إنها تحمِل في أحشائها “ضحية”

أثير – المختار الهنائي

حادثتني في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، وكأنني أسمع قطرات من الحزن تخرج من عينيها بعد أن عصرتها الحياة بهمومها، أمامها “أيامٌ سوداء” كانت تراها كواقع آتٍ لها لا محالة، لم ترتكب أي خطأ سوى أنها رضخت للأمر وسط إلحاح والديها، واليوم مضت شهور منذ حملها لطفلها “الضحية” القادم للحياة مع ظروفه الخاصة التي سترافقهم طوال عمره إن بقي له عمر طويل يقضونه معًا.

بدأت قصتها حين تقدم لخطبتها شاب “لا يفوّت” كما وصفه والدها منذ الولهة الأولى، شاب ملتزم دينيًا كحال والدها المؤمن بالله والمتفائل جدًا بأن قضاء الله وقدره فوق توقعات البشر وفوق توقعات الطب وفوق كل اعتبار.

كحال أي فتاةٍ متعلمة سمعت بما يُسمّى بـ”فحص ما قبل الزواج” لكنها ليست بحاجته في حالتها، فهي تعلم منذ سنوات طويلة بأنها تحمل في دمها مرض فقر الدم المنجلي (السكلر) أو ما يُسمى محليًا بمرض نقص الدم، علمت ذلك أثناء فحصٍ للدم أجرته وهي في أيام المدرسة، وأخبرتها الطبيبة بضرورة فحص عريسها القادم لئلا يكون مصابًا أو حاملًا لهذا المرض.

حاولت الفتاة جاهدةً أن تقنع والدها بأن على العريس أن يذهب إلى عيادة الفحص ما قبل الزواج بالمركز الصحي ويقوم بالفحص من الأمراض الوراثية، وبعد إلحاح شديد منها، وافق والدها بأن يخبر العريس بذلك، فكان رده مباشرة بأنه يحمل في دمه مرض فقر الدم المنجلي لكنه غير مصاب به، وأخبره بأن هذا المرض غير موجود في عائلتهم.

قام الشاب ببعث الطمأنينة لوالد الفتاة بأن الطب الحديث قد وصل إلى مرحلة متقدمة يُمكن من خلالها القضاء على المرض إذا ما تم علاجه بشكل مبكّر، ليؤكد والدها بالموافقة على العريس وأنه في حال نتج عن الزواج أطفال مصابون فهي مشيئة الله ولا اعتراض على ذلك.

وعليه؛ ما كان من الفتاة سوى الرفض لهذا القرار المصيري، وحاولت أن تقنع والدها بأن الإنسان مُخيّر في جوانب عديدة من حياته، وهناك قرارات في الحياة يختارها بنفسه، ويختار مصيره فيها، وهي بعيدة عن القضاء والقدر، بل القضاء والقدر بأن لا يوقع الإنسان نفسه في أمر يعرف عواقبه، خصوصًا مع تقدم الطب؛ فالأمراض الوراثية منتشرة ونتائجها ليست بغائبة عن مسمع ومرأى الجميع.

كل الكلام الذي ساقته الفتاة لم يحرك ساكنًا في قرار والدها بالموافقة، قائلا بأن الطب أوجد علاجًا وتحصينًا ضد الأمراض الوراثية، ومع إصرار والدها وإلحاحه لم تجد خيارًا سوى الرضى بما أقرته السلطة الأبوية، لتنتهي القصة ونحن في عام 2019 بهذه النهاية التي يُمكن أن نطلق عليها “نهاية مأساوية” بعد أن مرت شهورٌ منذ زواجها، وهي اليوم وحتى كتابة هذا المقال حاملًا بطفل، سيكون ضحية ، ليس ضحية جهل بالأمراض الوراثية، بل ضحية جهل من نوع آخر.

بالحديث عن موضوع الفحص ما قبل الزواج والجهود التي تبذلها الجهات الحكومية في التوعية بضرورة الفحص، ما يزال وللأسف الشديد من هم غير مؤمنين بهذا الفحص، رغم درايتهم بأهميته، خصوصًا مع انتشار الأمراض الوراثية بشكل لافت داخل السلطنة.

وقد وفّرت وزارة الصحة بدورها عيادات خاصة في أغلب المراكز الصحية والمستشفيات المرجعية في جميع محافظات السلطنة، مهمتها إجراء فحص ما قبل الزواج للشريكين المتقدمين للزواج، لمعرفة ما إذا كانا مصابين أو حاملين لأحد الأمراض الوراثية، وفي كل عيادة توفر الوزارة فريقًا مكونًا من طبيب وممرضة ومثقفة صحية تم تدريبهم جميعًا من أجل هذه المهمة، بالإضافة إلى إعطاء الخيارات والبدائل أمام المقبلين على الزواج من أجل حياة زوجية صحية وسليمة.

ويأتي اهتمام الوزارة بضرورة الفحص ما قبل الزواج بسبب انتشار أمراض الدم الوراثية في السلطنة خصوصًا فقر الدم المنجلي والثلاسيميا ونقص الخميرة، حيث ينتشر فقر الدم المنجلي في السلطنة وفق الإحصائيات الرسمية بمعدل 6% بين السكان، بما في ذلك 2% مصابون بالمرض، كما ينتشر مرض الثلاسيميا بمعدل 2% ، كما تشير البيانات الرسمية إلى أن حوالي 10% من سكان السلطنة يحملون جينًا لأحد أمراض الدم الخطيرة، وأن أكثر الأمراض الوراثية المنتشرة هو مرض نقص الخميرة بمعدل 25% من الذكور و10% من الإناث.

من هنا نطرح سؤالًا عن الإجراءات التي يُمكن أن تنفّذ من أجل إصدار لوائح وقوانين تنظّم فحص ما قبل الزاوج ليكون فحصًا يُلزم به جميع المقبلين على الزاوج، خصوصا وأن مراكز التثقيف والتوعية الحكومية أو المجتمعية قد قامت بدورها في هذا الجانب منذ عدة سنوات إلا أن هناك مَن يُصر على التهاون بصحة الأجيال القادمة وحياتهم ، ونرى بأن القانون هو الذي سيكون الفاصل من أجل أسر سليمة وصحية، إذا ما تم تطبيق الفحص بشكل ملزم.

الحديث هنا يتجدد عن إصدار لائحة تنظم عملية الزواج بحيث يكون الفحص من الأمراض الوراثية أحد الشروط الموضوعة لإصدار تصاريح الزواج الرسمية، بل وأن يعمم على كل من عقد قران بأن يطلع قبل اعتماد عقده على تقرير من المستشفى عن خلو الزوجين من الموانع الطبية للزواج، وبالعودة إلى منظمة الصحة العالمية ، فقد عدّت بأن إجراء الفحص ما قبل الزواج من أهم الإجراءات الوقائية التي تحد من انتشار الأمراض الجينية والوراثية، لذلك سنّ الكثير من الدول قوانين وأنظمة لتطبيق فحص ما قبل الزواج بشكل إلزامي، وهو ما نتمنى أن يحصل في السلطنة .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. فحص لأمراض الوراثية أحد الشروط الموضوعة لإصدار تصاريح الزواج الرسمية

    Read more: https://www.atheer.om/archives/500666/%d8%a5%d9%86%d9%87%d8%a7-%d8%aa%d8%ad%d9%85%d9%90%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%ad%d8%b4%d8%a7%d8%a6%d9%87%d8%a7-%d8%b6%d8%ad%d9%8a%d8%a9/#ixzz5r8bpDov0

    جميل جدا هذا الشرط

    وكذلك ضعوا معه تثقيف الشاب والفتاة قبل الزواج ،بفقه الزواج وواجبات كل منهما وكيفية تعامل الطرفين ويجب التنازل في بعض الامور

    قبل اصدار شهادة الزواج

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock