القائمة، فضلا عن إنشائهم العديد من المراكز الدفاعية المحصنة والمنازل والقصور وغيرها، وأنفق اليعاربة طول فترة حكمهم العديد من المبالغ الطائلة من الثروة التي حصلوا عليها خلال فتوحاتهم ونشاطاتهم التجارية العالمية  فكانت أعمالهم المعمارية خير شاهد على تقدمهم واهتمامهم بالناحية العمرانية وخصوصا الأبنية الدفاعية.

  قلعة بهلاء التاريخية

كما شكل الموقع الاستراتيجي دورا مهما في بناء القلاع والحصون بعُمان فقد اختير لها في معظم الأحيان مواقع استراتيجية مهمة وخصوصًا للحصون الساحلية، ولذلك لعب الموقع دورًا بارزًا في بناء  وتشييد معظم الحصون والقلاع أعلى قمم الجبال والمرتفعات، بهدف إحكام السيطرة التامة على المناطق التي تتولى الإشراف عليها، فليس من المستغرب أن نجد أن أقدم الحصون والمستوطنات العُمانية تقع أعلى سفوح الجبال وخصوصا في الناحيتين الجنوبية والغربية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الحصون أقيمت أعلى المرتفعات وذلك لكثرة السهول والوديان وتساقط الأمطار الوفيرة بهدف توفير مناطق تقوم عليها الزراعة لتوفير المحاصيل اللازمة للمستوطنين في تلك الأجزاء من البلاد، التي استقر فيها أجدادهم منذ الهجرات الأولى إلى عُمان بل وقبل ذلك، وبالتالي هيأ ذلك لظهور عمارة شبه تحصينية أو حربية تكاد تنفرد بها عُمان دون غيرها من بلدان المنطقة، وهي بناء تحصينات مدرجة على شكل بيوت في “الجبل الأخضر” على نحو أخص.

مدينة سمهرم

وبالرجوع إلى الشواهد الآثارية ذات الطابع الحضاري الأكثر قدما في عُمان، فإن مدينة خور روري (سمهرم) التي ترجع إلى فترة القرن الأول قبل الميلادي والأول ميلادي، تُعدّ خير مثال على قدم التراث العمراني في عُمان، فقد حصنت المدينة بسور دفاعي من الحجارة المتراصة بطريقة محكمة، حيث كانت تتمتع هذه المدينة بفن معماري جميل من الحجر الجيري، لكونها تقع على الشاطئ الشرقي من سهل صلالة، وتنتشر أنقاض هذا الموقع الأثري المهم على مساحة واسعة من التلال والشعاب المحيطة بوادي خور روري، وما زالت آثار هذه المدينة باقية حتى الآن على قمة ترتفع 130مترا عن مستوى سطح البحر، حيث كانت المدينة تتمتع بتحصين حربي يتألف من سور دفاعي من الحجر بالإضافة إلى برجين؛ الأول بالطرف الجنوبي الشرقي والثاني بالطرف الشمالي من المدينة، بالإضافة إلى تحصين حربي يشبه القلعة بلغ عرضه ثمانية أقدام كما بلغ ارتفاعه حوالي 20 قدما.

كما حُصَنت مدينة البليد الأثرية ذات التخطيط المستطيل بسور دفاعي سميك الجدران فتح به ثلاث بوابات استخدمت كمداخل للمدينة، وتعود هذه المدينة إلى فترة العصور الإسلامية المبكرة خلال فترة القرن الرابع الهجري/ العاشر للميلاد، وقد تعرضت للدمار وأعيد بناؤها عام (618هـ/1221م)، حيث ازدهرت ونمت في القرن الثاني عشر والسادس عشر الميلادي، ولقد أثبت ذلك الباحثون من خلال الدلائل الأثرية ودراسة الفخار والمواد العضوية وغيرها، وفقدت أهميتها التجارية المهمة خلال القرن السادس عشر للميلاد، بسب سيطرة البرتغاليين على صادراتها إلى الهند.

وتعد قلعة الرستاق المهيبة أحد المعالم الآثارية المهمة في سلطنة عُمان لما عاصرته هذه القلعة التليدة من أحداث تاريخية كانت شاهدة عليها عبر مرور الحقب الزمنية، فتاريخها يرجع إلى فترة العصر الساساني (224ــــ 624م)، وتنسب في إنشائها إلى “كسري أنو شروان” (ابن قباذ) والتي بلغت الإمبراطورية الساسانية في عهده أقصى اتساع لها، وامتدت من سوريا شمالا إلى الهند جنوبا، كما استطاع “كسرى” غزو اليمن وطرد الأحباش من جنوب الجزيرة العربية التي أصبحت ولاية فارسية.

 وتعد هذه القلعة من المعالم الحربية العسكرية المهمة بمنطقة جنوب الباطنة، حيث إنها تحاط بواسطة سور ضخم بُني بواسطة الحجارة والطوب الطيني كما يحتوي السور على عدة منصات لإطلاق النيران يربط بينهما ممشى أعلى السور، ومن خلال الزيارة الميدانية لقلعة الرستاق من قبل الباحث وبأخذ عينات من السور الذي لم يطاله الترميم تبين أنه مبني بواسطة الطوب الطيني والحصى، حيث احتوى هذا السور على أحد عشر برجا دفاعيا بعضها نصف دائري والآخر كامل الاستدارة في الزوايا، يربط بينهما ممر أو ممشى أعلاه لتحقيق الحركة بسهولة ويسر بين العناصر الدفاعية.

الباحث 

وتُعد قلعة بهلا التاريخية أيضا من المعالم الحربية المهمة والتي تم إدراجها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو) عام (1987م) ، فهي عبارة عن إنشاء مسور مثلث الشكل تقريبا يحيط بنتوء صخري، حيث تبلغ واجهتها الجنوبية حوالي (112.5) مترا، في حين تبلغ الواجهة الشرقية لها حوالي (114) مترا، حيث أحيطت القلعة بسور دفاعي شُيّد من اللبن على قاعدة حجرية، وكُشفت الطبقة الحجرية لحوالي ثلث ارتفاع السور في الواجهة الشرقية بصفة خاصة، فيما يمثل بموقعه الاستراتيجي بين التلال والسلاسل الجبلية وإشرافه التام على واد مهم يشكل عقبة دفاعية على طول الطريق الممتد بين عبري ونزوى اللتين كانتا تتسمان بالأهمية في العصور القديمة.

وفي عصر اليعاربة الذي يُعد من أزهى العصور التاريخية في عُمان بناء للحصون والقلاع فقد بنى حصن جبرين الإمام “بلعرب بن سلطان” في أواخر القرن السابع عشر، والذي يبتعد عن محافظة مسقط بما يقارب 208 كم حيث أنشأه ليكون قصرا ومقرا للحكم والإدارة.

 فضلا عن “حصن الحزم” الذي بناه الإمام “سيف بن سلطان” في أوائل القرن الثامن عشر على بعد 159 كم من مسقط، لجعله مركزًا ينطلق منه لمطاردة البرتغاليين ومقرًا له يمارس من خلاله إدارة حكم البلاد.

المصادر:

  • وزارة الاعلام والثقافة (1995). عُمان في التاريخ، سلطنة عُمان: دار ايميل للنشر، ص
  • ماهر، سعاد محمد (1985). العمارة الإسلامية خلال العصور، جدة: دار البيان العربي، ص
  • السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس (1347). تحفة الاعيان بسيرة اهل عُمان، تحقيق، الجزائري، إبراهيم طفيش، جزئيين، الطبعة الثانية، ج1، القاهرة: مطبعة الشباب
  • بدر، حمزة عبد العزيز، (2001) الرستاق ومعالمها الاثرية في العصر الإسلامي، بحث مشارك به ضمن الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي (الرستاق عبر التاريخ) في الفترة 23ــ 24 أكتوبر 2001، الطبعة الثالثة، 2013، ص129
  • صادق، محمود محمد (2018). الاستحكامات الحربية في مسقط بسلطنة عُمان، رسالة ماجستير، شعبة الاثار الإسلامية، قسم الاثار، كلية الآداب، جامعة المنيا.
  • صادق، محمود محمد (2019). الفن المعماري للمباني الدفاعية في عصر اليعاربة، كتاب جديد تحت النشر.
  • البحراني، عماد بن جاسم (2016). عُمان قلعة التاريخ، الطبعة الاولي: الانتشار العربي، بيروت، لبنان

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock