موسى الفرعي يكتب: كبسولاتُ الغدرِ والنكران

أثير – موسى الفرعي

ها هو مركز المزماة للدراسات والبحوث يُثبِتُ أنه مسخّر بكل ما فيه ومن فيه، ومُلقَّن من قبل أوثانه وأزلامه للنيل من عمان؛ إذ كيف يُعقل أن مركزا ينشر أربعة مقالات خلال ثلاثة أيام فقط باسم رئيسه -المتنكر لأصله- تارةً وباسم المركز تارةً أخرى، وجميعها تحلم أن تنال من عمان وأن تقلل من ثقلها السياسي، لكن لندع الدبلوماسية لأهلها وحديث الساسة لأهله، ونسلَّط الضوءَ معا على هذا الحراك لنحفر مقبرة صالحة للنفايات السياسية والأخلاقية تتسع لما هو كائن منهم وما سيكون.

بقلةِ حيلةٍ وغباءٍ لا حدود له يذهب هذا المدعو سالم حميد إلى أن عمان لا تجيد شيئا من الفنون السياسية وأنها حليف وفيٌّ لإيران وبأن موقفها السياسي مبنيٌ على انكسار تاريخي ظلت حبيسة فيه، والتاريخ المشار إليه هو القرن قبل الماضي، ومن هذه الجزئيات نبدأ الذبح الحلال وباسم الله؛ إن ما تعانيه هذه الكبسولات السياسية هو أزمة هوية، والهوية كما أجمع عليها المفكرون هي تكوين ثقافي للجماعات البشرية عبر مراحل زمنية تمتد إلى قرون، ولا يمكن أن تكون نتاج الحاضر فقط بل هي مراحل زمنية تمتد عميقا في التاريخ وعملية انتقال وتطور، وبناء على ذلك نفهم كيف تزعزع هذا الكيان الكبسولي الذي أُطلِق عليه اسم الإمارات بعد أن اكتفى بحاضر متلخبط الثقافات والأعراق وحاول أن يتنكر لأصله التاريخي الذي من شأنه أن يهبه الانتماء والتجذر، ثم أدرك بعد سنوات التيه حقيقة الهوة التي حفرها لنفسه والتي جعلته فاقدا للمعتقدات والدوافع والتاريخ، ناسيا أن أبناء الحاضر هم ورثة طبيعيون للماضي، وذلك ما عرّضه للتهميش طوال سني عمره التي لم تبلغ الخمسين أو كادت.

أما مسألة التاريخ الذي أشار إليه ومسألة امتلاك عمان لبعض السفن التجارية الخارجية على حد تعبيره، فهذا دليلٌ على العقم المعرفي الذي يعانيه، فالقرن قبل الماضي بالنسبة لتاريخ الإمارات كمسمى سياسي يعد تاريخا عميقا ولكن بالنسبة للتاريخ فهو شيء لا يُذكَر، لذلك فإن الخطاب هنا على قدر عقولهم ومعرفتهم، فأين كانت الإمارات إذًا قبل هذا التاريخ؛ هل كانت عدما، أم تابعة لإمبراطورية كانت تقارع القوى العظمى المسيطرة على التجارة البحرية في المحيط الهندي؟ وهل كانت ذاتية الرزق أم أن مخصصاتهم المالية كانت تصل إليهم من راعي نعمتهم ومركزهم السياسي عمان؟، والقائمون عليها هل كانوا يملكون إرادة حرة في عملية التحرك والتنقل؟ وهل كان من الممكن أن تُعلَن الإمارات دولة ذات سيادة لو لم يبارك هذه الرغبة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله؟

إن ما يثير حساسيتهم هو إحساسهم بالإقصاء وعدم قدرتهم في أن يكونوا ندا، وهذا ما يبرر سعيهم فسادا في الأرض وامتلاء رغباتهم بالخيانة مصدقين أنهم قوامون على مصلحة البيت الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام، ولكن من باب الفائدة نقول بأن أول أسطول بحري عماني كان في عهد الإمام غسان بن عبدالله عام 802م في عهد الإمامة الذي استطاع به أن يقضي على القراصنة في المحيط الهندي، أما في عهد الإمام المهنا بن جيفر فقد بلغ عدد السفن الحربية 300 سفينة، وحين أخذ الإمام الصلت بن مالك على عاتقه تحرير جزيرة سقطرى أرسل إليها 100 سفينة ولنا أن نتخيل العدد المتبقي من الأسطول العماني، وكما قال الرحالة جودريتش: إنه من الضروري عدم استفزاز العمانيين إذ إننا لن نجني من وراء ذلك سوى ضربات تنهال علينا، وقال المؤرخ الإنجليزي كوبلاند: أصبحت البحرية العمانية في بداية القرن الثامن عشر تفوق بقوتها أي قوة بحرية أخرى لدرجة أن الأساطيل الإنجليزية والهولندية كانت تخشى كثيرا مواجهة العمانيين.

أما مسألة الإخفاقات والإنجازات سنمر على بعضها منذ النهضة المباركة فقط لأن ما قبل ذلك كتاريخ عماني كثير عليهم، فقد انضمت السلطنة إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة عام 1970 أي قبل ميلاد الإمارات سياسيا، وقد بذلت السلطنة جهودا كبيرة لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية وتجسير الفجوة بينهما وتكللت مساعي السلطنة في اتفاقية وقف إطلاق النار بتاريخ 8/8/1988 وذلك لأن الطرفين يُعِدَّان السلطنة وسيطا نزيها وفعالا، مرورا بدورها الإيجابي في حروب احتلال أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 وصولا إلى الملف النووي الأمريكي الإيراني ونجاح الدبلوماسية العمانية في إنهاء حرب موشكة كان من شأنها أن تكسر باب أمن واستقرار المنطقة وتستنزف طاقات وقدرات الشعوب، ناهيك عن وقفاتها ودورها الإنساني في فلسطين وسوريا واليمن.

ذلك كان نموذجًا من باب المثال لا الحصر، أقابله بأسئلة آخرى؛ من ذا الذي ارتدى ثياب الغدر والخيانة والرشوة في هذه الفترة؟ من ذا الذي زرع خلايا التجسس في عمان، وفي فلسطين لصالح الكيان الصهيوني؟ من ذا الذي شارك بأفراد جيشه مع الجانب الأمريكي في حرب أفغانستان؟ ومن ذا الذي يمول الجماعات الإرهابية في أصقاع الأرض ويقدم الرشاوى لإثارة الفتن والانقلابات في دول لا علاقة له بها مثل مصر وتركيا؟ من ذا الذي يُلبس ثوب الشر لإيران وهو أهم متبادل تجاري معها ويقيم معها اتفاقية حدودية بحرية؟ فلو كانت إيران بهذا الشر والسوء الذي يدعيه النظام الإماراتي فلماذا إذًا لم يتم قطع العلاقات معها كما فعلت مع قطر! وما هو السر في قدرة الحوثيين على ضرب العمق السعودي بمجموعة من الصواريخ دون أن يلقوا حجرا واحدا في الإمارات، وبمجرد أن ظهرت فكرة خيانة الإمارات للسعودية إعلاميًا بدأ الحوثيون بالتهديد اللفظي فقط على الإمارات، أما وتر الشرعية في اليمن والدفاع عنها فكان ينبغي على الكاتب أن يستحي فقد كان حريا بالإمارات أن تدافع عن شرعية جزرها الثلاث أولا.

كان هذا مجرد استهلال لسالم بن حمدان بن علي بن سالم بن حميد الفضيلي رئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث في دبي، ولولا شفاعة صحار باعتبارها أصله لكان الرد عليه أكثر قسوة، ولكن عليه أن يعلم جيدا أن انتقال أهله في خمسينيات القرن الماضي إلى دبي ينبغي ألا يكون مبررا لأن يصاب بعدوى النكران كما هو الحال مع جل محيطه الاجتماعي، وإن عادوا عدنا وعلى أطراف ألسنتنا بحارٌ من الكلمات والحقائق التي لا يقوى عليها المركز بمن فيه ومن وراءه، سلاحنا هويتُنا وانتماءٌ عماني يمتد من أقصى عُمان إلى أقصاها، لا يبدله أو يُنقص منه إغراءٌ كيفما كان شكله وصوره.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock