الدبلوماسي العُماني الذي حمل حقيبتين دبلوماسيتين لدولتين مختلفتين

مسقط-أثير

إعداد: د.سليمان المحذوري- باحث في التاريخ العماني

من النادر أن تجد شخصيّة عُمانيّة حملت حقيبتين دبلوماسيتين لدولتين مختلفتين؛ بيد أنّ الشيخ فريد بن مبارك بن علي الهنائي يُعد استثناءً، وشخصية عُمانية تستحق الوقوف عندها، وتسليط الضوء عليها؛ نظرًا لمسيرته الحافلة في السلك الدبلوماسي، إلى جانب تفرده بأنه شغل منصب سفير لجمهورية كينيا ولسلطنة عُمان.

ورغم شحّ المادة العلمية حول شخصية الشيخ فريد الهنائي؛ إلا أنّ المعلومات المتوفرة يُمكن أن تعطي بعض الإشارات المهمة فيما يتعلق بمسيرته الدبلوماسية المهنية.   

 

وُلد الشيخ فريد لأبويين عُمانيين في ممباسا [1] بجمهورية كينيا في  أغسطس 1930م. وتعود أصول آبائه إلى بلدة بلادسيت في ولاية بهلا بمحافظة الداخلية، وهو الابن الأكبر للشيخ مبارك بن علي الهنائي والي ممباسا[2] التابعة لسلطنة زنجبار آنذاك.

 

بدأ الشيخ فريد مسيرته التعليمية عام 1937م بعد أن ألحقه والده بمدرسة كلية فكتوريا Victoria College في الإسكندرية التي تُعد إحدى أقدم وأكبر المدارس الإنجليزية في مصر[3]، وبعد أن أكمل دراسته بها التحق عام 1951م بجمعية Gray’s Inn في لندن التي قضى فيها عامًا واحدًا لدراسة القانون، ثم التحق بجامعة أكسفورد Oxford University لدراسة القانون واللغات والعلوم السياسية، وبعد أن أكمل دراسته عاد إلى كينيا ودرس العلوم الإدارية في نيروبي عام 1961م. ومن خلال هذه المسيرة العلمية تمكّن الشيخ فريد من اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والسواحيلية.  

وبالنسبة لحياته العملية فقد بدأ عمله كدبلوماسي في وزارة الخارجية الكينية؛ حيث تدرج في عدة مناصب دبلوماسية منها مدير للمراسم لعدة سنوات، كما عمل مستشارًا في السفارة الكينية في فرنسا عام 1965 وبعد عامين انتقل إلى ألمانيا، وفي عام 1968م أصبح سفيرًا في كنشاسا الكونغو، وبعدها بعامين تم تعيينه سفيرًا في القاهرة، واعتماده لتمثيل كينيا لدى جميع الدول العربية.

عاد الشيخ فريد إلى وزارة الخارجية الكينية عام 1974م مديرًا لمكتب إفريقيا والشرق الأوسط حتى تقاعده من الخدمة في العام نفسه. بعدها قرر زيارة أقاربه في عُمان بصحبة عائلته، وقد شكّلت هذه الزيارة علامة فارقة في تاريخه ومسيرته العملية فخلال فترة إقامته في عُمان عُرض عليه العمل في وزارة الخارجية العُمانية والاستقرار في مسقط، وبالتالي عقد الشيخ فريد العزم على المشاركة في بناء نهضة عُمان الحديثة واضعًا اللبنة الأولى في مسيرته العملية في عُمان كوزير مفوض عام 1975م، ثم سفيرًا عُمانيًا في بون عام 1976. وفي سبتمبر 1977 أصبح الشيخ فريد بن مبارك الهنائي سفيرًا للسلطنة لدى الولايات المتحدة الأمريكية مقتفيًا خطى أحمد بن نعمان الكعبي الذي يُعد أول سفير عُماني يصل نيويورك عام 1840م، ومجسّدا العلاقات القديمة التي تربط عُمان بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تعود إلى ثلاثينيات القرن الـ 19م. كما تمّ اعتماده كسفير غير مقيم لدى كندا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين.

وفي عام 1979م شغل الشيخ فريد منصب رئيس المراسم في وزارة الخارجية، كما عمل سفيرًا للسلطنة لدى الصين في الفترة من 1986 إلى 1990م وبعدها عاد إلى ديوان عام وزارة الخارجية، وفي عام 1992 تقاعد من العمل الدبلوماسي.

يُجيد الشيخ فريد عدة لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية والسواحيلية، كما نال أوسمة رفيعة من مصر وأثيوبيا  والكونغو. توفي الشيخ فريد رحمه الله بعد مسيرة عملية حافلة في 29 يوليو 2003م .  

 

الإشارات:

[1] أصبحت ممباسا أو ممباسة ولاية تابعة لعمان منذ تحريرها من أيدي البرتغاليين عام 1698م في زمن دولة اليعاربة وتحديدًا في عهد الإمام سيف بن سلطان الملقب بقيد الأرض.

2- هو الشيخ السير Sir مبارك بن علي بن سعيد بن علي الهنائي ولد في ممباسا عام 1896م. تُشير المصادر إلى أن جده علي بن منصور هو أول من هاجر من عُمان، واستقر في زنجبار خلال النصف الأول من القرن 19م، وفي عهد السيد برغش بن سعيد (1870-1888م) عُين واليًا على ممباسا. بدأ الشيخ مبارك تعليمه القرآن الكريم في سن مبكرة ثم التحق بمدرسة بوكستون Buxton بإحدى مدارس الإرساليات لتلقي التعليم النظامي والعلوم الحديثة واللغة الإنجليزية، ثم التحق بالمدرسة العربية الحكومية ، وبعد أن انتهى من أداء الخدمة العسكرية عام 1918م بدأ مشواره الوظيفي بالعمل ممثلًا للجالية العربية لدى هيئة تحكيم الأراضي، وفي عام 1922م تمت ترقيته إلى منصب المساعد العربي للمفوض المقيم في ممباسا، وفي عام 1937م تمّ تعيينه واليًا على ممباسا ، وفي عام 1941 حتى عام 1958م شغل منصب والي الشريط الساحلي، ونظرًا لتفوقه العملي وخدماته الجليلة نال عدة أوسمة من ملك بريطانيا ومن سلطان جزر القمر وسلطان زنجبار. توفي -رحمه الله- عام 1959م.

3- مدرسة كلية فكتوريا  كان لها دور في إعداد زعماء الدول وقادة المستقبل. وخريجوها كانوا يحصلون على قبول غير مشروط للداسة في جامعة كمبريدج  أو جامعة أكسفورد لتمكنهم في اللغة الإنجليزية.

المراجع:

  • منصور بن فريد بن مبارك الهنائي.
  • Merrigan, A. “His Excellency Sheikh Farid Mbarak Ali Al-Hinai”, American Export Lines, INC.
  • ناصر بن عبدالله الريامي، زنجبار شخصيات وأحداث، ط3، بيت الغشام للصحافة والنشر والترجمة والإعلان، مسقط، 2016.

********************

 

الدكتور سليمان المحذوري

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock