كيف أثّر تطور التسليح الحربي على عمارة الأبنية الدفاعية في السلطنة

مسقط-أثير

إعداد: محمود محمد صادق- جمهورية مصر العربية

منذ عصور ما قبل الإسلام وأوائل العصر الإسلامي كان طابع الحرب في عُمان يتقرر في ضوء الطابع القبلي لتنظيمها الاجتماعي، فهي على غرار الأجزاء الأخرى من الجزيرة العربية التي كان رجال القبائل يلبون نداء شيوخهم لحمل السلاح ويجتمعون في أعداد تتفق مع خطورة الموقف وتبعا لالتزاماتهم تجاه عشائرهم وأحلافهم، وكان يتوجب على كل الذكور القادرين أن يهبوا لحمل السلاح عند الضرورة، وكان عليهم أن يدبروا بأنفسهم أسلحتهم وخيولهم أو جمالهم، وكان تنظيم هذه الجماعات العسكرية يعكس بصورة واضحة تنظيم هذه القبائل أو العشائر في التأهب والاستعداد.

ولقد كان رجال القبائل خصوصا الزعماء منهم مسلحين على نحو جيد نسبيًا، وكانت الأسلحة المعتادة وقتئذ هي الرماح، والخناجر، والدروع، أما السيوف فكان يقتصر حملها على النبلاء من العامة، في حين كان القوس والنشاب معروفًا لكنه لم يكن شائع الاستعمال، وكانت الخيول شائعة الاستعمال فيما كانوا يعتمرون الخوذات، واستعملت أيضا الحراب وظلت مستعملة حتى أوائل القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، جنبا إلى جنب مع بنادق الفتيل، ويحتمل أنه كانت توجد صناعة دروع برونزية في جنوب الجزيرة العربية وعُمان قبيل هذه الفترة.

وقد تنوعت الأدوات المستعملة في عمليات الدفاع أيام الحروب بعُمان فشملت، الحراب، والسهام، والأقواس، والسيوف، والخناجر، والدروع، والتروس، وإن أغلب هذه الأدوات في وقتنا الحاضر أصبحت تستعمل لدى العمانيين للوجاهة والتزين بها في المناسبات والأعياد الرسمية، وبعضها الآخر أصبح تحفًا فنية وضعت بالمتاحف لرؤية تراثها الفني ومعالمها الزخرفية.

وعندما اكتشف البارود ونتيجة للاحتكاك والغزو الذي تعرضت له عُمان في العصور الوسطي دخلت إليها أسلحة أخرى كالمدافع ثم البنادق كنتيجة طبيعية لمظاهر الابتكارات والاختراعات الحربية الجديدة ضمن أساليب تطوير أدوات الدفاع والمواجهة، والذي نتج عنها تطور ملحوظ في التخطيط المعماري والعناصر الدفاعية بالأبنية الحربية في سلطنة عُمان.

وكنتيجة لاستعمال البارود والتقدم الذي أحرز في مجال فعالية معدات المدفعية بحلول القرنيين التاسع / العاشر الهجريين، الخامس عشر / السادس عشر الميلاديين، أصبح من الضروري استخدام طرق جديدة للدفاع، على عكس ما كان عليه الحال في العصور السابقة حيث أصبحت ارتفاعات الأسوار والأبراج أقل، بعد أن أصبح في استطاعة الآلات الحرب الحديثة هدم الحصون والأسوار المرتفعة مهما بلغت من الارتفاع والضخامة، ومع انتشار المدفعية وإتقان فنها في فرنسا وتركيا، وانتشار المواد المفرقعة في إيطاليا أيام النهضة الإيطالية حيث أصبحت المدفعية من الأسلحة الرئيسية التي انزوت بجانبها أسلحة العصور الوسطى من منجنيق وسيوف وغيرها، وأصبحت المدفعية أساسا قويا في التعامل الحربي والمحك الرئيسي في إحراز النصر، وكان لهذا أثره على التحصينات التي جرت العادة على إنشائها لحماية المدن.

وأصبحت أسوار الحصون والأبراج الدفاعية المشيدة من اللبن غير قادرة على تحمل قذائف المدفعية التي كان من السهل اختراقها، كما تطلب الأمر أيضا بناء أسوار عالية للسيطرة على الأراضي المنبسطة، غير أنها لم تعد قادرة على تحمل ضربات المدفعية لارتفاعها وكان لابد من تقوية هذه الجدران بميل كثيف من الرمل أو ما يسمى “بالأحدور” وإمعانا في حمايتها خفضت ارتفاعاتها لحجبها بقدر الإمكان عن متناول العدو، كما اتجه التخطيط إلى تعميق الخندق أمامها، وهكذا بدأت أهمية الحصون المرتفعة تزول لتصبح فيما بعد حصونا أرضية مختبئة قدر الإمكان.
ومع استخدام المدافع والبنادق بدلا من أسلحة الرمي التي شاع استعمالها في العصور السابقة، أخذت فتحات الرمي في الأسوار والأبراج أشكالا تتناسب مع هذه الأسلحة، حيث أصبحت فتحات المدافع ضيقة من الداخل ومتسعة من الخارج على عكس مخطط فتحات المزاغل المعدة لرمي السهام، وذلك بهدف إعطاء حركة كافية لفوهة المدفع، كما أصبحت الفتحات العلوية في الأبراج التي أعدت للبنادق تأخذ هيئة دائرية صغيرة تسمح فقط بالحركة لفوهة “ماسورة” البندقية.

ففي قلعة الجلالي تم تغيير الشكل الأول للقلعة التي كانت عند قدوم البرتغاليين عبارة عن مراصد أو أبراج دفاعية أعلى الجرف الصخري المحيط بمدينة مسقط القديمة، حيث تم تعديل النمط التخطيطي بأسلوب يتوافق مع سياسة الدولة الجديدة (دولة اليعاربة) الرامية إلى زيادة عدد المدافعين بالتحصينات الدفاعية للقيام بغارات خارج حدود هذه القلاع، والاهتمام بجودة البناء بهيئة جيدة نسبيا مهما عظمت التكلفة كنتيجة طبيعية لحالة الاستقرار السياسي الذي نعُمت به هذه الدولة، حيث تم إدخال طرق جديدة عبر زيادة سمك وارتفاع جدران القلعة وإقامة أبراجها الدفاعية بهيئة معمارية جديدة تتوافق مع حيثيات ومتطلبات الأسلحة الجديدة والمتطورة، كما أدخل سلاح المدفعية إلى قلعة الجلالي كجزءٍ أساسي ضمن مخطط أسلوب البناء.

وفي قلعة مطرح، تم التخلي عن تصميمها القديم الذي كانت عليه زمن البرتغاليين، والقائم على مساحة مربعة الشكل تحتوي بزواياها الأربعة على أربعة معاقل دفاعية بسيطة الشكل، إلى طراز معماري مستطيل الشكل تشبه في ذلك القلاع العُمانية القديمة، إضافة إلى تزويدها بثلاثة أبراج دفاعية وُضعت بمحاور القلعة المختلفة، خصصت بهذه الأبراج فتحات معينة لرمي البنادق.

وفي الحصون منتظمة التخطيط، أحدث اليعاربة تغيرا فارقا في مخطط أبنيتهم الحربية عبر إدخال سلاح المدفعية كجزء رئيسي أصيل ضمن مخطط أسلوب بناء حصونهم الدفاعية، كنتيجة لحالة الانتعاش الاقتصادي والاستقرار السياسي الذي تمتعت به دولة اليعاربة.

وتطلب الأمر في الحصون التي استخدمت سلاح المدفعية في أبراجها زيادة سمك جدران الأبراج وتقويتها بشكل يسمح للبرج مقاومة ارتداد المدفع أثناء عملية القصف، حيث ينتج عن ذلك ارتداد شديد عقب الضرب مباشرة، مما يتسبب ذلك في هدم وتصدع جدران البرج إذا لم يكن بقدر كافٍ من القوة والمتانة التي تؤهله لمقاومة هذا الارتداد، فضلا عن ذلك تم زيادة قطر الأبراج لتستوعب في ذلك أربعة أو خمسة مدافع في البرج الواحد، بحيث يتيح ذلك مسافة بين كل مدفع والآخر ليكون بقدر مستقل عن الذي بجانبه، إلى جانب ذلك إتاحة المسافة الكافية لكل مدفع في طريقة عمل الأفراد من حيث تفريغ وتعبئة الذخيرة ثم إطلاقه.

وقد تم العمل على ذلك بزيادة أقطار الأبراج المحورية في هذه الأبنية حتى نرى أن قطر برجي حصن جبرين بلغ حوالي 21 مترا، فيما تزيد أقطار برجي حصن الحزم عن 16 مترا ليحتوي كل برج على خمسة مدافع، وفي حصن الفلج بلغ قطر البرج الشمالي الغربي حوالي 8,64 متر، فيما بلغ قطر البرج الجنوبي الشرقي حوالي 8,60 متر، ليحتوي كل برج على أربعة مدافع لحماية واجهتين بقطاع المبنى.

كما ترتب على إدخال فن المدفعية واستخدامه داخل التحصينات الحربية تغييرًا في بعض جدران الأبراج والأسوار التي يقف خلفها المدفع، حيث تم عمل فتحات بجدران الأبراج خصيصا لتستوعب فوهات إطلاق القذائف من المدافع، إلى جانب إتاحة الحرية اللازمة قدر المستطاع التي تعطي الحرية التامة للجندي المتحكم بالمدفع في تحديد وإصابة الهدف، ومن هنا تم تصميم فتحات المدافع بحيث تكون ضيقة من الداخل ومتسعة من الخارج على عكس مخطط فتحات المزاغل المعدة لرمي السهام.

المصادر:
– صادق، محمود محمد (2019). الاستحكامات الحربية في مسقط بسلطنة عُمان، الطبعة الأولى ، مؤسسة الأمة العربية للطبع والنشر، القاهرة، 2019.
– مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء (1994). القلاع والحصون في عُمان، سلطنة عُمان: قسم الدراسات.
– وزارة الإعلام والثقافة (1995). عُمان في التاريخ، سلطنة عُمان: دار إيميل للنشر.
– بدر، حمزة عبد العزيز (1998). حصن جبرين طراز جديد في العمارة الدفاعية، بحث منشور بمجلة كلية الآثار، جامعة القاهرة، العدد التاسع: مطبعة جامعة القاهرة.
– عثمان، محمد عبد الستار (1988). المدينة الإسلامية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت: عالم المعرفة.
– الشاروني، يوسف (1990). ملامح عُمانية، الطبعة الأولى: رياض الريس للكتب والنشر.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock