ضمّت علماء وشخصيات بارزة: الأسرة العُمانية التي سطع نجمها سياسيًا وعلميًا خصوصًا ما بين القرنين الثاني والرابع الهجريين

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

برز في عُمان العديد من الأسر التي اشتهرت في مجالات معينة كالسياسة، أو الاقتصاد، أو الدين، أو الأدب، وكان لها إنتاج معرفي بارز في المجال التي برعت فيه، فلدينا أسرة آل المهلّب في مجال الحرب والسياسة، تلتهم أسر عديدة مثل بنو نبهان، واليعاربة، والبوسعيد، وفي المجال العلمي برزت أسر من أمثال أسرة موسى بن علي، وبنو مدّاد، وآل مفرّج وغيرهم من الأسر التي برزت في المجالات السابقة، ومجالات أخرى مختلفة.

وتعد أسرة “آل الرحيل” من أبرز الأسر العلمية والسياسية التي سطع نجمها تحديدًا ما بين القرنين الثاني والرابع الهجري دون أن ينقطع نسلها بعد ذلك من العلماء والشخصيات البارزة، ولعبت هذه الأسرة أدوارًا سياسية وفكرية مهمة، كما أنجبت عددا من الشخصيات البارزة التي كان لها تأثيرها البارز من خلال منجزاتهم التي خلفوها.

“أثير” تقترب في هذا التقرير من هذه الأسرة الكريمة ودورها في التاريخ العماني من خلال استعراض نسبها، وأبرز أعلامها، ومكانتها في المجتمع العماني، وأبرز أدوراها السياسية والفكرية، وذلك من خلال تصفح كتاب مهم تناول هذه الأسرة خلال الفترة ما بين القرنين الثاني وحتى الرابع الهجري، ونقصد به كتاب ” آل الرحيل قرنين من صياغة الحياة السياسية والفكرية في عمان” للباحثة الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية.

نسب آل الرحيل

 

اختلفت المصادر العمانية وغير العمانية في نسب آل الرحيل، ومما يزيد الأمر تعقيدا عدم وجود تأريخ لنسب الأسرة من قبل أيّ من أفرادها أو ممن عاصرها، فالمصادر العمانية توضح أن آل الرحيل ينسبون إلى الرحيل بن سيف بن هبيرة من مخزوم من قريش، وقالوا إن سيف بن هبيرة هو فارس رسول الله، ومع تتبع مؤلفة الكتاب لسلسلة نسب بني المخزوم في مصادر الأنساب العربية لم تجد ذكرًا لشخصيةٍ تحمل اسم سيف بن هبيرة أو حتى العنبر بن هبيرة من بني مخزوم، والشخصية الأشهر من بني هبيرة هو جعدة بن هبيرة الذي خلّف عددًا من الأبناء لم يكن من بينهم اسم الرحيل.

أما المصادر غير العمانية وبالأخص المصادر المغربية وعلى رأسها كتاب الطبقات للدرجيني، فقد وضع أبا سفيان محبوب بن الرحيل في الطبقة الرابعة (100-200هـ) ويذكره فيقول” ومنهم محبوب بن الرحيل العبدي رحمه الله، أحد الأخيار الأنجار، وممن سبق إلى تخليد السلف الأخيار”، ونجد الجيطالي يذكره بذات الاسم والنسب ” أبو سفيان محبوب بن الرحيل العبدي – رحمه الله – …”

وترجح الباحثة ما ذكره المغاربة من نسب آل الرحيل لاعتبارات عدة من بينها عدم تطابق نسب الأسرة في المصادر العربية مع ما تذكره المصادر العمانية، فضلا عن أن المغاربة هم أول من دوّن تاريخ الأسرة، وذكروه في مؤلفاتهم.

أعلام آل الرحيل

 

هناك العديد من الأعلام الذين أنجبتهم هذه الأسرة وممن ورد لهم ذكر في كتابات المؤرخين والفقهاء، ومنهم: هبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل الذي وصفته المصادر الإباضية بأنه كان فاضلا وتقيا، والرحيل بن هبيرة وهو عم والد محبوب بن الرحيل، ولا توجد له أي سيرة سوى ما ورد على لسان محبوب بن الرحيل من أن أباه سمّي على اسم عمه الرحيل، وهناك العنبر بن هبيرة جد محبوب وكان ممّن أخذ العلم عن جابر بن زيد، ومحبوب بن الرحيل مؤسس هذه الأسرة وهو أبو سفيان محبوب بن الرحيل الذي يعد من أبرز قيادات المدرسة الإباضية في البصرة وحاملًا لمشعلها بعد وفاة كبارات رجالها، فقد وصفته المصادر العمانية بأنه آخر أئمة المذهب الذين حملوا لواءه من البصرة إلى عمان مع الإمام الربيع بن حبيب، وتشير الروايات إلى أنه ولد في البصرة في أوائل القرن الثاني الهجري، وتوفي والده وهو صغير فتزوج الربيع بن حبيب والدته، وهكذا نشأ في كنف الإمام الربيع وتتلمذ على يديه وعلى يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمه، وله من الأولاد سفيان والمحبر ومحمد والأخير هو الأشهر بينهم.

ومنهم محمد بن محبوب بن الرحيل وكان عالما وقاضيا وداعيةً وسياسيا محنّكا، تتلمذ على يد الشيخ موسى بن علي، وأبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وسمع عن هاشم بن عبد الله، كان رئيس العلماء في زمن الإمام الصلت بن مالك، وتولى في عهده القضاء حتى مات، وله آثار علمية منها موسوعة فقهية من سبعين جزءا مفقودة، وله مجموعة من السير والجوابات.

ومنهم سفيان بن محبوب بن الرحيل وهو عالم وفقيه عاش في القرن الثاني أو الثالث الهجري، وبه يكنى والده محبوب بن الرحيل، وعلى ما يبدو أنه استوطن مكة، ومن آثاره العلمية مراسلات مع أبي صفرة في خلق القرآن.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب وهو أكبر أبناء الشيخ محمد، ولا يوجد له ذكر كبير في المصادر والمصنفات الفقهية العمانية، وقد ذكره الكندي في “بيان الشرع” في أكثر من موضع أنه يتولى الخطابة في المنبر حين لا يستطيع نبهان بن عثمان خطيب عزان بن تميم أن يقوم بذلك.

ومنهم بشير بن محمد بن محبوب وهو من كبار علماء عمان في القرن الثالث الهجري، أخذ العلم عن والده، وحفظ عن أبي معاوية عزان بن الصقر، وله بعض المسائل مع الفضل بن الحواري، وله العديد من المؤلفات والسير أشهرها سيرة المحاربة، وسيرته في الأحداث التي تلت عزل الإمام الصلت.

ومنهم الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد الذي تتلمذ على يد الحواري بن عثمان ومحمد بن سعيد بن أبي بكر، تولى الإمامة سنة 320 هـ.

الدور السياسي للأسرة

لعب أفراد أسرة آل الرحيل دورا بارزا في الحياة السياسية في البصرة أولا ومن ثم في عمان مع انتقال مركز الدعوة الإباضية إلى هناك، وتمثل هذا الدور بصورةٍ بارزة في تولي أفراد هذه الأسرة مناصب دينية مرموقة في المجتمع ذات نفوذ سياسي بارز، وكذلك تقلد أحد أفرادها منصب الإمامة في فترةٍ كانت تتميز بالتفكك الداخلي والتحزبات الفكرية والسياسية.

كما كان لأسرة آل الرحيل دورٌ سياسيّ واضح في العديد من الأحداث السياسية لعمان خلال فترة الإمامة الثانية، فقد شكّلوا عامل استقرارٍ كبيرٍ فيها خلال أكثر من مشهدٍ سياسي كاد أن يعصف بالبلاد في ريح الفرقة والشتات، وهذا ما حدث بالفعل إبان انسحاب من تبقى منهم من الساحة السياسية العمانية، وكان الدور السياسي للشيخ محمد بن محبوب بارزا بوصفه مستشارا للإمام الصلت بن مالك بالإضافة إلى كونه رئيسا للعلماء، ولا نستبعد أن يكون ترشيح الصلت بن مالك للإمامة جاء من قبل الشيخ أبي عبد الله محمد بن محبوب، إذ إن التاريخ العماني يشير إلى أن أغلب الأئمة وصلوا لمنصب الإمامة بترشيح من قبل رئيس العلماء وشيخهم في وقته.

وتورد المصادر العديد من المواقف التي أوكل الإمام الصلت لمحمد بن محبوب البتّ فيها فكريا وسياسيا، واستمر الشيخ كالرجل الثاني في الدولة والساعد الأيمن في إمامة الصلت بن مالك الخروصي، وأكدت المراسلات بينهما على هذا، وقد وضع الشيخ محمد بن محبوب دستور الولاة في رسالةٍ طويلة أرسلها لوالي الرستاق غسان بن خليد باسم الإمام الصلت، موضحا فيها واجبات الولاة وأعمالهم، وهي تشبه رسالة عمر بن الخطاب لقاضيه أبو موسى الأشعري، وأوضحت هذه الرسالة أن الرستاق ونواحيها كانت تتبع قاضي صحار، حيث أشار الشيخ محمد إلى ذلك في أكثر من موضع في الرسالة، كما أن له رسائل موجهة إلى إمام أهل حضرموت، وعهده لجيش سقطرى في حوالي سنة 253هـ، ونجد كذلك من سير محمد بن محبوب المشهورة سيرته إلى أهل المغرب في عهد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وله سيرة أرسلها للإمام المهنا بن جيفر اليحمدي يوضح له فيها موقفه منه، وسيرة ثالثة إلى أبي زياد خلف بن عزرة، بالإضافة إلى مراسلات أخرى متنوعة.

كما شكّل انتخاب سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الحدث الأول من نوعه في إعادة جمع كلمة العمانيين مرةً أخرى بعد خلاف قضية عزل الإمام الصلت بن مالك، وقد تمتع الإمام سعيد بالصفات والمؤهلات التي جعلت العلماء يجتمعون حوله، ويقارنونه بالجلندى بن مسعود من حيث المعرفة الشرعية، والقدرات السياسية والإدارية.

الدور الفكري

من الناحية الفكرية كان لأسرة آل الرحيل حضورٌ واضح في كتب الفقه العمانية، ولا تكاد تخلو من فتاواهم بخاصة الشيخ محمد بن محبوب، فجامع ابن جعفر تمثل فتاوى الشيخ 90% منه، وكذلك في كتاب “بيان الشرع” الذي لا يخلو بابٌ منه من فتاوى الشيخ، وقد ضاع العديد من مؤلفات أسرة آل الرحيل مع احتراق المكتبة المعصومة في تاهرت، ولم يتبق منه سوى ما هو مذكور في كتب الفقه العمانية والمغاربية.

وهناك سيرتان للشيخ محبوب بن الرحيل؛ الأولى سيرته إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان، والأخرى إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان كذلك، كما كانت له علاقات مع علماء المغرب العربي خاصة في مواسم الحج، حيث كان لمحبوب مضارب تعرف بمضارب محبوب فيها مورد حجاج عمان وجماعتهم، وكان المغاربة يقصدونها للقاء المشايخ والاستزادة من العلم، ويقال إن محبوب ألّف كتابا يحوي العقائد والسير والفقه وكان موجودا في الدولة الرستمية إلا أنه احترق وفقد مع احتراق المكتبة الرستمية بتاهرت.

وأضحت صحار بوجود محمد بن محبوب قاضيًا فيها سنة 249هـ/ 863م منارة علم، فقد جذبت إليها العديد من كبار العلماء وتلاميذهم، وكانت مجالس الشيخ محمد عامرة بطلاب العلم لعل أشهرهم عزان بن الصقر، والفضل بن الحواري، ومحمد بن جعفر، وأشارت الروايات إلى وجود هؤلاء خلال فترة وجود الشيخ فيها.

كما كان لمحمد بن محبوب دور في ترسيخ العلاقات الفكرية مع بلاد المغرب، وكانت له العديد من المراسلات مع علمائها، كما التقى مع الشيخ عمروس بن فتح النفّوسي المغربي في موسم الحج، وللشيخ سيرة إلى أهل المغرب تضم عددًا من الجوابات ردا على بعض التساؤلات التي وردته من علماء الإباضية في شمال أفريقيا، كما له العديد من الفتاوى من بينها: فتواه في قضية الشفعة، وفتواه في سالك الطريق، وفتواه في أمر ابنة الصقر بن الجراح، وفتواه في محمد بن عمر، ورأيه في نخل محمد بن هجرة.

وخلّف محمد بن محبوب ولدين هما بشير وعبد الله، أثنى عليهما المؤرخون العمانيون بصورة كبيرة رغم أن اسميهما يردان بصورة متفرقة في كتب الفقه العمانية؛ فنجد بشير بن محمد مثلا له العديد من الفتاوى والآراء في مصادر الفقه العمانية، وكذلك يبرز معرفته بالفلسفة ودمجها بالفقه من خلال المحاربة، أما عبد الله بن محمد فلا يوجد له ذكر كبير في المؤلفات العمانية إلا القليل من الآراء الفقهية، وإنما يعلو اسمه مع اسم ابنه الإمام سعيد بن عبد الله.

وقد خلف الشيخ أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب والده في منصب رئاسة العلماء لكنه لم يستمر لفترة طويلة، إذ جاءت حادثة عزل الإمام الصلت فآثر الانسحاب إلى مكة المكرمة والوقوف، مكتفيا بسيرته حول هذا الحدث، موضحا رأيه فيما قام به موسى بن موسى دون أن يصرّح بالبراءة منه، بل وصفهم بالبغاة واكتفى.

وكتاب ” آل الرحيل” في أصله هو أطروحة دكتوراة في الفلسفة تخصص التاريخ بعنوان“آل الرُّحَيل، ودورهم السياسي والفكري في عُمان”، وهوصادر عن دار الوراق في (152) صفحة، ويضم ثلاثة فصول؛ يتناول الأول نسب آل الرحيل، وأعلامهم، ونشأتهم ومكانتهم في المجتمع، ويركز الثاني على الدور السياسي لأسرة آل الرحيل من خلال دور الشيخ محمد بن محبوب السياسي في قضية خلف بن السمح المعافري، والقضايا السياسية عند الشيخ محمد بن محبوب ودوره فيها، والآراء السياسية للشيخ بشير بن محمد بن محبوب في قضية عزل الصلت بن مالك، والدور السياسي لأبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب، والإمام سعيد بن عبد الله بن محمد، فيما يتناول الفصل الثالث الدور الفكري لأسرة آل الرحيل من خلال سيَر الشيخ أبو سفيان محبوب بن الرحيل ودلالاتها، وعلاقات محبوب بن الرحيل بالمغرب العربي، ورأي الشيخ محمد بن محبوب في قضية خلق القرآن، ومراسلات الشيخ محمد بن محبوب مع الشيخ موسى بن علي، ودور الشيخ محمد بن محبوب في ترسيخ العلاقات الفكرية بين عمان والمغرب العربي، وأهم القضايا التي عالجها الشيخ محمد بن محبوب ومؤلفاته، ونماذج من فتاوى الإمام سعيد بن عبد الله، وغيرها من الموضوعات.

وللباحثة الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية عناوين بحثية متنوعة غطت جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية من التاريخ العماني من بينها على سبيل المثال: “الوجود العُماني في الموانئ الفارسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، و”علاقة الشيخ الفارسي بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي: دراسة تاريخية”، و”المحاصيل الزراعية رافد تاريخي اقتصادي”، و”دور التنشئة في فكر الشيخ أبي حميد”، و”الأحوال الثقافية في عهد الإمام الخليلي”، و”الدور الحضاري للمرأة العمانية وإسهاماتها”، و”الإمامة في عُمان من وجهة نظر بريطانية خلال فترة القرن الـ19: دراسة وثائقية”، وحمير بن ناصر النبهاني: تاريخ وأحداث”، كما شاركت في ندوة دولية بتونس حول كتب السير الإباضية السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان في عيون المحدثين.

المرجع

1-  النبهانية، بدرية بنت محمد. آل الرحيل قرنين من صياغة الحياة السياسية والفكرية في عمان، دار الوراق، مسقط، 2019.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock