تفاصيل رحلة تنصيرية إلى جعلان في ثلاثينيات القرن الماضي

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

بدأت الحملات التنصيرية تستهدف عُمان منذ بداية القرن الثامن عشر وتحديدًا عام 1811 عندما وطأت قدما القسّيس هنري مارتن عمان، ثم دعوة الجنرال فليكس هيج عام 1887 كي تكون عمان “حقلًا تنصيريًّا”، ونداء القسّيس الاكسندر ماكاي عام 1888 بتنصير عمان، ونشاط توماس فرنش التنصيري، ثم جيل زويمر، وستورم، وتوماس، وبارني، وجورج ستون، ودكسترا، وبول هاريسون، وهنري وورل، وسارة هومسون، وفاني لتون، وجانييت بورسما “خاتون نعيمة”، وكابنجا، ودونهام، وغيرهم، ومحاولات التوغل من خلال تقديم الخدمات المختلفة، مثل المدرسة الصناعية للرقيق المحررين، ومستشفيي الإرسالية في مسقط ومطرح، والجولات الطبيّة التنصيرية وإنشاء المطابع، ومحاولة بيع نسخ الإنجيل، وغيرها.

وعلى الرغم من كل تلك المحاولات، والجهود الكبيرة التي بذلت، والسعي إلى استغلال سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ إلا أن أهل عمان بفطرتهم النقيّة، وارتباطهم العفويّ بدينهم لم يسمحوا لتلك المحاولات أن تنجح، وباءت معظمها بالفشل، وإن كانت الكتابات التي نقلها هؤلاء المنصّرون قد أفادتنا في معرفة جوانب من واقع الحياة في عمان بتلك الفترة.

ومن الكتب المهمّة التي ناقشت بالتفصيل تاريخ الحملات التنصيرية إلى عمان يبرز كتاب الدكتور سليمان بن سالم الحسيني “الحملات التنصيرية إلى عمان والعلاقة المعاصرة بين النصرانية والإسلام” الذي صدر عن دار الخليل بن أحمد بجامعة نزوى، وهو كتابٌ مهم بذل فيه صاحبه الجهد الكبير في تتبع تاريخ الحملات التنصيرية في عمان واستعراضها، وتحليل أهدافها وأبعادها في أربعة فصول، وهو الكتاب الذي اعتمد عليه التقرير في ترجمة نص الزيارة كما ورد في العدد 163 من مجلة “العربية المنسيّة” المختصة بالنشاط التنصيري في الوطن العربي.

“أثير” تستعرض في هذا التقرير جانبًا من إحدى الزيارات – العديدة – التي كان يقوم بها بعض الأطباء التنصيريين إلى مدن عمان المختلفة، ونقصد بها زيارة الطبيب هارولد ستورم إلى جعلان بني بو علي عام 1932م وأسباب تلك الزيارة، والظروف المحيطة بها.

لمحة عن الحملات التنصيرية في الخليج

 

في عام 1885، شكّل الدكتور لانسنج وثلاثة من مساعديه، وهم جيمس كانتين وصمويل زويمر وفيليب فيليبس، مجموعة تبشيرية في ولاية نيوجيرسي الأميركية، هدفها نشر الدين المسيحي في بعض البلدان العربية، ومن بينها الخليج والجزيرة العربية في البداية، وعلَّل المبشّر صمويل زويمر ذلك كما تشير دراسة غنى مؤنس ” الجزيرة العربيّة المنسيّة.. أرشيف لبلاد العرب” – التي نستقي منها المعلومات الواردة في هذا العنوان- بقوله: “إنَّ من بين الدوافع إلى العمل في المنطقة، الأسباب التاريخية، فللمسيح الحق في استرجاع الجزيرة العربية التي أكّدت الدلائل التي جُمعت لدينا في السنوات الخمسين الأخيرة، أنّ المسيحية كانت منتشرة فيها في بداية عهدها”.

كانت هذه الإرسالية نواة ما أُطلِق عليه “الإرسالية الأميركية العربية”، التي كان شعارها “دعوني أحترق من أجل الرب”، ولتحقيق هدفهم هذا، انطلق المبشرون من البصرة إلى موانئ الخليج والمناطق الداخلية في عُمان ومناطق أخرى من شبه الجزيرة العربية، بدءًا بمسقط ثم البحرين والإحساء والكويت.

عملت الإرساليّة على طول ساحل الخليج على تطويق شبه الجزيرة العربية، ثم التغلغل داخلها، وقد أسهمت عوامل عدة في ذلك، من بينها غياب الخدمات الصحية والتعليمية، إذ كانت الإرساليات التبشيرية تحرص على تقديمها للأهالي المحتاجين. وخلال عملهم، تعلَّم المرسلون اللغة العربية، وسرعان ما اكتشفوا أن تعليمهم ووعظهم يميلان إلى إثارة الشبهات حول نشاطهم. ولكسب اهتمام السكان المحليين ودعمهم بطريقة فاعلة، لجأوا إلى تقديم الرعاية الطبية، ثم التعليم فيما بعد.

وكانت لديهم نشرة عن تفاصيل عملهم، عُرِفَت لاحقًا بمجلة الجزيرة العربية المنسية Neglected Arabia.

مجلة (العربية المنسيّة)

في البدء، كانت هناك دورية فصليَّة تصدر كلّ ثلاثة أشهر، وبدأ الإصدار الأول لها في الأول من يناير من عام 1892، بعدها، حملت هذه التقارير اسم “الجزيرة العربية المنسية” Neglected arabia  بدءًا من العدد 132، واستمرَّ صدورها، غير أنَّ اسمها تغيّر إلى “نداء الجزيرة العربية” Arabia Calling  من العدد 216 حتى العدد الأخير 250 في مارس 1962 م، وتراوح عدد صفحاتها بين أربع عشرين صفحة إلى اثنين وثلاثين صفحة، وقد وثّقت المجلة أنشطة المبشّرين في الخليج العربي، وشكّلت لاحقًا مصدرًا دُعِي بأرشيف المبشّرين.

وليم هارولد ستورم

 هو طبيب مبشّر عمل في عُمان خلال الفترة الممتدة بين الأعوام 1930-1933، وخلال هذه السنوات، سافر على نطاق واسع إلى عدة مناطق من عُمان، بما في ذلك الرستاق، والجبل الأخضر، وجعلان، وصور، وظفار، وعمل في وقت لاحق في الكويت والبحرين حتى تقاعده في العام 1960. وقد نُشِرت قصص رحلاته في مجلة “العربية المهملة”.

زيارة هارولد ستورم إلى جعلان بني بو علي

 

في عام 1351هـ/ 1932م قام الطبيب هارولد ستورم Harold  Storm  بأول جولة طبية إلى جعلان بني بو علي، حيث استمرت أسبوعين أدى خلالها 114 عمليّة، وقدّم مساعدوه الخدمة العلاجيّة إلى 366 مريضًا في اليوم الواحد، وكانت الرحلة التالية إلى هذه المدينة في 1362هـ/ 1943م، واستمرت ثلاثة أسابيع قام فيها الطبيب ويلز توماس بعلاج المرضى ستة أيام في الأسبوع من طلوع الشمس إلى بعد مغيبها.

أسباب الزيارة

كانت الزيارة بسبب دعوة قدّمها الشيخ علي بن عبد الله آل حمودة شيخ جعلان بني بو علي في ذلك الوقت إلى الأطباء العاملين في مستشفى الإرساليّة في مطرح للقدوم إلى مدينته لتقديم الخدمة العلاجية، حيث يشير ستورم إلى ذلك بقوله ” وقد حصلنا هذه السنة على امتياز للقيام بأوّل جولةٍ تبشيريّة إلى هذا القسم من عمان، فقد أرسل الأمير طالبًا مجيء طبيب لمعالجة أخيه المريض المحتاج إلى عمليّة؛ ممّا فتح لنا الأبواب لجولةٍ استمرت شهرًا”، ويبدو أن المقصود بأخ الأمير هو الشيخ سالم بن عبد الله، حيث إن الأخ الأكبر الشيخ ناصر بن عبد الله قد توفي قبل هذا العام بحوالي 28 سنة، وتحديدا في عام 1904.

ويشير ستورم إلى تردد الأمير في بداية الأمر بسبب الأوضاع القبلية المتوترة وقتها ونظرة المجتمع المحلي إلى أمثال هؤلاء الأطباء بقوله “إنه يريدنا ولا يريدنا، فقد أخذ وقتًا طويلًا حتّى يقرّر، وما كان ليقرّر إلا بعد أن أكّدنا له مرارًا وتكرارًا أن الطبيب سيلبس اللباس العربيّ المناسب، وتكون له لحيةٌ من الحجم المناسب، ويتحدث العربية، وليس له أيّ ارتباطات سياسيّة، وأخيرًا يعد بأن لا تلبس القبّعة كونها ستجذب كثيرًا من الانتباه”.

ويصف ستورم الوضع عند وصوله إلى جعلان “عندما وصلنا جعلان، شرعنا مباشرةً في العمل، معالجين أخاه وبقيّة أفراد العائلة. في البداية رفض السماح لنا بمعالجة أهالي البلد، ثم أعلن في أحد الأيام أنه أعطى الأوامر لإعداد أحد البيوت في المدينة لمعالجة الناس، وقد عبّر عن ذلك التوجه بقوله: إني أواجه ضغطًا كبيرًا من قومي، فهم يطالبون بمقابلة الطبيب، وعليّ أن أسمح لهم بذلك، لذا أريد منكم أولًا أن تعالجوا القادمين من خارج البلد “.

كما يصف ستورم حجم العمل بسبب الإقبال الكبير من قبل أهالي المدينة والمدن المجاورة بقوله” زاد حجم العمل بدرجةٍ كبيرة، وكنّا مضطرين للعمل إلى ما بعد حلول الظّلام بمدّةٍ قصيرة لتضميد المنوّمين أو لتنظيف جروح العمليات، فلم يرض الأمير لذلك قائلًا إن بقاء الطبيب أو موظفيه خارج القصر بعد الظلام ليس آمنًا لهم”.

تعاون الأمير

 

ويشير ستورم إلى تعاون الأمير علي بن عبد الله برغم الظروف المحيطة في تلك الفترة بقوله ” لقد أثبت الأمير أنه مِضيافٌ مثاليّ؛ فقد عمل كلّ ما يستطيع من أجل راحتنا، لقد كان عبقريًا للغاية، وبكل وضوح، هو بحاجةٍ إلى رفاقٍ غير أولئك البدو. لقد كان شاكرًا لوجودنا عنده بالرغم من خوفه من أجل إسعادنا”.

ويضيف أنه ” في إحدى الليالي أرسل الشيخ سبعةً من عساكره لحماية ستةٍ منّا أثناء عودتنا إلى البيت، وجاء بنفسه في ذلك المساء طالبًا مني تنظيم عملي، بحيث لا أضطر للبقاء خارج القصر بعد مغيب الشمس، لم يكتفِ بذلك، بل أرسل رسوله إلى مسؤول المساعدين قائلا يجب على الطبيب أن يعود كل ليلة قبل المغرب”.

وقد وصف ستورم الأمير قائلًا:” الأمير علي بن عبد الله آل حمودة رجلٌ حول الأربعين من العمر يحكم قسما صغيرا من الجزيرة العربية يسمى “جعلان”، تقع هذه الولاية جنوب مسقط مباشرة، وتمتد على طول الساحل من صور إلى ظفار تقريبا، ومن الجانب الآخر تتوغل في الصحراء الواسعة”.

وصف الأحوال السياسية

 

وصف ستورم في رحلته الوضع السياسي غير المستقر في جعلان وما حولها بسبب الصراعات والانقسامات القبلية التي كانت تسود عمان في تلك الفترة، وحملت العديد من فقراته ما يدل على حالة عدم الاستقرار تلك والعداءات القبليّة التي كانت سائدة، ومدى الجهد الكبير الذي بذله الشيخ علي بن عبد الله في حمايته وتيسير أمور عمله وسط تلك الاضطرابات وحالة عدم الاستقرار، ويمكن أن نشير إلى فقرة واحدة تدلّل على الوضع التي كانت تعيشه عمان وقتها بقوله ” في أحد الأيام كنت أقوم بزيارةٍ طبيّةٍ في أحد المنازل عندما علّت فجأةً صيحةٌ خارج المنزل، فقام كل رجل في البيت بسرعةٍ كالبرق بأخذ بندقيةٍ أو سيف، أو الاثنين معًا؛ راكضًا إلى الخارج، تاركين الطبيب وحده، وعلمنا بعد ذلك أن المسألة كانت مجرّد حريقٍ صغير، وقد أخبرونا أنه عندما تُسمع صيحةٌ كمثل تلك فإنه من واجب كل رجلٍ وولد أن يحمل بندقيّته وسيفه ويسرع إلى الخارج”.

وهذا الأمر قد انتهى عندما قامت النهضة المباركة في 23 يوليو 1970 على يد صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد الذي في عهده انتهت القلاقل والفتن، وساد الأمن والأمان، وتم محو المصطلحات السياسية البائدة التي كانت تدل على التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ووصلت الخدمات بكافة أنواعها إلى كل مواطن في هذا البلد، ولم تعد البلد بحاجةٍ إلى أمثال هؤلاء المنصّرين لعلاج أبنائها بعد أن غطّت مظلّة الصحّة بأنواعها كل شبرٍ في عمان.

المراجع

1-  الحسيني، سليمان بن سالم. الحملات التنصيرية إلى عمان، ط2، مركز الخليل بن أحمد، جامعة نزوى،2015.

2-  مؤنس، غنى. الجزيرة العربيّة المنسيّة.. أرشيف لبلاد العرب، مركز أوال للدراسات والتوثيق، 16 يوليو 2018، http://awalcentre.com/Archivo/2573.html

3-  Neglected Arabia ,No 163, October. November. Desember 1932

  • صور التقرير وعدد المجلة من أرشيف الباحث عبد الله بن علي المخيني

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock