سُمّي بـ”البخّار، المطمرة، القيد”: دراسة تكشف جوانب من تاريخ السجن وحكايات السجناء في عُمان

مسقط – أثير

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

يرتبط السجن لدى العديد من البشر بالخوف والرهبة، ذلك أنه ارتبط دائمًا بسلب الحرية، والحرمان من الحقوق، والتعذيب، والقسوة، وفي المجتمع العُماني شكلت مفردات من مثل: البخّار، والمطمرة، والحبس، والقيد، والقمط سحابةً من الرهبة، وكان مجرد ذكرها يجلب القشعريرة لدى البعض، خاصةً في ظل كثرة القصص والروايات التي كانت تُحكى سابقًا عنها ممزوجةً بالخيال والمبالغة في أحيان كثيرة، والتي شكل بعضها جزءًا من التراث الثقافي غير المادي.

“أثير” تقترب من تاريخ السجن وحكايات السجناء في عُمان من خلال استعراض دراسة مهمة وشائقة حول “السجن والسجناء في عمان من عام 749م إلى 1969م. السجن السياسي نموذجا”، للباحث ناصر بن سيف السعدي وهي من الدراسات القليلة التي تناولت هذا المجال من خلال العديد من العناوين الفرعية أبرزها: تعريف السجن، مفردات السجن، أسباب السجن، أماكن السجن، أحوال السجناء وطرق التعامل معهم، أخبار وقصص، أدب السجون، إحصائيات حول السجناء، طبيعة الفئات الاجتماعية للسجناء، إحصائيات عامة، حول عدد سجناء الأئمة والسلاطين.

تعريف السجن

 

هناك عدة تعريفات للسجن، وسوف نأخذ بالتعريف الذي ورد في الدراسة والخاص بالشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، كونه كان أقرب للتطبيق والممارسة في المجتمع العماني، حيث يقول الخليلي في تعريف السجن       ” في اللغة هو المنع بمعنى سلب حرية الإنسان، ويكون الجبس إما حبسًا في مضيق، أو في موضع يعجز المحبوس فيه الخروج إلى غيره، أو يكون في مطمرة وهي حفرة تحت الأرض، أو حصن، أو مكان مستور بالجدران الحصينة وثيقا بالأبواب الشديدة”.

مفردات السجن

أشارت الدراسة إلى عدد من المفردات التي تستخدم في الإشارة للسجن في الأدبيات العماني، مثل الحبس، والقيد، والمطمرة، وهي حفرة تحت الأرض، يوضع فيها السجين، وكذلك (القمط) وقد عرفها سلمة بن مسلم العوتبي في كتابة (الإبانة) بأن القمط ” شد اليدين والرجلين معا”، والقماط “ القماط ضرب من العقوبة وليس هو أشد من القيد والمقطرة “.

وأيضًا ترد مفردة المِقطَرَة ” وهي خشبة فيها خروق كل خرق على قدر سعة الساق يدخل فيها أرجل المحبوسين”

أسباب السجن

أشارت الدراسة إلى عددٍ من الأسباب التي ذكرتها المصادر العمانية والتي كانت سببًا في سجن هذا الفرد أو ذاك، منها مثلا: سجن الجلندى بن مسعود (ت: 751م) رجلا لأنه شكك في إمامة الجلندى، حين سئل الرجل عن الإمام قال الإمام ولا شيء، وقد فهم الإمام كلامه على أنه تشكيك في شرعيته، فسجنه، وفي أوائل الثلث الأخير من القرن الهجري سجن موسى بن موسى رجلا لأنه عدّه من الجبابرة المستبدين، الذين لا يجوز صلاة الجمعة خلفهم.

وفي عهد اليعاربة تعددت أسباب السجن وزاد عدد السجناء في عهد بلعرب بن حمير فقد سجن جملة منهم، وقطع عنهم الماء حتى ماتوا في السجن.

وفي عهد الدولة البوسعيدية قام أبناء الإمام أحمد بن سعيد سيف وسلطان بسجن أخيهم سعيد بن الإمام، كما سجن السيد سعيد بن سلطان سبعةً من اليعاربة بسبب معارضتهم له، وكان بعضهم أطفالا، وسجنهم مدة ثم نفاهم إلى زنجبار.

كما سُجن في عهد السيد سعيد بن سلطان العديد من الأمراء وولاة المناطق؛ فقد سجن حمود بن عزان إلى أن مات في السجن، وسجن هلال بن محمد وطلب من أخت الأخير بتسليم حصن السويق مقابل إطلاق سراحه، كما “سجن 80 رجلا في الصيرة الشرقية فماتوا فيها عطشا وجوعا”.

أماكن السجن

يرتبط السجن غالبًا بالمركز الإداري للدولة، سواء أكان حصنًا أم قلعة، ولا توجد قلعة ولا حصن في عمان إلا وفيه سجن، وهذه السجون أشارت إليها المصادر، مثل سجن الرستاق، ونزوى، وسمائل، ومن أشهر أماكن السجون في عمان كوت الجلالي.

أحوال السجناء وطرق التعامل معهم

من أقدم النصوص التي تناولت أحوال السجناء، رسالة في أهل السجن، أرسلها محمد بن محبوب في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وعرفت برسالة في أهل السجن، كما أن هناك إشارات تشير إلى طريقة معاملة السجناء داخل السجن، وهي كثيرة وعديدة، يذكر الباحث ثلاثة نماذج منها لفترات زمنية مختلفة: كان موسى بن موسى قد سجن رجلا كبيرا في السجن مريضا، وحاول أهله التشفع له، لكنه رفض، ومنها تعامل الإمام بلعرب بن حمير مع السجناء في عهده، وقد أشار إلى ذلك حبيب بن سالم إذ يقول عن طريقة تعاملهم معهم، “وهم على شدة الجوع والعطش فيشرب هو عطشانا جائعا فيسرع إليه الموت”، وحبيب بن سالم هذا ممن سجنهم بلعرب ويقول عن نفسه ” منع عنه الطعام والشراب وعذبه ضربا وأخذ ماله غصبا فيا ويلك من عذاب الله “.

وخلال القرن التاسع عشر الميلادي تم وصف القيود التي في كوت الجلالي، بأن كل حلقة من حلقات القيد وزنها 4 كجم، وكان من يسجن يُقطع عنه الماء والطعام، وإذا مات يُرمى في البحر، “فقد سجن سلطان بن الإمام، خصيف بن مطر الهنائي في طامورة كوت الجلالي، وقطعوا عنه الماء فلما مات أمرهم سلطان أن يرموا جثته في البحر”

أخبار وقصص وأدب السجناء

 

وردت بعض القصص والأخبار عن السجناء، مصدرها بعض السجناء أنفسهم أو ممن عاصروهم أو عايشوا فترة سجنهم، ومن بين هذه القصص والأخبار أنه في أواخر عهد اليعاربة، إبان الحرب الأهلية بين محمد بن ناصر الغافري، وخلف بن مبارك الهنائي، سجن أصحاب خلف بن مبارك سبعة من رجال الغافري في حصن “يبرين”، وحبس أيضًا أصحاب محمد بن ناصر سبعة من بني هناءة وسجنوهم في حصن نزوى، وكل واحد أيّس من صاحبه أن يخرج من السجن، حتى وصل الخبر أن السجناء من يبرين ومن نزوى كل واحد منهم وصل بيته على غير رأي من سجنهم.

 وسبب خروجهم: أن بني هناءة وهم في سجن يبرين، عندهم مجز أو منشار وحفروا به الجدار وكان عندهم ماء يُؤتى لهم للشرب ولا يشربونه إنما يبلون به الجدار، وظلوا يحفرون الجدار حتى انخرق وانهزموا من السجن، أما بني غافر، فكانوا في سجن نزوى، وكان داخل السجن (عدل شعر) أي كيس منسوج من الصوف أو شعر الحيوان، فنقضوا نسجه، وصنعوا منه حبلًا طويلًا، وتوردوا به من الحصن، ووصل الخبر بخروجهم من السجن في خبر واحد.

من أدب السجون

أشارت الدراسة إلى رجل اسمه محمد بن علي السيفي، سجنه محمد بن ناصر الغافري، خلال النصف الأول من القرن 18م، فكتب وهو في السجن قصيدة يمدح فيها الغافري، مما جاء في القصيدة:

محمد يا نجل المبجل ناصر… حلت بكم الأيام وافتخر الفخرُ

وكانت هذه القصيدة سببًا في خروجه من السجن، وكتب بعدها عشرين قصيدة في مدح محمد بن ناصر.

وهناك سليمان بن بلعرب بن عامر السليماني الذي عاش في القرن الثامن عشر، وله كتاب في الأنساب مفقود بعنوان ” المؤتمن في ذكر مناقب نزار واليمن”، وديوان شعري بعنوان ” أشعار الأحزان من زنزانة السجان”، وكتب هذا الديوان وهو في سجن سمائل، ومن ضمن القصائد التي كتبها وهو في السجن، بسبب أن سنورة (هِرّة) جاورته وهو في السجن، وكانت تؤنسه وتنام معه، وتأكل عنه الحشرات، فكتب في ذلك قصيدة، مطلعها:

جاورتني في السجن سنورة سوداء … صارت أُنسي إذ الليل جنّا

كما كتب قصيدة أخرى حين صارت أمطار ووصل الماء إلى السجن، ونادى السجان ولم يلفت إليه أحد، وقصيدة أخرى عندما تأذى من القيود التي كانت في رجله.

إحصائيات حول السجناء

من بين أصغر السجناء الذين ذكرتهم المصادر وأشارت إليهم الدراسة اثنان، هما: سيف بن مالك اليعربي الذي سجنه السيد سعيد بن سلطان خلال النصف الأول من القرن 18م، فقد كتب إلى واليه أن يقبض على كل من يظفر به من اليعاربة، ومن ضمنهم سيف وكان عمره أقل من عشر سنوات تقريبًا، وكذلك محمد بن سعيد بن خلفان الخليلي الذي سُجن مع والده من قِبَل السلطان تركي بن سعيد، وكان عمره لا يتجاوز الثانية عشرة، ولم يجد الباحث في المصادر ذكرًا لنساء قد تم سجنهن ولو حتى إشارة عارضة.

كما أشار الباحث إلى أن هنالك سجناء ذُكِروا وهم طاعنون في السجن، لكن لم تُذكر أعمارهم، ومنهم محمد بن أخنس في عهد الإمام راشد بن النظر، حيث كان رجلًا طاعنًا في السجن ومقعدًا.

طبيعة الفئات الاجتماعية للسجناء

 

أشارت الدراسة إلى فئات مجتمعية عديدة عاشت تجربة السجن ومن بينهم عدد من العلماء من مثل: سعيد بن خلفان الخليلي، وحبيب بن سالم أمبوسعيدي، وسعيد بن بشير الصبحي وغيرهم كثير، وهناك شيوخ قبائل فقد سجن الإمام عزان بن قيس تسعة سجناء تقريبًا من شيوخ القبائل، منهم، راشد بن سالم آل حمودة، وهلال بن زاهر الهنائي، ومحمد بن علي الشكيلي، وسيف بن سليمان النبهاني وغيرهم.

كما تعرض بعض الأئمة لدخول السجن ومنهم راشد بن النظر الذي تولى الإمامة بعد عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وكذلك الإمام بلعرب بن حمير اليعربي، فقد سجن، وذاق من الكأس نفسه، وكان الإمام بلعرب من أشد أئمة اليعاربة قساوة مع السجناء.

وهنالك شخصيات تعرضت للسجن ثم أصبحت فيما بعد أئمة وسلاطين، منهم: السيد سعيد بن الإمام أحمد، تم سجنه من قبل إخوته سيف وسلطان، وكان ذلك قبل أن يصبح إماما وكذلك السيد تركي بن سعيد، فقد سجن عدة مرات قبل أن يصبح سلطانًا، فقد سجنه أخوه ثويني، وسجنه فيما بعد ابن أخيه سالم ثويني.

إحصائيات عامة، حول عدد سجناء الأئمة والسلاطين

خرجت الدراسة بإحصائيات عامة حول عدد السجناء في عهد الأئمة والسلاطين الذين شملتهم فترة الدراسة، ويبدو أن المقصود بالسجناء هم المعارضون والسجناء السياسيون؛ ففي عهد الإمام بلعرب بن حمير، كان هناك ثمانية سجناء، وخمسة في عهد الإمام أحمد بن سعيد، وفي عهد السيد سعيد بن سلطان بلغ عدد السجناء أكثر من (92) سجينا، وفي عهد الإمام عزان بن قيس بلغوا تسعة سجناء، وفي عهد السلطان تركي بن سعيد بلغ عددهم أربعة سجناء.

وبشكل عام بلغ عدد السجناء الذين أشارت إليهم المصادر خلال الفترة من القرن الثامن الميلادي حتى منتصف القرن الثامن عشر (38) سجينًا، وأكثر من مائتي سجين خلال الفترة من منتصف القرن الثامن عشر الميلادي حتى عام 1969.

يُذكر أن الباحث ناصر بن سيف السعدي طالب دكتوراه بقسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، وهو أحد الباحثين المجيدين والمهتمين في مجال التاريخ العماني، وله العديد من الدراسات والبحوث وأوراق العمل المنشورة كان آخرها بعنوان “المدينة العمانية، مقدمة تاريخية لعوامل النشأة والتحول” منشور بمجلة الذاكرة التي تصدر عن مؤسسة “ذاكرة عمان”، كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل السلطنة وخارجها من بينها ندوة تراث عمان البحري المنعقدة في أكتوبر 2018 بجامعة السلطان قابوس، وقد حصل على جائزة “عبد الله العلي النعيم لخدمة تاريخ الجزيرة العربية وآثارهاالمقدمة من جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون في الرياض، وذلك عن بحثه بعنوان ” نظام التغريق (مصادرة الأموال) في عُمان بين الظرف السياسي والأثر الاقتصادي، أما الدراسة الحالية فقد تم تقديمها ضمن أعمال الملتقى العلمي العشرين لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج الذي استضافته السلطنة في إبريل 2019.

***********************

المرجع

السعدي، ناصر بن سيف. السجن والسجناء في عمان من عام 749م إلى 1969م. السجن السياسي نموذجا، ورقة عمل مقدمة ضمن أعمال الملتقى العلمي العشرين لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج، مسقط، ابريل 2014

***********************

*صورة الخبر من شبكة المعلومات العالمية

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock