بالصور: قصة المواطن الذي جمع أكثر من 11 ألف قطعة أثريةٍ ورفض عروضًا مغرية من الخارج لبيع بعضها

صور – أثير

زاره: د.محمد بن حمد العريمي

 

عندما فكرت في زيارة متحف العفية التراثي لمالكه الفاضل سالم المعمري والذي يقع في منطقة السيح بولاية صور كان انطباعي واعتقادي المسبق أنه متحفٌ صغير قد لا تتجاوز مساحته الغرفتين، وبضعة مقتنياتٍ مبعثرة هنا وهناك رأيتها مكررة في كلٍ متحفٍ بدائيّ أزوره، وبمجرد تجاوزي لعتبة الباب وأخذ نظرةٍ أوليةٍ شاملة لمحتويات المكان توقعت أنني سأرى شيئًا مختلفًا عمّا أراه في كل مرة، وعندما خرجت منه بعد جولةٍ استمرت أكثر من ساعتين واضطررت لقطعها رأفةً بصاحبه الذي كان قد وصل قبل بضع ساعاتٍ قليلة من رحلةٍ خارجية وأبى بكرمه وتواضعه وحسن تعامله إلا أن يستقبل زيارة “أثير” له، كان الذهول وملامح الانبهار، وبعضٌ من الدموع المتحجرة في مقلة العين هي عبارة الوداع التي قدمتها لمضيّفي الكريم !

يلخص المتحف الذي أقامه الباحث وجامع المقتنيات الأثرية سالم بن حميد المعمري على جزءٍ من منزله، والذي يتصدر واجهته باب خشبيّ قديم من بقايا أحد الحصون، و(لاند روفر) يعود إلى الستينيات من القرن الماضي اشتراه المعمري من مصيرة، رحلةَ بحثٍ طويلة استمرت أكثر من أربعين سنة من أجل جمعِ واقتناء مجموعة من التحف القديمة والنادرة التي جاوز عددها 11 ألف قطعة أثريةٍ متنوعة تعكس مدى الجهد الكبير الذي بذله الباحث في جمعها من نعومة أظافره منذ أن كان يلمح الأسلحة والأدوات المختلفة في حصن بلاد صور حيث كان والده وأفراد أسرته يعملون هناك كمسؤولين عن الأمن فيه.

وعلى الرغم من أن هواية الباحث واهتمامه بتجميع التحف واقتنائها قديمة؛ إلا أن فكرة تأسيس متحفٍ يلم شتات الأدوات والقطع الكثيرة التي جمعها أتت قبل حوالي أربعة أعوامٍ من الآن، وتحديدًا في عام 2015 بعدما فاز بالمركز الأول في فئة أفضل مادة قديمة، إثر مشاركته بشكلٍ فرديّ في فعاليات النسخة الثانية من معرض “مال لوّل” التي تعني باللهجة القطرية “الأيام الأولى” بتنظيمٍ من متاحف قطر بالدوحة، وقتها شعر الباحث بأهمية وجود مكانٍ يحوي تلك المقتنيات، ويحفظها من التشتت والضياع، ويكون دافعًا وحافزًا لمزيد من النشاط والجهد، فكان أن استرجع بيته القديم من مستأجره مضحيًا بالمبلغ الذي يتقاضاه شهريًا عن تأجيره، واستثمر مبلغ الجائزة التي فاز بها في المسابقة في تجهيز المكان، وشراء مقتنياتٍ أخرى تضم لسابقتها، ومن هنا كانت انطلاقة المتحف بشكل واقعي.

يتكون المتحف الذي تتصدر واجهته لوحةٌ خشبيةٌ كتب عليها اسمه، من جزأين: الأول خارجي يعبّر عن الأنشطة التي كانت تمارس في المجتمع العماني قديمًا يشتمل على (حوش) يتضمن عددًا من الأقسام من بينها المجلس العماني التقليدي، و(الماحة) أو ورشة الحدادة بأدواتها القديمة، وركن السعفيات، و(الكارجة) وهي الأداة التي كانت تستخدم في صناعة النسيج، وقد احتفظ صاحب المتحف بكارجة قديمة تعود إلى جدّته، كذلك فهناك نموذج لبئر قريبًا منه (المنجور) وهي الأداة التي كانت تستخدم في استخراج المياه من الآبار قديمًا، و(التركبة) التي تستخدم في صناعة الحلوى العمانية، بينما علقت على الأركان المحيطة بالحوش العديد من الأدوات والقطع المتنوعة من بنادق، وسيوف، وخناجر، وتروس، وملابس تقليدية، وسميم، وقفران، وتقف قريبًا من (التركبة) نموذج لسيارة مصغرة  كان صاحب المتحف قد صنعها يومًا ما وجرّب سياقتها في الشوارع القريبة من المنزل، وغيرها من الأدوات التي تعبر عن أصالة البيئة العمانية وتنوعها.

أما القسم الداخلي فيتضمن صالةً وعددًا من الغرف التي امتلأت حتى آخرها بالعديد من التحف والمقتنيات والأدوات المتنوعة، فهناك غرفة تعبّر عن خصوصية المنزل العماني حيث يوجد بها سرير قديم كان يستعمل سابقا في البيوت الكبيرة بأغطيته التقليدية، وقريبًا منه ركن يحتوي على عدد من الأواني المصنوعة من البورسلين والخزف، وركن آخر للأدوات الدراسية التي استخدمت في بداية عصر النهضة، وآخر للمتجر العماني في بداياته ونماذج من البضائع التي كان يعرضها، أما الغرف الأخرى فتضم نماذج عديدة من الأدوات المختلفة كأدوات الحرب والقتال، وأدوات الزينة، والأدوات الموسيقية، ونماذج من الأجهزة الكهربائية التي استخدمت في الفترات السابقة، ورفوف للكتب والمخطوطات القديمة، وصندوق زجاجي يتصدر الصالة يحتوي على كميات من النقود العمانية الورقية والمعدنية على اختلاف إصداراتها والتي تحكي تاريخ استخدام النقود في عُمان، ونماذج أخرى لنقود قديمة جمعها الباحث من دولٍ عدّة، ويتزيّن المكان بالعديد من الصور الشخصية والصور الوثائقية لبعض الأحداث، ونماذج مختلفة من شهادات التقدير والتكريم التي حصل عليها الباحث خلال مسيرته الطويلة.  

من بين المقتنيات المهمة التي يحتويها المتحف على سبيل المثال: مصحف بخط اليد يعود إلى أكثر من 200 سنة، وكتب مخطوطة في مجالاتٍ عديدة، وبنادق متنوعة بعضها كان يستخدم لدى سلاطين عمان، وبعضها أوروبية تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي، وبعضها استخدم في الحربين العالمتين الأولى والثانية، وخوذة إسلامية عمانية قديمة مكتوب عليها أسماء الله الحسنى، وهي تشابه مثيلة لها كان السلطان سعيد بن تيمور قد أهداها إلى أحد المتاحف الأوروبية، وتروس، وسيوف كُتب على أحدها عبارة “سيف ممباسة”، وقيود كانت تستخدم في الحصون، وصور نادرة لبعض الأحداث مثل افتتاح أنبوب الماء في صور في فترة الستينات من القرن العشرين، إضافة إلى خنجر نادر جدًا، وجرس مدرسة، ومدفع صغير، ودلة نحاسية، وغيرها من القطع القديمة والمتنوعة.

وإذا كنت من مواليد العقد الأول من عصر النهضة أو قبلها فإنك تشعر وكأن شريط حياتك السابقة يتوالى منذ لحظة ميلادك وحتى عهدٍ قريب قبل أن تتمكن المدنية من تغيير واستبدال أشياء كثيرة جميلة لم يعد لها مكان سوى الذاكرة وبعضٌ من آهاتِ الحنين، فأغلب الذكريات التي عشتها ستجدها مجسّدةً هناك ابتداءً من الأدوات المدرسية التي كنت تستخدمها، ومرورًا بمشترياتك اليومية من دكان الحارة الصغير، والملابس والأدوات التي ارتديتها في مراحل مبكرة من عمرك، وانتهاءً بالأدوات التي عاصرتها في منزلكم القديم.

وأنا أودع الرجل الخمسينيّ المجتهد الذي بذل كثيرًا من جهده وماله ووقته من أجل حفظِ جزءٍ مهم من تاريخ بلده في وقتٍ أضحت فيه كثيرًا من الشواهد المادية الأثرية التي تميز مجتمعنا تتلاشى أمام أعيننا في ظلّ غفلةٍ كبيرةٍ، وإهمالٍ، ولا مبالاةٍ منا، والذي رفض كثيرًا من العروض الخارجية (المغرية) من أجل بيع بعضٍ من القطع التي يمتلكها، والتي يعني ذهابها الكثير، والكثير جدًا!! فإنني استمعتُ حزينًا ومتألمًا لكثيرٍ من الكلام الذي لم ينطق به لسان الرجل لكن تكلمت به عيناه حول ضرورة الدعم والمساندة والاحتواء والاحتضان للجهد الذي يقوم به متطوعًا، وجرت أمامي أنهرٌ من النقاشات والمقالات التي قيلت وطرحت وكتبت في فتراتٍ سابقة حول واقع اهتمامنا بموروثنا الحضاريّ، وحول أهمية وضرورة المحافظة عليه بشكلٍ يحقق العديد من الفوائد والمكتسبات.

أملي، وحلمي أن يأتي اليوم الذي أرى فيه هذا الجهد الفرديّ العظيم وقد تحوّل إلى مركزٍ يمثل وجهةً من وجهات الزيارة إلى المدينة، تتقاطر عليه الوفود والأفواج السياحية والتعليمية، ويجد فيه النشء بعضًا من ملامح حياة أجداده، ويقتنص الباحث منه شيئًا من زاده التعليميّ، الأمر بحاجةٍ فقط إلى وعيٍ بأهمية الجهد المبذول، وإدراكٍ لماهية ما هو معروض، وتفهّمٍ لخطورة وتأثير ضياع وغياب مثل هذه الشواهد، و….دورٌ حقيقي لما يسمى بالمجالس البلدية! وما ذلك على الله بعظيم.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock