د.رجب العويسي يكتب: هل يتعلم أبناؤنا في المدارس ثقافة الإتيكيت والذوق العام؟

د. رجب بن علي العويسي-خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في مشاهدنا اليومية نستهجن الكثير من التصرفات عندما تصدر ممن هم في مقاعد الدراسة ومن يحملون مشاعل العلم والمعارف ومن يمتلكون الشهادات، في مواقف قولية وسلوكيةمتعددة، كمن يترك أو يرمي الأوساخ والقاذورات في الأماكن العامة مع وجود حاويات مخصصة لها، أو ما نراه من ردود أفعال ونقاشات من يحمل العلم والشهادة في منصات التواصل الاجتماعي وهي لا تتجاوز مجرد حالة اندفاعية تفتقر لأي أساليب الحوار واسس التعامل واحترام الرأي الآخر، ونرى هذا الطالب أو ذاك في المدرسة وهو لا يعرف طريقة إلقاءالتحية على والديه أو من هو أكبر منه أو أقل سنا بمن يمر عليهم في مجلس عام أو يلتقي بهم في طريق، وحالة الفوضى وعدم التنظيم التي يعيشها الكثيرون منهم حتى وقت متأخرة في تنظيم وترتيب مكان نومه وأغراضه الشخصية أو سوء استخدام له وتعديه على خصوصية غيره بدون تأدب أو مراعاة للمشاعر، ويتجاوز ذلك ليصل إلى طريقة الخطاب ولغة التعامل اليومي وأسلوب الحديث وردود الأفعال في لغة يعلوها الصراخ والاندفاع وكثرة التذمر وغيرها، أو ما يمارسه الطلبة من سلوك العدائية والكراهية في سلوكهم التعليمي كتعبير عن حالة التنّمر التي يعيشونها والممارسات التي باتت تشكل سلوكهم في التعامل وطريقة التخاطب في مؤسسات التعليم، في قائمة كبيرة من القضايا والمفردات والمفاهيم والممارسات اليومية الحاصلةفي بيئة المدرسة وتعكس ثقافة الصف الدراسي وثقافة التعليموالتعلم وثقافة المدرسة وغيرها من مؤسسات التعليم، ولكن هل تساءلنا في الوقت نفسه عن السر خلف بروز هذه الظواهر أو حصول هذه الممارسات من طلبة العلم وحملة الشهادات، الذين يرجو فيهم المجتمع الثقافة والوعي والمهنية والالتزام والتنظيم ممن يحملون البدائل والحلول لعلاج مثل هذه الاشكاليات، لعلنا نختزلها في عبارة واحدة وهي “ثقافة الإتيكيت والذوق”، هل نتعلم في مدارسنا ثقافة الاتيكيت ونطبق معايير الذوق ومبادئه؟ وهل نمارس هذه الثقافة بمهنية ووفق قواعد واضحة وموجهات مؤطرة؟ وهل واقع الإجراءات والعمليات الإدارية والتنظيميةواليات العمل الداخلية بالمؤسسات التعليمية تؤسس لنمو هذه الثقافة وتأطيرها في قواعد العمل اليومية؟ وإن كان هناك ثمة اهتمام بهذه المفاهيم والقيم في مناهج التعليم فهل طريقة تدريسنا لها تعكس طريقة تنفيذها في الواقع؟، وهل وُجد الممارسون لها في الميدان بمعنى هل تضع مؤسسات الاعداد في أولوياتها عند إعداد المعلم الخريج قبل الالتحاق بالتدريستمكينه من إتقان ثقافة الإتيكيت والذوق كمدخل في التدريس الفعال؟، أو في كيفية انتاج سلوك تعليمي غير عادي، وفي الوقت نفس هل نمارس الإتيكيت والذوق بطريقة مهنية علمية؛أم مجرد ممارسات عشوائية غير محكمة ترجع إلى المزاجية والشخصية؟ تساؤلات كثيرة قد تصل بنا إلى حقيقة الاتكيت الغائبة في منهجيتها وشروطها ومعاييرها إلى حد ما في حياتنا التعليمية والعامة، وفي الوقت نفسه تؤكد لنا أن التعاطي معها والاهتمام بها في المجتمعات لم يعد ترفا فكريا أو سلوكا يعبرعن تمدن المجتمع؛ بل ضرورة مجتمعية تعبر عن قدرة المجتمع على تحقيق السلام مع ذاته والتعاطي الواعي مع ما حوله من موجودات.

لذلك تُقرأ ثقافة الإتيكيت في جملة القواعد السلوكية والآداب والاخلاقيات والنظم التي يتعامل فيها الفرد مع الآخر أو يمارسها مع نفسه لتحقيق بعض التعاملات اليومية وطريقة أداء بعض المهام الحياتية الشخصية سواء في العمل وفي تناول الطعام وفي الجلوس مع الآخرين وفي أساليب الحواروالنقاش وطريقة التحدث وغيرها من الممارسات الحياتية التي تطبع الفرد بجملة من الطباع والميزات، ويصبح تحقيق معايير الاتيكيت تعبير عن مساحات الوعي والمهنية واللطائف التييؤمن بها المجتمع وتشيع التقدير والاحترام والالفة والمحبة بين أفراده وترسخ حس الشعور الايجابي، وترقية العاطفة والبشاشة والروح المعنوية وجبر الخواطر ؛ فإن كون الإتيكيت فن التعامل مع الحياة وإعادة انتاج القوة في السلوك عبر ما يتيحه من تأثير إيجابي في نفسيه الآخر وتغيير أفكاره وبناء المرونة والعفوية وروح الوداد والتآلف فيه؛ يقدم في الوقت نفسه نموذجا رائدا في احتواء المواقف وإعادة هندسة الأفكار، وعندها تصبح ثقافة الإتيكيت معيار لرقي المجتمع وحس التعامل بين أفراده ونضوج الذائقة الجمالية بين مواطنية، ورسوخ الآداب والقناعاتالتي تُراعي فيها مشاعر الآخرين، وتضمن القدرة على امتصاص الشحنات السلبية الناتجة عن سوء التصرف في المواقف، إنه يحمل في ذاته حكمة المواقف، وإدارة المشاعر الطارئة بكل مهنية وعمق، وتفعيل خطوط التأثير الفكرية والأدبية والثقافية والأخلاقية والفطرية في سبيل بناء وإنتاج سلوك يعبر عن مرحلة متقدمة من التكيف مع طبيعة المواقف والمشاهد اليومية بروح إنسانية راقية، ملؤها الود والصفاء والتآلف والمسؤولية وبناء الذات الواعية لحدودها وفهم مسؤولياتها.

إن تأطير ثقافة الإتيكيت والذوق العام في ظل القيمة المضافة التي تحققها في حياة الأفراد ونهضة المجتمع؛ أولوية يجب ان يضعها التعليم في اجندة عمله، فإن قدرته على بناء هذه الثقافة منطلق لتمكين المتعلم من استيعاب المعطياتالحاصلة في عالمه الحياتي الواقعي منها والافتراضي على حد سواء، فعندما يتعلم كيف يتعامل مع زملائه بحس المسؤولية،مراعيا الفروق الفردية وتكافؤ الفرص وأحقية الجميع فيالمشاركة في الإنجاز والمنافسة الشريفة، وحق اختيار نمط التعلم، وتقدير انجاز الاخرين، فيحسن التعامل مع الهيئة الإدارية والتدريسية بالمدرسة، فيعترف بفضلهم ويقدر إنجازاتهمويُفصح عما يدور بخاطره وما يحصل في قناعاته من أفكار،ويرجو فيهم احتوائه واحتضان أفكاره وفتح المجال له للتعبير عن مشاعره وافكاره ونجاحاته، وترقية المتعلم الانموذج الذي يعمل على الاستفادة من كل معطيات النجاح، فتزول عنه الأثرة وحالة السخرية والتنمر من زملائه، أو حالة التقاعس والتواكل والغش وسوء التصرف والاستخدام للأثاث المدرسي والممتلكات العامة والخاصة، فتؤسس ثقة المتعلم في نفسه والعالم من حوله، فتعمل على إعادة هندسة سلوك المتعلم، وترقية مسارات الاهتمام لديه بالتعليم كقيمة حياتية مضافة تستهدف ترقية سلوكه في تعاملاته، كما تستهدف زيادة أرصدته المعرفية والمهارية، عندها يتربى المتعلم في ظل هذه الثقافة على تقديرجميل الاخرين واحترامهم ورعاية مشاعرهم، وحرصه على أن يكون قوله وفعله وسلوكه وطريقة إنجازه وتحقيقه للسلوك متوافقا مع ما يرغب فيه من سلوك ومتناغما مع ما يستهدفه من زيادة منصات الالتقاء والاحتواء والاتصال.

عليه فإن الكثير من التحديات الفكرية والنفسيةوالاجتماعية التي يواجهها بعض المتعلمين والرهاب من النفس والأخر وضعف التصالح الفكري والسلام الخارجي والداخلي، وحالة الشك والوساوس وسوء الظن وعقدة الاندماج وسلوكالفوقية والفردانية والسلطوية التي يعيشها بعض الطلبة او حالة الانطوائية والتذمر والسلبية وصعوبات التعلم التي يعانيها بعضهم، وحالة الامتعاض والقلق والخوف الذي يتولد لدى أكثرهم عندما يشعرون بالضعف وعدم القدرة على مواصلة الإنجاز وحالة الإخفاق التي تقف أمامهم من أول عثرة في طريق بناء مشروعاتهم وحالة التراجع الذي يصيب أكثرهم من مواصلة الطريق أو لمجرد المواجهة أو وجود المنافسة؛ إنما هونتاج لضعف فرص ثقافة الإتيكيت، التي أدت إلى تكوين متعلميمجد الأنانية ويمارس الاثرة ويعيش حياته في انعزال عن عالمه، لا يتحمل الصدمات ، سريع الاحباطات عندما لم تتحقق مطالبة ، سريع الشعور بالفشل وعدم الاستمرارية عندما لم يجد الحافز المادي الذي يدعمه في سبيل تنفيذ مهمته، بما يؤكد مسؤولية التعليم في البحث عن استراتيجيات تدريسية وتعليمية مجربة في تدريس ثقافة الذوق وفقه الاتيكيت وتأصيلها في المناهج التعليمية وتقديم النماذج العملية في طريقة ترجمة الإتيكيت في الحياة اليومية والتعاملات الثنائية، وما تتطلبه من توفير ممكنات نجاح هذه الثقافة وتقوية دافع المتعلمين في تصحيح ممارساتهم وإعادة انتاج أفكارهم ، وخلق التغيير في أساليب العمل وطريقة الممارسة ذاتها، فمع أهمية تشريب المناهج التعليمية بفقه الاتيكيت ومفاهيمه وأدواته ومبادئه وتصحيح المفاهيم المغلوطة حوله؛ تأتي الحاجة إلى أهمية توفير نماذج عملية داعمة لهذه النُهُج، والتدرج بها بين الطلبة بحسب مستوياتهم التعليمية والدراسية والعمرية، وما يستدعيه ذلك من تقديم جرعات تدريبية وتثقيفيه في مفاهيم الاتيكيت والذوق العام في حياة الأجيال، وترسيخ الشعور الإيجابي لديهم بقدرتها على صناعة التغيير في سلوكهم وتعاملاتهم اليومية.

ويبقى بناء هذه ثقافة الإتيكيت والذوق العام مرهون بتبني سياسات وطنية لتأصيل مفاهيمها وقواعدها واخلاقياتها وأسسهافي منصات التعليم، ومستوى الجدية في صناعة مواطن منتج قادر على توظيف ملكاته الفكرية وأخلاقياته ومبادئه وتعميق الشعور الإيجابي لديه في ترك بصمة انجاز حاضرة في الواقع.. فهل ستتجه جهود التعليم المدرسي والجامعي على حد سواء في قادم الوقت إلى تأصيل هذا السلوك وبناء ثقافة الإتيكيت والذوق العام في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية، وفق ممارسة أصيلة ومنهج علمي سليم؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock