عُماني .. جنرالٌ للسلام، لا الحرب

د.هدى بنت عبدالرحمن الزدجالية- باحثة في التاريخ

الجنرال (General) رتبة عسكرية، لكننا اليوم سوف نحكي قصة جنرال من نوع آخر؛ إنه جنرال للسلام .

تبدأ القصة من أرض مجان القديمة مع تلك الرحلات البحرية العمانية؛ لتمخر عباب البحار شرقًا وغربًا، وتحمل معها لواء حضارة عمادها الخير لكل البشر .هكذا بدأت قصة العُماني مع البحر .

المكان منطقة جنوب شرقي آسيا والشرق الأقصى، حيث عُرفت عمان هناك بأسماء عدة منها بلاد “نمان”، واشتهر منها ربابنة ونواخذة وبحارة كثر ارتادوا تلك البحار.

وصل التجار العُمانيون إلى بلاد الصين منذ القرن الثاني الهجري فبلغوا منها أقصاها كما تدل على ذلك الوثائق التاريخية ، ويُعدّ أبو عبيدة عبد الله بن القاسم العماني الملقب بأبي عبيدة الصغير تشريفا وتكريما من أوائل العمانيين الذين وصلوا إلى ميناء كانتون في الصين حوالي عام 133هـ/ 750م حيث عدّت بعض المصادر التاريخية رحلته من أقدم الرحلات العربية إلى الصين إن لم يكن أولها؛ فقد سبقت رحلته رحلة سليمان التاجر بقرن من الزمان.
لكننا اليوم بصدد الحديث عن شخصية أخرى نالت شرف لقب جنرال في الصين ألا وهي شخصية الشيخ عبدالله الوشيوني (الصحاري)، الذي طوته ذاكرة النسيان؛ فجاء مقالي هذا لإلقاء الضوء على صفحات مشرقة من حياته.

ينتمي الشيخ عبدالله الصحاري إلى مدينة صحار العُمانية العريقة، والتي تُعدّ من أبرز الموانئ العمانية عبر التاريخ، كما أنها عاصمة عمان السياسية والتجارية لأكثر من ألف وسبعمائة سنة .

وقد ارتبط اسم صحار بعلاقاتها مع الصين في العديد من المصادر الصينية ومنها “Muxun” ،و”Wa-La” ، و”موي” ،و”ووشيون” وهي لفظة تقابل اسم (Mazun) مزون وهو الاسم الذي أطلقه الساسانيون على مدينة صحار.

لم تحدد لنا المصادر التاريخية فترة رحلة الشيخ عبدالله إلى الصين وتاريخ استقراره بها؛ أما المصادر الصينية فتؤرخ ذلك في عهد “أسرة سونغ” حين استقر العديد من الجاليات العربية والإسلامية سواء أكانوا تجارا أم علماء على ساحل الصين الجنوبي في منطقة “خوان فو” (كانتون حاليا ).

ومن تلك المصادر ما أشار إليه الكاتب الصيني “Chou Jukua” في كتابه سجلات البلاد الأجنبية (Chu-Fan-Chi) والعائد لأسرة سونغ الجنوبية ،وكتاب (موجز تسجيل الأمور الهامة المختلفة في عهد أسرة سون) للكاتب “سوشى” وكتاب (السجل المختصر لسهول التنين) للكاتب الصيني “سوازي” ،وكتاب (تاريخ النظم الأساسية الدستورية لأسرة سونغ)، لشخصية عرفت باسم (Xin-Ja-To-Lu) وهو الشيخ عبدالله الصحاري. وأنه عاش بمدينة كانتون، فكان تاجرًا ثريًا حظى باحترام الإمبراطور الصيني والبلاط؛ اللذين لم يتدخلا في شؤون تجارته، إلى جانب كونه:
• يشغل منصب رئيس حي الأجانب بمدينة (Guang Zhou).
• ضابطًا للهجرة من قبل الإمبراطور .
• ممثلا لخليفة المسلمين في الصين.
وجاء منحه لقب الجنرال (Huai-Hua) في العاصمة (كاي- فانغ) عاصمة أسرة سونغ الشمالية في البلاط الإمبراطوري، تتويجا لإسهاماته في تنشيط التجارة العربية مع الصين، وإبراز دور العرب في إدارة وتطوير النظم التجارية داخل الصين.
“جنرال الأخلاق الطيبة” هو اللقب الذي عُرِف به الشيخ عبدالله في الصين حيث عاش بها عشرات السنين، وبلغت ثروته خلالها ملايين المينات (المين = ألف قطعة نقدية) بينما بلغ الدخل السنوي للتجارة الخارجية للدولة في تلك الفترة مليوني مين فقط في أكثر فتراتها ازدهارًا .

ويفسر لنا البرفسور الصيني (Zhang-Jun-Ya) بجامعة بكين ذلك بقوله : “إن هذا يؤكد على ثراء التجار العرب وعدم تدخل البلاط الإمبراطوري بتجارتهم”.

ومن الأغرب من ذلك موقف الشيخ عبدالله ورغبته في ترميم سور كانتون على نفقته الخاصة وطلبه من الإمبراطور ذلك لكنه رفض الأمر . كما أسهم شيخنا العُماني في التنمية الاجتماعية بالصين من خلال شراء الأراضي، وبناء المدارس لمواطني المنطقة دفعا منه لمسيرة التعليم.

وبحلول عام 1072م أزف وقت الرحيل، ليغادر الشيخ عبدالله الصين يقوده الحنين إلى مسقط رأسه مدينة صحار ووطنه الأم عمان. فما كان من الإمبراطور الصيني (سون شين زوان) إلا أن أهداه حصانا أبيض، وطاقم سرج، وزماما للخيل، ليرحل الشيخ عبدالله محملاً بذكريات عطرة عاشها في رحاب مدينة كانتون حاملا معه لقب “جنرال الأخلاق الطيبة” .

أما ما حدث له بعد ذلك، ووصوله عمان، أو عودته إلى الصين فسيظل طي الكتمان بسبب غياب المصادر العمانية التي لم تتحدث عن ذلك، والمجال مفتوح أمام الباحثين خاصة العمانيين لسبر غور قصة الشيخ عبدالله.

واليوم عندما نزور الصين نجد لوحة تذكارية مرسومة باليد بالسفارة العمانية في بكين تصوّر الشيخ عبد الله وهو يسلّم الإمبراطور سون سين زون هدية عبارة عن سيف عُماني، ليراها كل زائر للسفارة ويتعرف على عمق العلاقات التاريخية العمانية الصينية، وتحكي هذه الصورة قصة عَلَم من أعلام عمان البارزة في ذلك الركن البعيد من العالم.

المراجع:
-تشانغ زون يات، الاتصالات الودية بين الصين وعمان عبر التاريخ (مسقط: وزارة التراث والثقافة ،1987م).
-جعفر كرار أحمد، العلاقات التاريخية بين الصين وشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وحتى أوائل القرن العشرين ،مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية ،الكويت، العدد 92،السنة 24.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock