د.رجب العويسي يكتب: نحو تأطير مفردة التعايش في مجتمع التعليم

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

تطرح قراءتنا لمفردة التعايش في التعليم مسارين رئيسيين: الأول  يتجه نحو قدرة التعليم على  صناعة  فلسفة العيش المشترك في بيئة التعلم  وكيف يوظف ثقافة المؤسسة التعليمية والموقف التعليمي  في تحقيق أفضل معدلات النمو الفكري والنفسي والأخلاقي والذوقي بين الطلبة  ومع الآخر، وأما المسار الثاني فيرتبط  بالتوجه العام للتعليم والعلاقة الحاصلة بين مكوناته : سياساته وخططه وبرامجه، مؤسساته الإدارية والفنية والأكاديمية، محتواه وأطره التنفيذية العامة، وممكنات الاتصال والتواصل والحوار في البيت الداخلي التعليمي، والصورة المتولدة  حولها في المجتمع.

على أن مفردة التعايش في التعليم التي جاءت في سياق مرتكزات التعليم الأربع: ( أتعلم لأعرف، ولأكون، ولأعيش، ولأعمل)،  تؤسس  لمرحلة التكاملية والمصداقية التي تدعو إليها فلسفة التعليم ، فهي انعكاس عملي لما يراد من التعليم تحقيقه، واحتواء لكل الخصائص الساعية لبناء متعلم عالمي يتعايش مع الاختلاف، ويجد ذاته في تعدد وجهات النظر، ويتفاعل مع التسارع في مستجدات واقعه كل أريحية وطمأنينة وتسامح،  وهنا تبرز قيمة التعايش بين مجتمع المتعلمين في البحث عن كل الفرص الداعمة لممارسة النجاح وتحقيق التحول في السلوك التعليمي، عبر كفاءة النواتج وترقية المنافسة والعمل بمبدأ تكافؤ الفرص ، وحقوق المتعلم في المشاركة التعليمية البناءة، لتنتقل إلى مجتمع العاملين والشركاء والفاعلين في المنظومة فتؤصل فيهم الوعي المسؤول والسلوك المأمول، بما ينعكس إيجابا على طريقة تعاملهم مع مستجداته، وتوافقهم على أولوياته، وتفاعلهم مع أجندته واهتماماته، لصناعة نماذج واعية من  الشراكات والقدوات ، بحيث تتناغم في رؤيتها التعليمية مع معطيات الواقع ومتطلباته، وتستشرف أبعاد المستقبل وطموحاته،  فهي بذلك تستهدف انتاج  مكونات جديدة في الشخصية التعليمية ، وتأصيل مبادئ وقواعد عمل وسلوكيات رشيدة يعترف بقيمتها الجميع، ويتكامل لتحقيقها كل الفاعلين في المنظومة، ، فتؤصل في مجتمع التعليم مفاهيم القوة والوعي والأخلاق والمبادرة والتجديد والانفتاح المدروس وقيمة العمل الجمعي، وأثر الالتزام والصدق والثبات على المبدأ واحترام القواعد التعليمية العامة، وفق أطر واضحة تستجيب لمعطيات الدور المأمول من التعليم في رسم ملامح التغيير وإقرار موجهات العمل الوطني.

لذلك يتجاوز منظور التعايش التعليمي، مسألة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين  الأطر  التعليمية، إلى زيادة فرص التكامل والتناغم الفكري والوجداني والعاطفي في فهم المسار التعليمي واحتياجاته، وتفعيل مسارات التناصح في كل ما من شانه تحقيق تصحيح الممارسة التعليمية بما يتناغم مع طموحات التعليم وأهدافه وغاياته، وينعكس على ابجديات العمل في قوة التناغم بين السياسات والممارسات، والاندماج في التوجهات والأفكار والاطروحات والاهتمامات، والاستعدادات بحيث تسخر هذه الفرص لصالح تعليم عالي الجودة،  وتجاوز حالة التباينات والاخفاقات الناتجة عن ضعف مسارات الشراكة ووحدة الهدف ومرونة وديناميكية حركة التفاعل الحاصلة بين  محدداته، في ظل مرحلة باتت تراهن على القيمة المضافة الناتجة من كفاءة  مسارات التعايش الحاصلة  في المنظومة التعليمية وقدرتها على تجاوز حالة  الانكسار في السلوك التعليمي، أو تعظيم قيمة  الفرص المتاحة في انتاج مسار تعليمي يتجاوب مع طبيعة المرحلة الوطنية، وفق استراتيجيات واضحة وأدوات مقننة، تضمن تفاعل الجوانب  التنظيمية والهيكلية والإدارية والفنية وعلاقة المحتوى التعليمي ذاته  بهذه المكونات، وقدرة الممارسة التعليمية على  تحقيق نجاحات واضحة على الأرض تظهر في  البعد الاستراتيجي للمنتج التعليمي وحضوره في ميدان التنفيذ والانتاج .

إن ما ينتجه التعليم من تفاعلات، يتعايش في مناخها متعلمين متعددي الأفكار والاهتمامات والبيئات الثقافية والاجتماعية، سوف يؤسس شعورا جميلا بقيمة الاختلاف وأهميته في إحداث التكامل،  ورسم ملامح التغيير القادم الذي يصنعه سلوك المتعلمين  وكفاءتهم في أدائهم التعليمي ، وحصولهم على استحقاقات قادمة في التفوق الدراسي والأنشطة والتحصيل والمبادرات الطلابية وغيرها، فالمتعلم  سر معلمه، وطريقه للوصول إلى نجاح يستشعر فيه المعلم منطلقا لرسم ملامح التغيير في حياة أبنائه، ويعيش المتعلم وفق هذه الفلسفة حياة متجددة  فهو بين شغف دائم بكل توجيه يسعى لأن يعزز من كفاءة أدائه، ويؤصل فيه فلسفة الشعور بالواجب، فيستذكر دروسه ويقوم بواجباته استشعارا لهذا الدور، وهو يتعامل مع بيئة المؤسسة التعليمية وثقافة الموقف التعليمي ومبادئ التعليم والتعلم، وفق مسارات تقترب من رغباته وتتعايش مع خلجات فكره، فيكسبها القوة في الإنجاز، ويقترب بها من الهدف الاستراتيجي الذي يسعى إليه من تعلمه وتعليمه، وهو يمارس هذا الدور من التعايش والتناغم الفكري مع المنهج وما فيه من محتوى وموارد معلوماتية ومعرفية وثقافة رصينة،  لتصبح له مائدة حياة في مواجهة المواقف، والتصرف في الاحداث، والتعامل مع القضايا التي تعترضه في حياته اليومية،  وهو يجسد روح التعايش في تعليمه، ويصنع من التزامه نهجا يتيح له فرص أكبر للمبادرة والابتكار والبحث والتشخيص والمراجعة والمعالجة،  ليتحول هذا الشعور الايجابي نحو المعلم والمنهج وبيئة التعلم والمؤسسة والمجتمع والأنشطة، إلى كونها مقومات داعمة في تعامله مع الآخر، (جماعة الرفاق) فيتعايش معهم محترما لمبادئهم مقدرا لأفكارهم محاورا ومناظرا لهم بالدليل والحجة؛ فإن هذه التراكمية الإيجابية في المشاعر، تترك بصمة انجاز في حياة المتعلم، متجنبا الإساءة إلى زملائه، أو حالة التنمر والعداء التي قد تسببها الأفكار السلبية التي تصل إلى قناعاته وثقافته من خلال الاسرة أو بيئة التعليم والاقران، أو أن ينظر إلى المنافسة في المستويات التعليمية والاكاديمية في كونها حالة استئثار فردية وأنانية ذاتية، تفرض عليه سلوك الفوقية والفردانية والسلطوية، والوقوف في وجه كل من أراد أن يصل إلى هذا التفوق من زملائه المتعلمين فيعاديهم ويثير بينهم الأحقاد والكراهية وغيرها.

 وتبقى عملية بناء إطار وطني  لتعزيز مفردة التعايش في  السياسات التعليمية وأطر العمل القائمة بين مؤسسات التعليم كمدخل لتوفير حلول مستديمة  لواقعه وإنتاج بدائل تستشرف مستقبله ؛ مرهون  بكفاءة التشريعات وقدرتها على توفير الصلاحيات والممكنات والأدوات، ووضوح الأدوار التي تعمل على إعادة انتاج المسار التعليمي بطريقة أكثر ابتكارية في حلحلة مشكلاته ومراجعة مكوناته وتصحيح ممارساته ومعالجة تحدياته، بحيث يستشعر مجتمع التعليم في هذه الجهود وتعددها،  قدرتها على  تصحيح المسار التعليمي الحاصل ، وحالة التباين بين مؤسساته،  خاصة في ظل  تعدد الملفات التي يراهن فيها المجتمع على التعليم، في ان يجد لها  رؤية واضحة وأدوات مقننه، ويبني في سبيل تحقيقها مساحات التقاء بين  القائمين على إدارة مؤسساته،   لتشكل  ملفات  الباحثين عن عمل ، ومخرجات التعليم من التخصصات التربوية ، ومخرجات الدبلوم العام والسنة التأسيسية لطلبة الجامعات ومؤسسات التعليم العالي،  ومسار التكامل بين التعليم وسوق العمل، وموجهات التدريب الأكاديمي ، وتوأمة مؤسسات التعليم، والبحث العلمي والمواطنة والهوية والقيم وغيرها ملفات ساخنة تبحث عن  معالجة مقنعة  لها وفق فلسفة التعايش، التي تؤسس بدورها لمرحلة جلد الذات وإعادة إنتاج الممارسة التعليمية، وتظهر خلالها قيمة المساءلة والمحاسبية والمتابعة والتشخيص والتقييم وأدوات التقويم ، وأثر محطات اللقاء والتجارب والمبادرات والمنافسات، في رسم ملامح التغيير وقراءة معطيات التحول.

 وعليه فإن تأطير مفردة التعايش ، تشريعا وتنظيما وممارسة في مجتمع التعليم، تستدعي  الأخذ بعين الاعتبار  كل المحطات التي اصلها  التعليم في سلوك المتعلمين، وأنتجها في   قدرتهم على التعاطي مع مفهوم الاختلاف بينهم  في الفكر والثقافة والقدرات والاستعدادات والاهتمامات والتنشئة والبيئات الثقافية والفكرية وغيرها  في صياغة أنموذج تعليمي  قادر على استدراك كل هذه المحطات وجمعها ضمن  دائرة الاهتمام، يصبح فيها للجميع حق المشاركة والمنافسة والإنتاجية والتعبير عن رأيه،  لتنعكس على المسار التعليمي  بأكمله، في أروقة مؤسسات التعليم وبين قياداته وفي تشريعاته وأنظمته ولوائحه، بحيث يستشعر المجتمع فيها تحقق أرضيات التناغم بين مؤسسات التعليم وقياداته والقائمين عليه ، وسياساته وخططه وبرامجه، عندها لا يشعر مجتمع التعليم  بوجود أي ازدواجية أو تباينات بين مؤسساته وقطاعاته، فالجهود جميعها تحكي روح  الهدف الذي يسعى التعليم لتحقيقه، وهي جميعها تترجم التوجهات الوطنية  الساعية لتحقيق تعليم منتج، والعمل في مؤسسات التعليم يتم وفق رؤية وطنية متناغمة متكاملة،  لا تقتصر جوانب الالتزام فيها على حدود الاتفاقيات والبروتوكولات المعتادة  أو الشراكات ومذكرات التفاهم النظرية، بل التزام أخلاقي ومهني ووطني وانساني  لصالح تحقيق التحول وبلوغ الهدف وكسب الثقة ، فيتجاوز التعليم حالة التعقيد في الإجراءات، والتركيز على العادات المتكررة التي تستهلك جل وقته وأولوياته، ومسألة الفردانية التي تسير حركة مؤسساته، وسلوك البيروقراطية الإدارية التي ما زالت تنتظر الأوامر في التنفيذ، إذ الهدف أن تنتج فلسفة التعايش واقعا جديدا، تتماهى فيه كل الحواجز، وتتلاشى خلاله كل التعقيدات، فيتجه إلى مرحلة عمل فعليه  تصنع فارقا في نواتج العمل، وحينها لن تكون هناك أية فرصة  لتجاوزات مريبة، أو ممارسات مشينة أو سلوك غير مسؤول أو قرار فردي لمسؤول ، بل مزيد من  التفكير الجمعي، ووضوح في مسارات العمل، ورؤية أعمق لتحقيق الأهداف، وتفكير خارج الصندوق في آلية تجاوز الخلافات الحاصلة بين القائمين على مؤسساته،  وتوفير بدائل الحل وتقديم مسارات للمعالجة من رحم مؤسسات التعليم، إذ النتائج تعبر عن صوت المجتمع الذي تفاعلت معه الآراء، وتأسست خلاله  نواة  التفكير وتعاظمت فيه  قيمة الإخلاص في تثمير الممتلكات وتوظيف الموارد والاستفادة من الممكنات؛  بعيدا عن عقم المحسوبيات، وضيق الأنا. إنه تأطير عملي ينظر للتعليم كمنظومة عمل واحدة، وروح وطن موحدة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock