د.رجب العويسي يكتب: منصات التواصل الاجتماعي ومؤشر تدني جودة التعليم

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق تناولنا للموضوع  من  فرضية الدور المحوري الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في ظل التحولات التي أنتجتها التقنية وانترنت الأشياء والبيانات الضخمة في رسم صورة مكبرة لعالمنا المعاصر  تستوعب قضاياه وتتعاطى معها بروح أكثر تفاعلية تتسم بالتشارك والجمع، إذ لم تعد في مجملها حكرا على فئة دون غيرها أو مجتمع دون آخر، ويبقى معيار التنافس في قوة التأثير في هذه الفضاءات المفتوحة  مرهون بنمط الإعداد والتدريب والتهذيب الذي يحظى به المواطن في تعاطيه مع هذه المنصات، والتأصيل المنهجي الذي يتلقاه في مؤسسات التعليم والتربية لفلسفة التعامل مع التقنية في صياغة نموذج إنساني راق يصنع منها وسيلة تحول لصالح الإنسان، وترقية المبادئ والأخلاقيات ، والغوص في آفاق المعرفة وكوامن القيم بما يحفظ له هويته وجاهزيته للاستجابة للتغيير وإدارته.

لقد اصبحت منصات التواصل الاجتماعي بما تحمله من قيمة مضافه ، وما تؤسسه من رصيد معرفي واسع، وما تتيحه من فرص خلاقة لإبراز المنجز التعليمي بصور مختلفة وآليات متعددة وأدوات متنوعة ، أو عبر ما تصنعه من اتجاهات المتفاعلين معها  في طريقة ردودهم ومستوى تفاعلهم مع ما تطرحه هذه المنصات من محتوى معرفي؛ أصبحت أحد المؤشرات المهمة لقياس كفاءة المنجز التعليمي (المورد البشري مهاراته وقدراته وجاهزيته) وتقييم جودة التعليم ( أدواته وآلياته وبرامجه وخططه وسياساته)، وتحديد جوانب القوة وأولويات التطوير التي يحتاجها،  وقدرته على توجيه هذه المنصات  بشكل أكثر وضوحا ومهنية بما يغرسه في ثقافة وسلوك المستخدمين لها والمتابعين لما يدور فيها من قواعد للسلوك الأخلاقي الواعي وموجهات مهنية ومبادئ حياتية تضمن امتلاكهم مهارة التثمير فيها ، وتوجيهها لصالح نهضة البناء الفكري وترقية مسارات الوعي المجتمعي ؛ ومدى واقعيتها في تشخيص الحالة التعليمية بما فيها من فرص نجاح ومراكز قوة ونماذج خلاقة وأفضل الممارسات الإيجابية،   أو بما تتضمنه من  ممارسات أخرى  تتجانب مع مسؤولية التعليم وتتقاطع مع أولوياته ، وتبرز فيها  جوانب الضعف والتدني في الأداء وضعف المتابعة  وما ارتبط بهذه المنصات ( التويتر والفيس بوك والانستجرام وغيرها) من ممارسات تتجانب مع ما يصنعه التعليم من موجهات  لتصبح بيئات حاضنة للشتائم والقذف واللغط  والكذب والافتراء والاشاعة والتنمر ونفوق القيم والأخلاق والتعصب الفكري والتنمر السياسي والتصادم الديني والاقصاء والتهميش ومساحات لصناعة الفئوية والحزبية والمذهبية وغيرها من الممارسات التي تفتقر لأبسط أبجديات التربية ومفردات التعليم وما يفترض أن يؤسسه في فكر المتعلم من قيم ومبادئ وأخلاقيات ومناهج تظهر في طريقة تعاطيه مع هذه المنصات والتزامه معاييرها، وبالتالي ما يعكسه واقعها من مؤشرات تبرز  تدني جودة التعليم، في ظل عدم قدرة الأخير على ترسيخ معالم البناء الفكري الرصين الذي يتجاوز حالة السقوط القيمي والأخلاقي الذي تواجهه هذه المنصات، والتي يشكل الشباب فيها النسبة الأكبر من مستخدميها ، وما يتطلبه ردم هذه الفجوة من دور محوري يستقرئ فيه التعليم مكونات هذا الواقع  بصورة منهجية ووفق عمليات تحليل وتشخيص واستراتيجيات أداء عبر امتلاكه ثقافة انتاج الحلول بالشكل الذي يصنع منه منصة تحول اجتماعي، ينعكس على المحتوى المعرفي المتداول عبر هذه المنصات، وفق مؤشرات واضحة ومعايير دقيقة وقراءات فعلية للمستقبل بعيدة عن المزاجية والتكهنات العشوائية أو ردات الفعل السلبية والمعالجات الوقتية لما ينتشر من ظواهر مجتمعية، بما يؤكد في الوقت نفسه على أهمية أن تتجه الممارسة التعليمية إلى التأطير والتخطيط والتنظيم وصناعة الأولويات وتوفير البدائل في سبيل تعزيز امتلاك مهارة النقد البناء والأمانة والمصداقية واحترام المسؤوليات وتقدير الرأي والرأي الاخر وأسلوب الحوار والنقاش وتوفير البدائل للإجابة عن التساؤلات المطروحة في حياة المتعلم، واثراء المحتوى المعرفي بصورة أكثر مصداقية، وتوفير استراتيجيات وقاية وأمان.

وعليه فإن  المحتوى المعرفي لهذه المنصات وآليات التفاعل معها وحالة التذمر والإحباط واليأس والتنمر الناتجة عن  الفجوة الحاصلة بين طموحات المتعلمين واولوياتهم واحتياجاتهم وطرائق التعبير التي تحمل في ذاتها طابع القلق والخوف من الواقع وانتظار المستقبل بهواجس مخيفة واختلالات  فكرية مسيئة؛ مؤشرات لحالة التباعد بين التعليم  والواقع الاجتماعي ، خاصة مع تزايد  اهتمام هذه المنصات برصد احتياجات الشباب والتعبير عن طموحاته في تناول قضاياهم وهواجسهم الشخصية كالوظيفة والتشغيل والباحثين عن عمل ومخرجات مؤسسات التعليم في مختلف التخصصات الجامعية؛ فإن ما يطرحه الشباب في منصات التواصل وطريقة الحوارات والية التعامل مع الثقافة الأخرى وتعاطيهم مع الفكر المختلف، وحالات التناقضات الحاصلة في تعاطي الشباب مع  الأفكار والمحتوى المقدم، وحالة الانفصام الحاصلة بين التعليم كمنح حياة واستراتيجية أداء يعكس حالة التيه  التي يعيشها الشباب، وما تفصح عنه جهود مؤسسات التعليم وإنجازاتها او إخفاقاتها من الحاجة الى اعادة تركيز التعليم وتوجيهه لرسم ملامح الانجاز وتقويه عناصر القوة فيه لصالح الجودة والنوعية والمصداقية  او كذلك ما تبرزه منصات التواصل من قصور او تظهره من بيروقراطيات الممارسة التعليمية وتكرار فاقد العمليات التعليمية من البحث عن اليات عمل واستراتيجيات اداء اكثر نضجا ووضوحا ومهنيه في رسم معالم الطريق وتقوية محطات العمل واعادة التوازن في السلوك التعليمي وزياد منصات انتاج حلول التعليم وقضاياه ؛ ويصنع لمنتجات التعليم  وابتكارات الطلبة والمواهب والمشاركات الوطنية والعالمية وغيرها مسارات تسويقية تعظّم من قيمة المنتج التعليمي وتحفّز  انتاجيته، منطلق لقراءة واقع هذه المنصات ودور التعليم في إنتاج أدوات التغيير وموجهات البناء والتطوير في سلوك المتعلمين، لتظل عملياته في حلقة مفرغة ، غير قادرة على الانسلاخ من جلباب التنظير وحالة الاجترار وقوانين الكم وحشو المعارف والتقليد ، لذلك يصبح تطوير المناهج عملية روتينية لا تتعدى كونها حالة شكلية مجردة، في تغيير عناوين الدروس ومسميات الكتب وتقديم وتأخير الوحدات الدراسية، تفتقر لمفهوم التغيير النوعي النابع من تشخيص الحالة المجتمعية ورصد مؤشرات التحول القادمة التي باتت تصنعها منصات التواصل الاجتماعي واقعا عمليا، عبر استقراء عملي للواقع وفهم للتحولات غير المنظورة التي يعيشها المجتمع وتأثيرها على مفاهيم المواطنة والهوية والقيم والإنتاجية والبناء الانساني.

من هنا فإن قدرة التعليم على المنافسة في تحقيق متطلبات ومعايير هذا المؤشر؛ تضعه أمام مرحلة تحول ديناميكية مستمرة وحالة مراجعة متواصلة ، لتقف على حيثيات التحدي الناتج عن وجود هذه المنصات على التعليم وتقوية الفرص والممكنات التي تصنع للتعليم قوة تسويقية لها حضورها الواسع ؛ ويبقى اقتراح إيجاد مختبر وطني تعليمي يشخص الحالة التعليمية في منصات التواصل الاجتماعي، ويعمل على  تقريب الأفهام وتعميق  الترابط بين التعليم كمنظومة عمل، ومنصات التواصل الاجتماعي كداعم استراتيجي  لنقل هذه المنظومة إلى مرحلة القوة والإنتاجية وتعزيز مسارات الشفافية والموضوعية والنقد حول نوعية الخدمة التعليمية المقدمة والتزامها المعايير  والموجهات اللازمة لنجاحها،  أو في قدرة التعليم ذاته على بناء المواطن الواعي بدور هذه المنصات والمتمكن مع التعامل مع محطات التغيير وانتاجها بطريقة اكثر مهنية واستدامة؛ ويبقى تحقق الطموح مرهون بمدى ما ينتجه هذا المختبر من مساحات التغيير، وفرص النمو للمبادرة المجيدة، وتوفير قواعد بيانات وطنية داعمة في تنشيط ذاكرة التعليم في مختلف هذه المنصات،  وتوفر التشريعات المناسبة التي تحمي بيانات التعليم وحقوق مؤسساته، والتثمير فيها وإعادة انتاجها بطريقة نوعية تخدم مصالح المجتمع وتحقق أهدافه وترسم مستقبله، وحجم الالتفاتة التي يعززها التعليم في ثقافة المتعلمين الشباب  – وهم يشكلون النصيب الأكبر في منصات التواصل الاجتماعي – بما يغرسه في سلوك المتعلمين وأخلاقهم وبنيتهم المعرفية والادائية وتقديرهم  لمعطيات الواقع؛ من ممكنات وقائية  قادرة على  ضبط استجابة الممارسين والمتابعين لهذه المنصات بما يتوافق مع محورية التغيير ويتجاوب مع معطياته، وقدرتها على المحافظة على كيان الشباب المستخدم لهذه المنصات وهويته وحسن توجيهها بما يكفل له الأمان ويجنبه مزالق الشطط ومواطن الريب في سوء استغلال هذه المنصات؛ وتحصين المنصات التواصلية  من الاشاعة والابتزاز الالكتروني وتشويه السمعة، وحسن توجيهها لنقل مشاهد التعليم  بصورة أكثر واقعية وبما يمنع أي تعد على خصوصياته أو أي تشويه لإنجازاته أو عرقلة مسار تقدمه وتطوره .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock