د.رجب العويسي يكتب: توظيف العمانيين لشغل الوظائف التدريسية بالمدارس أولوية وطنية ومسؤولية أخلاقية

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

أعلنت وزارة التربية والتعليم الموقرة بتاريخ التاسع والعشرين من إبريل الماضي عن حزمة من التوجهات لصالح الباحثين عن عمل من حملة التخصصات التربوية بالمؤهل الجامعي التربوي وحملة الدبلوم العام في التربوية ” التأهيل التربوي” ممن انطبقت عليهم الشروط المبدئية لشغل وظيفة معلم، جاء ذلك بناء على توجه نوعي للوزارة في حصر المخرجات التربوية من خريجي العام الدراسي 2018/ 2019 وخريجي الأعوام السابقة من المؤهلات الجامعية التربوية وما يعادلها من المؤهلات الجامعية، والتأهيل التربوي، والتي جاءت بتنفيذ اختبارات تحديد مستوى قبول بعض المواد في جامعة السلطان قابوس في فترات لاحقة للإعلان، وشهدت فيه إقبالا كبيرا من الباحثين عن عمل في التخصصات التربوية ممن لم يحظون بفرص سابقة في القبول أو من مخرجات العام الأكاديمي القادم ممن تنطبق عليهم الشروط.

ومع الايمان بهذه الجهود والسعي الحثيث الذي تبذله الوزارة في احتواء الباحثين عن عمل من العمانيين، إلا أن الزيادة المستمرة في أعداد مخرجات التعليم العالي بالمؤهل الجامعي والتأهيل التربوي ، ووجود أعداد كبيرة من العمانيين الباحثين عن عمل تصل فترة تخرجها إلى أكثر من سبع سنوات في مواد تقنية المعلومات والتربية الخاصة وبعض التخصصات في العلوم الإنسانية والتطبيقية، واتجاه الوزارة في فترات لاحقة إلى استقدام معلمين وافدين من الدول الشقيقة والصديقة في مواد دراسية يتوفر بها الكادر الوطني ، ومعايير اختبار تحديد المستوى الذي تقدمه جامعة السلطان قابوس، والذي حدد فيه 60 درجة للمواد العلوم التطبيقية و55 درجة في مواد العلوم الإنسانية والمهارات الفردية، كل هذه المعطيات وغيرها باتت تلقي بظلالها على جهود التعاطي مع هذا الملف، وبشكل خاص في تحديد وقياس نواتج هذه الاختبارات المقدمة والغاية منها وأثر ما حققته في الملتحقين لشغل وظيفة معلم في السنوات الماضية، ومدى وجود تغذية راجعة في التقرير المهني المتابع من قبل إدارات المدارس والمشرفين ولجان العمل على عمليات إعداد وتطوير وتجسين هذه الاختبارات؛ وبالتالي ما تتطلبه في الوقت نفسه من البحث في إعادة تصحيح المسار بالشكل الذي يضمن تحقق نوع من التوازن في التعاطي مع ملف الباحثين عن عمل الذي تشكل فيه المخرجات التربوية نسبة كبيرة ورقما صعبا، بالشكل الذي يعزز من ثقة المجتمع والمواطن بجدية الجهود التي المتخذة بشان التعامل مع هذا الملف.

وبالتالي المراجعات التي ينبغي أن توفرها هذه المعطيات بما يضمن تحقيق أولوية احتواء المواطن في شغل الوظائف التدريسية بالمدارس، وفي الوقت نفسه تعبير عن مسؤولية أخلاقية نحو الكفاءة العمانية وأهمية حضورها المستمر في مواقع الإنتاج ومسار الأداء، في ظل مرحلة اقتصادية حرجة تستدعي المزيد من الاستثمار في الموارد البشرية العمانية وحفزها المستمر، باعتباره خيارا استراتيجيا وطنيا في مواجهة الواقع المالي، وإشراك المواطن في تقدير هذا الوضع وإدارة الأزمات الحاصلة فيه، وفي الوقت نفسه ما يوفره وجود المواطن العامل من فرص أكبر للمحافظة على سقف تداول الموارد المالية داخل المنظومة الوطنية في ظل ما تشير إليه الاحصائيات من تزايد نسبة التحويلات الخارجية للأيدي العاملة الوافدة ومنها التعليمية خارج السلطنة .

وبالتالي نعتقد بأن الموضوع ينبغي أن يحظى بمعالجة جذرية متكاملة، تشخص واقعه، وتؤسس مساره، وتطرح البدائل الاستراتيجية الوطنية في احتواء هذه المخرجات، وأن تأخذ في الاعتبار الآتي:

أولا: تطرح الإشكاليات الحاصلة في تدني نسب نجاح أو تحقق مستوى قبول هذه المخرجات في الورقة الامتحانية المقدمة لشغل وظيفة معلم، تساؤلات حول مسألة الاعداد للكادر التعليمي في مؤسسات التعليم العالي الوطنية وجامعة السلطان قابوس، والحاجة إلى إعادة هيكلة مفاهيم إعداد المعلم والمنظور الفلسفي والفكري الذي تعمل عليه، والمساقات التدريسية التربوية ، ومدى حضور التربية العملية في عملية الاعداد، وكفاية الجوانب التحصيلية والمعلوماتية والتشريعية وغيرها المساهمة في منظومة الاعداد، بالإضافة إلى مدى تحقق معايير الجودة في أداء مؤسسات التعليم العالي بالسلطنة التي تشكل هذه المخرجات نسبة كبيرة منها، ومدى كفاية الجانب العلمي والتحصيلي، وجودة عمليات التدريس والقائمين عليها من أكاديميين، بالشكل الذي يضمن قدرتها على تحريج كفايات وطنية تمتلك المعلومة والمعرفة بفنيات وتقنيات الاختبار المقدم، والكم المناسب من المعلومات المطلوبة في الخريج، وآلية استرجاعها لتصل إلى المأمول منها، بما يضيفه ذلك على مؤسسات التعليم العالي الوطنية من استحقاقات يجب أن تعمل على الوفاء بها بما يضعها في قائمة المتهم في نواتج مخرجاتها ويسيئ إلى سمعتها الاكاديمية المعروفة وما حققته من شواهد انجاز خاصة مع حصول كلية التربية بالجامعة على الاعتماد الأكاديمي في فترة سابقة.

ثانيا: أن تتجه الجهود إلى إعادة النظر في الورقة الامتحانية ذاتها، إذا ما علمنا أن أكثر الملاحظات من قبل المتقدمين لهذه الاختبار تشير إلى أن أسئلة الاختبار تتسم بالتعقيد والغرابة والبعد عن الواقعية، والمعلومات التي تناولها الاختبار لم ترد الإشارة إليها أو تدريسها للطلبة في سنوات دراستهم الجامعية السابقة، بالإضافة إلى مدى التزامها بالمعايير الفنية للاختبار، وتحقيقها للقدرات العلمية والتحصيلية المختلفة، ناهيك عن أن إعداد هذه الاختبارات قد يكون أحيانا بعيدة عن واقع الحياة اليومية للخريج ( المعلم) وهو في ميدان العمل، لما يتسم به أغلبها من نظرة فلسفية وفكرية بحته لا ترتبط بالواقع التدريسي؛ وفي الشأن نفسه، يجب النظر في مسألة الدرجة المحددة في الاختبار، ويتساءل البعض هنا : هل المقصود من الاختبار قياس كم المعلومات التي تحتويها ذاكرة الخريج، والتي في الغالب تسربت من ذهن أكثرهم، لكون من يتقدمون للاختبار قد مضى على تخرج بعضهم أكثر من سبع سنوات، مع الافتقار إلى وجود تحديث لهذه المعلومات نظرا لقلة مساهمة المؤسسات التعليمية والتدريبية في توفير برامج تدريبية تخصصية او عامة لهذه المخرجات في سنوات بقائها في المنزل، وتبقى المسألة تعتمد على القدرات الشخصية وتوفر الموارد المالية المعينة في الاسرة والتي قد تتوفر لبعض المخرجات دون غيرها. وفي الإطار نفسه يتساءل البعض هل هذه النماذج من الاختبارات التي تقدم للمخرجات العمانية يتم العمل بها أيضا عند استقدام المعلمين الوافدين الذين يقومون بالتدريس جنبا إلى جنب مع المعلم العماني، وهو ما يشير الواقع أنه لا يتم بالطريقة نفسها.

ثالثا: ماذا نعني بالتدريس، وماذا يراد من المعلم؟ تساؤلات قدرتنا على الإجابة عليها تمنحنا قوة الاختيار في تحديد شكل التقييم الذي نريده للمعلم ونوع الاختبار الذي يحتاجه، وأول ذلك اختبارات الشخصية واختبارات المحاكاة لواقع التدريس، ذلك أن منظومة التدريس نفسها والمهمة القادمة لهذه المخرجات بعد التحاقهم بالمدارس وتدريسهم للطلبة ، يتمثل في تدريسهم لمجال منسجم في مواده المتعددة أو مادة بعينها، فالمنهج محدد، والياته معروفة، واستراتيجيات تدريسه مقننة، وهناك متابعة دقيقة من المعلمين الأوائل والمشرفين التربويين وادارات المدارس وغيرهم كثير، بمعنى أن التدريس في حد ذاته يعتمد في الأساس على الشخصية والمهارة، وهي الأولوية التي يجب البحث عنها في اختيار المعلم القائم على التدريس، من حيث: مهارته في إدارة الموقف التعليم، وطريقة استخدام لطرائق التدريس، وفي احتواء المنهج وتحليله وتفسير التباينات والتداخلات، وضبط الصف الدراسي، واحتواء الطلبة والتأثير فيهم، وقدرته على حل المشكلات، وبناء الخطط ، واستخدام أنماط التقويم، وإدارة منظومة التفاعلات والعلاقات المهنية والإنسانية مع المشرفين والمتابعين له وإدارة المدرسة ومع الطلبة، وهذه الموجهات لا تحتاج إلى معلومات ومعارف تراكمية أقرب إلى الاجترار لها بدون تطبيق؛ بقدر ما هي بحاجة إلى بناء شخصية المعلم بما تحمله من إيجابية الدوافع، والإخلاص في المهمة، وسمو الرسالة التي يحملها، وعمق المنهج، وقوة الملاحظة، ونبوغ التفكير، وحكمة التصرف في المواقف وإدارة المشاعر، وهي ما ينبغي أن يُعطى اهتماما من القائمين على هذا الملف؛ أكثر من التركيز على ضرورة الحصول على الدرجة المقررة وعدم الاعتراف بها حتى وإن كان يفصل بينها كسور بسيطة.

رابعا: الحاجة إلى التأكيد على أهمية تطبيق كادر المعلمين الذي تمت معالجته في قانون التعليم ويتيح للمعلم المبتدئ التدرج في مهنة التدريس وعبر إيجاد رخص المعلمين، إذ أن المشكلة التي يراها البعض كمبرر لهذه التعقيدات في إجراءات القبول عالجها هذا التوجه، الذي اصبح سلوكا عالميا؛ كما أن من شأن تحقق ذلك إزالة الشكوك والأوهام ووجهات النظر التي بات يتداولها الشارع الوطني حول الثقة في مخرجات المؤسسات الوطنية ، بالإضافة إلى أهمية تبني الية وطنية في توفير التدريب الميداني للمخرجات التعليمية، بمعنى أن يتم توزيع المخرجات التعليمية على المدارس بحسب التخصصات ووفق اليات عمل واضحة بقصد كسب الخبرة ومحاكاة الواقع التدريسي بالشكل الذي يضمن توفر اساسيات المهنة، بما يؤسسه ذلك في الملتحقين من قناعة واضحة بالاستمرار في التدريس أو البحث عن وظيفة أخرى بدل الانتظار إلى مستقبل مجهول أحيانا، فيتفاجأ الخريج بعد سنوات الانتظار والتحاقه بالتدريس بأن غير قادر على تحقيق هذه المهمة أو أن هذه الوظيفة ليست ما يرجو أن تكون له.

من هنا يجب الاعتراف بأن قضية الباحثين عن عمل من مخرجات التعليم الجامعي التربوي أو التعليم الجامعي وحملة الدبلوم في التربية ” تأهيل تربوي” قضية وطنية من الدرجة الأولى ويجب التعاطي معها بروح وطنية مخلصة واستدراك نواتج التباطؤ في معالجتها والتعاطي الواعي مع الحلول الوقتية غير المربحة أحيانا في سد احتياجات المدارس من المعلمين، في حين أن الكادر الوطني يعيش حالة من سخرية القدر – إن صح التعبير- وهو يرى زيادة أعداد الوافدين في تخصصات تعليمية يستطيع المواطن الكفء ان يشغلها بكل مهنية، وهي قضية لا ينبغي أن يلقى عبئها الكلي على وزارة التربية والتعليم، بل على مؤسسات الاعداد الوطنية، وجامعة السلطان قابوس التي تنفذ في قاعاتها اختبارات المتقدمين لشغل الوظائف التدريسية، ودور مجلس التعليم الموقر وجهات الاختصاص الأخرى بالدولة في إيجاد صيغة عمل موحدة تسعى إلى احتواء الكفاءة الوطنية وإعادة تصحيح بعض المسارات الحالية المؤدية إلى تعقد هذا الملف والبطء في قراراته.

أخيرا أدرك شخصيا بأن حجم الإنجاز المقدم والجهود المبذولة كبيرة، كما أدرك بأن الآراء والأفكار المطروحة كثيرة أيضا، ولكني أعي أيضا بأن مسؤولياتنا الوطنية والأخلاقية والتعليمية، استحقاقات لإنسان هذا الوطن الغالي يجب أن تفوق التوقعات، فإن نفوس أبناء عمان وبناتها المتقدمين لشغل وظيفة “معلم”، تتوق لإعلان النتائج وهم أمل بانفراج وضعهم، وتحقق آمالهم وطموحاتهم، والأخذ بأيديهم والوقوف معهم، ليجدوا لهم في مواقع التدريس حظوة وحضورا لخدمة عمان، إنها أولوية وطنية ومسؤولية أخلاقية أناشد فيها وزارة التربية والتعليم الموقرة وعلى راسها معالي الدكتورة وزيرة التربية والتعليم شخصيا في إعادة توجيه مسار العمل في هذه الملف، وفتح نوافذ أكبر للأمل لأبناء عمان بقادم أفضل يستوعب مهاراتهم ويحتوي سنوات إنجازاتهم السابقة حفاظا عليهم واستثمارا فيهم. وصدق الله العظيم إذ يقول: ” وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ” المائدة/32

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock