عبدالله باحجاج يكتب: وطني هل نحبك ؟ وما علامات محبتنا لك ؟

أثير- د.عبدالله باحجاج

 

يبحث الكثير عن أوطان ، ويجدون بلادنا على رأسها ، كي تصبح وطنا ” عقلانيا ” له ولأسرته ولاستثماراته ، طمعا في أمنها وأمانها ، يفيد ويستفيد من خيراتها الاقتصادية ، خرجنا بهذه الرؤية بعد لقائنا ببعض كبار التجار من اليمن الشقيق ، وفي اليوم التالي ، خرجنا مع مجموعة ” اخوان شمه ”  في رحلة مبات فوق مرتفعات جحنين المطلة على مدينة صلالة ، وكلما أمعنا النظر والتأمل من فوق مرتفعاتها  فماذا نشاهد داخل المدينة ؟

 

المواطنون في أتراحهم وأفراحهم وحياتهم الاعتيادية ، وعندما كنا ندير الفكر نحو الجهة الأخرى حيث السهول والوديان ، نشاهد الناس يتنقلون بكل حرية ، بلا خوف ولا قلق ، عندها نشعر بعمق قضية الباحثين عن وطن الأمن والأمان ، وندرك ، لماذا هو – أي هذا الوطن – في سلطنة عمان .

 

لكن هل نقدر هذه النعمة ؟ مستوى الشعور بها كنعمة ، يدركها الآن بكل حواسهم الخمس ، من فقدها  واشتدت معاناته في غربته ، وينتابه القلق المتواصل على استثماراته عند تقلبات السياسة ، وما أكثرها الآن ، وقد أصبحت تصنع العداوة بين الأشقاء وكيانات المصير الواحد .

 

 إنه الوطن الذي لا بديل عنه ، ولن تستكين النفس بغيره ، وسيظل الإنسان تائها في الأرض إذا ما فرط فيه للحظة جانحة أو طمعا في مصلحة مجنونة ، أو بحسابات خاطئة ، وعجبي كل العجب في أولئك الذين ينتمون لهذا الوطن ، ويفضلون غيره بلا وعي بمآلاتهم في الغربة ولا إدراك بمصائرهم المتقلبة مع تقلبات السياسات الخارجية .

 

وكلما يحتم علينا السفر لخارج الوطن – مثل الآن – نرتقب اليوم الذي نعود إليه بفارغ الصبر ، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا درسًا في حب الوطن والحنين إليه  فيقول عن  موطنه مكة المكرمة  (إنك أحب البقاع إلي قلبي لولا أن قومك أخرجوني) .

 

من هنا نقول بصوت مرتفع ، واعجباه من قوم لديهم أوطان آمنة ومستقرة  ولا يهتمون بها ويسعون فيها بالفساد ، ويسمحون للخارج بالاختراق للنيل منها ، ولا يحاسبون على مواقفهم وتصريحاتهم ، ولا يدرون أن تصرفاتهم وأفعالهم كالسوس الذي ينخر في الأسنان ، وهم بذلك ينخرون في أمن وأمان وطنهم .

 

ولقاؤنا مع الأشقاء من اليمن على أرض صلالة في إطار رحلة بحثهم في المنطقة عن وطن الأمن والأمان ، خرجنا من خلاله برؤى ، يجعلنا نحاكم بعض التصرفات والأفعال التي بدأت تظهر فوق مشهدنا الوطني  ، نحاكمها كي نعقلنها ، وإذا تطلب الأمر نحملها تبعاتها ، ففي هذا المشهد نسجل الحالات التالية :

 

نخب عامة من عوالم الماضي القريب – عالم المال وعالم الاقتصاد وعالم الثقافة ، عالم السياسة – تلوح بالوطنية ، وتفتح ملفات الماضي.. وفيها تظهر ذاتها في صورة مختلفة عن الآخرين وعن ماضيها القديم ، فهل تعتقد أن ملفها قد مسح من الذاكرة الاجتماعية أو أن أموالها التي كونتها من حقبة ماضيها ، يمكن أن يصنع لها ذاكرة جديدة ؟

كما يظهر فوق المشهد كذلك ، نخب أخرى تحاول أن تتنصل من تاريخ السلبية ومسؤوليتها الذاتية فيه ، وتظهر نفسها بوجه وطني مختلف عن الفاعلين داخل المنظومة الحكومية ، وكذلك تبرز نخب مجددا فوق السطح ، وكأنها تغرد في محيط خارج محيطها الوطني ، منفصلة عن بيئتها الاجتماعية  وجاهلة بمآلات التحولات الجديدة على الواقع الاجتماعي .

 

وفي موازة تلكم الحالات ،  تفضل نخب عامة الاستمرارية في الصمت ، والتمسك بنفس دورها التاريخي دون أن تحاول الخروج عن صندوقها الفكري لرؤية الواقع الجديد ، كما هو لا كما كان سابقا ، ونخب معنوية أخرى ، مستمرة في جمودية نهجها القديم ،  تأكل ثرواتها لوحدها ، وتفكر في ذاتيتها الضيقة ، وتعيش عن مجتمعها في أبراج عالية ، وكأن التحولات الجديدة ، لا تعنيها من قريب أو بعيد ، رغم أن بلادها التي حققت فيها ذاتيتها المالية والاقتصادية في أمس الحاجة الآن إليها .

 

لذلك ، نقول بأن معيار الحكم على من يظهر في مشهدنا الوطني – بتصرفات أو أفعال – يكمن في دورها في تعزيز الاستقرار .. فأي فعل أو تصرف ينبغي أن يكون بروزه منتجا للاستقرار وتعزيزا له وليس مزعجا أو مشوشا ، وكل تلكم النماذج ، لا تنتج التعزيز بل تصنع الجدال المؤثر على الاستقرار.

فالإسهام في تعزيز الاستقرار وإنتاج مكامن قوة جديدة له ، معيار حكمي ، يكشف طبيعة النوايا التي محلها القلب ، وبالتالي لابد أن يعبر عن نتائج ملموسة ، تصب في مساعدة الدولة في الحفاظ على الاستقرار أولا  ثم تعزيزه ثانيا ، من هنا يمكن القول بأن أية وطنية ، لا تضيف قوة معنوية أو مادية على سياج ومتانة وطنية الدولة والمجتمع التي تأسست منذ عام 1970 ، ستكون مزاعم ، وسنضع عليها مجموعة علامات استفهام كبيرة .

عندها سنقول لهم صراحة ” اصمتوا ” فذاكرتنا لا تزال حية بماضيكم ، وظهوركم يتم وفق حسابات خاطئة ، لا يغرنكم مجموعة منافقين من حولكم ، يصورونكم بأقلامهم وكاميراتهم للرأي العام كوطنيين جدد لمرحلة ناتجة لشرعيات جديدة وقديمة  ونقول كذلك بأن أية سياسة مالية واقتصادية لا تعزز الاستقرار هي مرفوضة ، وأن علينا البحث عن نخب بديلة يكون هاجسها الاستقرار .

 

مرحلتنا الوطنية الآن حساسة جدا بسبب مجموعة تعقيدات كبرى ، معروفة بالضرورة ، وهنا يمكن القول بأن خطابات كل الفاعلين ، ينبغي أن تراعي هذه الحساسية ، وكلما نتوغل في تنفيذ السياسات المالية والاقتصادية ، وبقاء ملف الباحثين عن عمل جامدا ، ستتصاعد درجة الحساسية وتعقيداتها ..

.

 

والوطنية هنا تشكل مرجعية حاكمة لكل الأفعال والتصرفات ، وتؤسس في الكينونات الديموغرافية ، وتميز المواطن في حبه لوطنه من غيره ، ومنها يقال هذا مواطن مخلص وغيور على وطنه ، وهذا العكس ، وهذا مواطن خائن لوطنه ، وهذا مواطن سارق وطنه .. والعكس ، فالمعيار الحاسم في التفرقة على كل الأشكال سالفة الذكر ، يكمن في مضامين الوطنية ، ومنتوجاتها الدالة عليها فوق السطح ،  وهو المعيار الذي يحسم قضايا الأمانة والخيانة.

 

ومن الوطنية ، يخرج الوطني من رحمها ، وتعرفه من صدقه وأمانته ونزاهته ، ومن رغبته في تعزيز مصلحة الوطن ، والدفاع عنها ، حتى من لحن قوله يكشف وطنيته ، ومن تصريحاته يمكن التعرف على وطنيته ، وحتى من ماهيات ومسارات استثمار الثروات يمكن الاستدلال بها على الوطني من عدمه ، وكذلك من تاريخ الأفراد ومسيرتهم الحياتية ، ستكون بدورها كاشفة عن تلكم الصفات ومتناقضاتها .

والوطنية المعززة للاستقرار في ملعب أصحاب الثروات والأموال الآن ، فطبيعة مرحلتنا الاقتصادية تفرض عليهم الاستثمار داخل وطنهم من خلال مشاريع اقتصادية يكون لها انعكاسات اجتماعية ملموسة خاصة على قضايا الباحثين عن عمل وتعزيز مستوى معيشة المجتمع ، وتأهيل قوتنا البشرية كي تواجه بلادنا الثورة الصناعية الرابعة ، كتوجه وطني عام ، يخرج من لقاء استثماري عماني خالص ، كي يبعث برسائل اطمئنان ضرورية تعبر عن وطنية الثروات الخاصة .

ومنذ انطلاقة نهضتنا الحديثة المرتبطة بعام 1970 ، لا يمكننا الحديث عن إنتاج الاستقرار خارج السياقات الوطنية ، وفي المقابل لا يمكن صناعة الوطنية من خارج استيعاب الطموحات الديموغرافية ، فهناك علاقة وجود ومصير مشترك بين الجانبين ، فتحققت هذه الوجودية طوال عقود مثالية في الوطنية ، تجلت صورها في الوحدة الوطنية التضامنية والتشاركية في الكثير من الأزمات التي مرت بها بلادنا ، مما اعتبرناها في عدة مقالات سابقة ، بأنها بمثابة القوة النووية لبلادنا .

وهنا لا نستبعد بعض السياقات النافية للوطنية طوال تلكم العقود المثالية ، لكنها لم تظهر فوق السطح مثلما تظهر هذه الأيام بسبب مزاعم نقص الإيرادات الحكومية بفعل  أزمة منتصف عام 2014 النفطية ، وانكشاف حالات فساد ، كما أن هناك بعدًا آخر مهما ، يستوجب التأكيد على تلازمية الوطنية المنتجة للاستقرار ، وهو طبيعة التحولات التي دشنتها الحكومة لتحضير البلاد لمرحلة ما بعد النفط ، فهناك مرحلة انتقالية حساسة جدا ، ومعقدة جدا ، وهي الأخطر الآن ، فكيف نجعلها بمنأى عن المساس بجوهر الوطنية المتحققة حلال العقود المثالية للوطنية ؟

من المعلوم ، أن عدو الوطنية اللدود هو الجهل والفقر عند العامة ، والطمع والجشع عند الخاصة ، وهي بيئات يسهل للخارج اختراق داخلنا ، ومنها نحذر ، لأن هناك سياسات وإجراءات تنتجها ، ومواقف وأفعال عامة تعزز مكونها السيكولوجي ، فلابد من ضبط إيقاع هذه المرحلة عبر إعادة ترتيب البيت الداخلي وتشكيل لجنة عليا لإدارة المرحلة حتى نتجاوز بسلام أو بأدنى الخسائر ، المرحلة الانتقالية التي تمر بها بلادنا .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock