د.رجب العويسي يكتب: أحداث التعليم ودلالاتها في إصلاحه وإعادة إنتاجه

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

 يبدو ان عامنا الدراسي الجديد عاما استثنائيا  بكل المقاييس ، بما حمله  من أحداث وما ارتبط بتأريخه من مواقف مثيرة ، ولعل ما أفصحت عنه جلسات المحاكمة في القضيتين المشهورتين بـ: اختلاسات بعض الموظفين بوزارة التربية والتعليم ، وقضية الحكم بالسجن  لمعلمين  قاموا  بتسهيل عملية الغش بين الطلبة، واللتين تناولها  القضاء العماني بالكثير من التفصيل، ونشرت تفاصليها القنوات الإعلامية المحلية ، وتداول وقعهما ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي،  حتى أصبحتا حديث الشارع العماني وعلى ألسنة المهتمين بالتعليم والمتابعين له من تربويين وأكاديميين وأولياء الأمور والمثقفين والكتاب وغيرهم، يحملان دلالات  كبيرة  محو الحاجة الى انتشال الواقع التعليمي من  الحالة التي تسيطر عليه، ونواتجهما  وأبعادهما  التنظيمية والفكرية والمؤسسية والأمنية القادمة على التعليم، ومنحى الإصلاحات التي يفترض ان تطاله، وانعكاس هذه الصورة الذهنية على فكر الأجيال القادمة، وكيف يمكن أن تقرأ هذه الأحداث ونتائجها على طريقة تقبلها لمساراته ومناهجه وأدواته.

ومع أننا لسنا هنا في محل الدخول في تفاصيل هاتين القضيتين أو غيرهما،  إلا  أننا نعتقد  بأن  ما يحصل في التعليم من أحداث  يستدعي اليوم البحث في  عمق هذه القضايا والمدخلات  المسببة لها، والتي تبرز طبيعة الممارسة التعليمية ذاتها، ومستوى التناغم الحاصل بين  مكونات البيت الداخلي للتعليم،  ومستوى التواصل الحاصل بين متخذي القرار والميدان التعليمي ، والفجوة بين السياسات والممارسات، والترهل الوظيفي التعليمي  نظرا  لسياسات التهميش والاقصاء لبعص الدوائر أو الوظائف،  وسياسة الأبواب المغلقة، وضعف مسألة  التقييم المؤسسي وقدرتها على انتشال جوانب الضعف أو الوقوف على موضع القوة، وهجرة العقول المخلصة والكفاءة النوعية من أروقة المؤسسة التعليمية وابتعادهم من مواقع صنع القرار، وتجنبهم الدخول في  صدامات مه بعض القيادات التعليمية ، ومدى جدية السياسات المعتمدة في إدارة الحوار المؤسسي، وانعكاسات ذلك على بنية التعليم وهيكلته ومستوى التكاملية  التي ينشدها،  ومدى وجود آليات عمل دقيقة في تحديد مستوى التغييرات التي يفترض أن تطال النظام التعليمي خاصة الجانب الفني الأكاديمي منه بما يسهم في زيادة مستويات الاتصال والتكامل والترابط بين مختلف جزئيات النظام، ومعيقات إدارة العمليات التعليمية  الخاصة بالمناهج والموارد البشرية، وبيئة القرار التعليمي ذاته،  ومدى كفاءة الدور القانوني والتشريعي لوزارة التربية والتعليم في التعاطي مع حالات التظلمات الحاصلة والقضايا المرفوعة نتيجة بعض الممارسات غير المسؤولة، وكفاءة العدالة الوظيفية، والرقابة  المؤسسية على الإنجاز ، وغيرها من المسببات التي باتت تلقي بحملها على  أولويات التعليم وكفاءة إدارته، وقدرته على حلحلة قضاياه التي ما زالت تدور في حلقة مفرغة، ويعاد  التذكير بها  مرترا دون الوصول إلى  حسم للكثير منها في الواقع الميداني.

ولأن التعليم  في الأساس قضية وطن  وتعبير عن إرادة أمة ومسار تقدمها، فإن عليه أن يثبت حضوره في الساحة الوطنية كعامل منتج للوظائف والقيم والأخلاقيات ،وللفكر البناء والثقافة الرصينة ، منتج للموضوعية، والمصداقية والأمانة، واحترام المسؤولية، وأخلاقيات الوظيفة؛  والطريق لبناء الانسان الواعي القادر على فهم حقوقه وادراك مسؤولياته وواجباته ، لذلك كان التعاطي الجدي مع قضاياه، والفهم المعمق لمراحل نجاحاته، أو الوقوف على  اخفاقاته ومكامن الضعف فيه؛ خيارا استراتيجيا  يضع مؤسسات التعليم أمام مسؤوليتها في البحث عن أفضل المنصات للوصول إلى تحقيق نجاحات  لها في مرافئ التنمية الأخرى واشرعتها الممتدة التي  تنطلق في الأساس من التعليم ،  لذلك نعتقد بأن  الحديث المجتمعي اليوم عن التعليم  وحالة الامتعاض التي يشهدها المجتمع كنتاج لهذه الأحداث والممارسات؛ حالة صحية تعبر عن وعي المجتمع وحسه التعليمي وإدراكه بما يجب أن يكون عليه التعليم من مثالية  في الممارسات ومصداقية في العمل، وهي محددات يجب أن يأخذها التعليم على محمل الجد، ويضعها في قائمة أولوياته وسلم اهتماماته، بل يبني عليها محطات عمله القادمة،  كمدخل لإعادة انتاج التعليم من جديد ، في ظل معطيات جديدة ووقائع متجددة، وأحداث أفصحت  عن ثغرات وتناقضات  بحاجة لأن يعيد فيها التعليم مساره ويوجه بوصلة أهدافه.

وبالتالي كيف يمكن للتعليم أن يستفيد من الحالة التي يمر بها  في تعزيز ممكنات الإصلاح وإعادة انتاج المسار التعليمي بطريقة تتناغم مع الموجهات الوطنية العليا وتتفاعل مع احتياجات الوطن ومستقبلة وطموحات المواطن وتوقعاته،  وتستفيد من هذه العقبات  في بناء اطر جديدة تقف على محطات الأداء وتضبط مسار العمل عبر ضخ قيادات جديدة، تمتلك نوعية معينة من المهارات والاستعدادات والقدرات  التي ينبغي ان يكون عليها  القائمون على التعليم، وهي محطات يجب أن  يستدركها التعليم  في عملية تنشئة الجيل القادم، وهو أمر نعتقد  بأنه سيساهم في إعطاء مساحات أوسع لإصلاح التعليم وفق استراتيجيات واضحة، ورؤى استشرافية  تصنع من التعليم منظومة حياة وإطارا لبناء الدولة ، وبالتالي ما يجب أن يضعه  التعليم  في مبادئه ومنطلقات عمله من أن عالم اليوم يفرض واقعا جديدا على التعليم أن يعايشه بطريقة  أكثر ابتكارية، وأقرب إلى  استئصال مساحة الأنا من النفس وحالة الاستغلال السلبي للموارد  ، ليصبح  التعليم حارسا أمينا على الممتلكات والمال العام ومقدرات الوطن ومقدساته ، ويصنع مساحة أمان للأجيال القادمة  قوامها التزامهم القيمي وسموهم الفكري ورقيهم الأخلاقي وصفاؤهم الذهني وعمقهم المعرفي وسلوكهم المتوازن فيؤسس فيهم معايير الثقة  ويبني فيهم نوازع الخيرية والأمانة والصدق.

عليه تكشف أحداث التعليم  اليوم عن الحاجة إلى مسار واضح  يوجه بوصلة التعليم  ويسير به وفق غاياته الوطنية التي رسمها جلالة السلطان المعظم في  مسيرة التعليم الوطني والغاية التي أرادها جلالته من التعليم عندما جعله  أساس انطلاقة النهضة وبناء الدولة، وهي مرتكزات  أكدها النظام الأساسي للدولة ، لذلك نعتقد بأن الحاجة إلى تغيير  قناعات الأجيال وفكرهم وثقافة المجتمع حول التعليم يجب أن تأخذ في الحسبان الوقوف على  كل حالات الانحراف التي حصلت للتعليم في مختلف المراحل، ومعرفة  أدوات الإصلاح التي يجب أن تطاله ، فإن التوجيهات السامية لمولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه بالتقييم الشامل للمسيرة التعليمية عام 2011 وتوجيهات جلالته أعزه الله بالمراجعة الشاملة لسياسات التعليم  عام 2012 تحمل في ذاتها أبعادا استشرافية تأخذ في الحسبان مدى وضوح أدوات العمل ومنهجيات الأداء ومستوى التفاعل الحاصل في منظومة التعليم مجتمعه داخليا وخارجيا في تبني آليات محددة لمعالجة تحدياته وقضاياه المختلفة في إطار تكاملية الأدوار وتقاسم المسؤوليات لتضع  المراجعة اليد على الجرح وتنتشل التعليم من حالة التوهان التي يمر بها.

لذلك نعتقد بأنه حان الوقت لمعالجة جذرية للتعليم  تطال قياداته وسياساته وأدواته وأنظمته وأليات عمله وقراراته ومناهجه وأليات تعليم الأجيال  ، فيكسب ثقة الانسان العماني فيه، فيما يتركه  في الواقع العماني من بصمات، وكيف يصنع تحولا ملموسا في التعاطي مع قوافل الخريجين وزيادة مخرجات التعليم الباحثين عن عمل ، وقضايا التوظيف والتشغيل، والاستفادة من الخبرات الوطنية وتعظيم قيمة الكفاءة العمانية ، لتأخذ في الحسبان كل المعطيات والمتغيرات والمؤثرات والمواقف  التي باتت  تشكل هاجسا مجتمعيا ، يفرض على التعليم مسارات واضحة في العمل النوعي ، سواء على مستوى التشريعات واللوائح وأنظمة العمل، والهيكلية والبنية التنظيمية للتعليم، والقيادات التعليمية وآليات الاختيار، والصلاحيات والمحاسبية في التعليم، والرقابة الوطنية على التعليم ، ونافذية التشريعات في رصد الممارسة التعليمية  وضبطها على مختلف  الأصعدة  بما يحافظ على قوة التعليم ومكانة مؤسساته، ويضبط مسار الممارسة الوظيفية للكادر التعليمي  وفق أدوات واضحة وأليات مقننة وجزاءات محددة وأنظمة جزائية ورقابية  تتناسب مع حجم المسؤوليات وطبيعة الوظائف، في تعاملها مع  الانحرافات الحاصلة في المنظومة التعليمية، أو تشجيعها لأفضل الممارسات وأجودها، عبر منظومة تقييم أداء مؤسسي قادرة على خلق التوازنات، وإدارة حالة  اللاستقرار التي يعيشها التعليم في بعض قطاعاته  الناتجة عن وجود ثغرات في الأداء وحلقة مفقودة في مكونات العمل وآليات التعامل مع التحديات أو تقييم المعطيات، والتي قد تعود إما إلى قلة كفاية التشريع المنظم ذاته لحسم الكثير من الوقائع،  أو الخلل في كفاءة المورد البشري الذي يديره ،أو في مساحة الصلاحيات وطبيعة المحاسبية المضبوطة الموجهة إليها، أو إلى عدم وجود ممكنات رقابية في سرعة اكتشاف الخلل، أو تبيان المشكلة الحاصلة  في الأداء.

على أن  ضمان وضوح مسار عمل القيادات العليا المسؤولة عن التعليم، والواجبات والمسؤوليات التي يفترض أن تعمل عليها، وأدوات التقييم التي تحكم مسارها، والمسار الرقابي الذي  يستقرئ امكانياتها وجاهزيتها واستعداداتها وكفاءتها في إدارة متطلبات المرحلة، ومدى قدرتها على إعادة انتاج مسارات عمل واضحة للتعليم ، وكفاءة سيناريوهات العمل التي  تمتلكها والمبادئ التي تعمل عليها في التعاطي مع الاخفاقات التي يواجهها التعليم، يفرض اليوم مسارا استراتيجيا  وطنيا في تقييم هذه القيادات وإعادة قراءة الممارسة التعليمية من جهة مدى قدرة هذه القيادات على أداء دورها، والتعاطي مع متطلبات المرحلة ومستوى ما تمتلكه من مصداقية وموضوعية  ومسارات أخلاقية وقيمية وأدائية  يصنع منها  نجاحات قادمة على مسار الكم والكيف، وهو ما يؤكد الحاجة إلى  تحديد الأطر العامة لعمل رئيس الوحدة  التعليمية ومن في مستواهم والصفوف الأولى والثانية  في التعليم والأجندة التي يعملون عليها .

إننا متفائلون بأن الإنسان العماني المخلص قادر على تخطي مثل هذه الممارسات وتجاوز هذه المنغصات، وأن يقرأ في هذه الانتكاسات  الحاصلة في الممارسة التعليمية؛ منطلق لرسم صورة مشرقة للتعليم، ومسارات أمان تضمن إعادة انتاج الواقع التعليمي من جديد برؤية عمانية صافية في منهجها متألقة في سماء الوفاء والعطاء،  وهو المواطن العماني الذي  يمتلك روح الايجابية والإنتاجية والاستقلالية الفكرية والضبطية الفطرية، ليعيد بإخلاصه وإيمانه وثقته  في رؤية القيادة الحكيمة دور التعليم في رسم ملامح التغيير في الواقع ، بما يؤكد الحاجة إلى تكاتف جهود المخلصين من أبناء هذا الوطن في إعادة الهيبة للتعليم فكرا وثقافة، ومنهجا وعملا، وأداءً وممارسة، عبر تعزيز النماذج المضيئة  وصناعة القدوات الفاعلة، وصقل التجارب الحية،  وإعادة  هندسة الواقع التعليمي  في تشريعاته وبنيته التنظيمية والهيكلية  والإدارية والقرار التعليمي، والمحافظة على سقف أعلى من النجاح، بما يحفظ للتعليم هويته، ويكرس مسؤولياته في الوفاء بتعهداته الوطنية والأخلاقية والإنسانية ، بشكل يفصح عن تحولات قادمة  في سلوك العاملين في التعليم، وتأصيل مسارات القيم والأخلاقيات والمسؤوليات  فيما يصنعه في  الممارسين له والقائمين عليه .

وأخيرا نعتقد بان وجود مجلس التعليم، الرهان الذي يعول عليه المجتمع الكثير من التوقعات حول عمليات إصلاح التعليم، ومسؤوليته في تعزيز مساره الرقابي على الأداء التعليمي عامة والمدرسي بشكل خاص، وأن يوفر الضمانات الكافية لسير الممارسة التعليمية وفق الأطر الوطنية الموجهة لها. فهل ستوجه أحداث التعليم وما تحملها نتائج المحاكمات القضائية في هاتين القضيتين نحو مستقبل التعليم لتعزيز منحى الإصلاح في التعليم وإعادة الهيبة له، وصون التعليم من أن تشوه صورته قبح الممارسة أو تسيء إليه تصرفات المتسلقين فيه؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock