د.رجب العويسي يكتب: التعليم ومسؤولية تجسيد القانون في ثقافة وتصرفات الأجيال

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق طرحنا للموضوع من المساحة  التي يمنحها  التعليم عبر مناهجه وطرائقه وأساليب التدريس والخطط الدراسية والأنشطة والبرامج  والمحتوى التعليمي ذاته، في تعزيز ثقافة القانون وتأصيل فقه المعرفة والوعي به وتطبيقه في سلوك المتعلم من خلال نماذج محاكاة عملية للواقع الذي يعيشه المتعلم، ولعل ما أفصحت  عنه الحالات المسجلة في المحاكم بمختلف اختصاصاتها ومستوياتها والادعاء العام والشرطة من واقع القضايا والدعاوي والمرافعات  المسجلة لديها، مسوغات لحضور القانون في التعليم، وأن يمارس التعليم دورا محوريا في تعزيز الوعي القانوني والفهم  المتحقق بالقانون، وتأصيل ثقافة الفقه به في سلوك المتعلمين، باعتباره الاطار الاجدر لتحقيق ذلك في سلوك المتعلمين ممارسة تمشي على الأرض عبر مسارات واضحة  تعتمد التخطيط والوضوح ومصداقية الأداء  في ظل ما يستند إليه من فلسفة عمل واضحة وأطر مقننة واستراتيجيات أداء محددة ، كمدخلات مهمة في قراءة القانون وتدريسه ، وترسيخ مفاهيمه وقواعده وأسسه  وأطره  واستراتيجياته في فقه المتعلم من خلال تعريضه لأنشطة ومواقف قانونية تستدعي منه أن يتعاطى مع القانون ويتفاعل مع معطياته.

 إنّ القانون بذلك إطار يحفظ للمجتمع حقوقه، فيحتضن الفرد ويحتويه ويحافظ على  قوة شخصيته من أن تنالها  حالة الاهتزاز والضعف والهوان والقلق والخوف،  فيسيئ إلى نفسه  ويتأثر بالضغوط التي تلقى علي،  فيصبح ضحية عدم المعرفة بالقانون أو إدراك مساحات الأمان والاحتواء التي يوفرها له، بما يوسع أمامه الخيارات ويتيح له فرص الاختيار من بين بدائل عدة  تضمن تحقيق مصالحه ومصالح الآخرين على حد سواء،  عبر إجراءات التقاضي أو الإجراءات التي عليه أن يقوم بها في سبيل  الوصول إلى حقوقه والدفاع عنها، إذ كلما تأصّلت ثقافة القانون وقيمته في حياة الفرد ، فكان بذلك المسار الذي يحتكم إليه ويدير به ممارساته ومعاملاته المالية والتجارية والاستثمارية وعمليات البيع والشراء  والرهن والايجار، والعهود والمواثيق، والالتزامات والواجبات؛ كلما  أسهم ذلك في صناعة مجتمع الوعي ، فأصبح واع بحقوقه وواجباته ومسؤولياته، وماله وما عليه، مدرك  بما يجب عليه في الحصول على حقه أو الدفاع عنه، واليات تحقيق ذلك ؛ فإن تساهل الناس اليوم في التعاطي مع القانون والتعامل مع حيثياته وحفظ الحقوق عبر مسار قانوني واضح أدى إلى زيادة تعقد العلاقات الاجتماعية وتنوع الظواهر السلبية المعبرة عن  تدني مستوى الوعي المجتمعي بالقانون،  كإنكار الحقوق والتساهل في حلف اليمين أمام القضاء، وعدم الثقة بالآخر، وضعف العلاقات الاجتماعية وفجوة الاتصال والتواصل  بين ابناء المجتمع ، واتساع مساحات القطيعة وإلى  ممارسات أخرى  تتنافى مع قيم المجتمع وتتجافى مع ضمير المسؤولية وأخلاقيات الإنسان العماني، بل  أدى إلى استغلال   مشاعر الود والطيبة  والثقة في سلوكيات وأخلاقيات الإنسان العماني المخلص  بطريقة سلبيه  أهدرت الكثير من حقوق وأضاعت استحقاقاته.

  لذلك  يتأكد دور التعليم في ترقية الحس  الشخصي والمجتمعي نحو القانون، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حوله في كونه لا يتجاوز حالة جزائية أو انفاذ للعقوبات؛  أو حالة طارئة وممارسة  محددة بزمن دون غيره،  كما لم تعد مسألة العلم بالقانون مقتصرة على  ذوي الاختصاص  الدراسي والأكاديمي أو المهني والعاملين في حق القانون من قضاة ومحامين ومأموري السلطة الضبطية  بالمؤسسات؛  بل خيار استراتيجي يجب أن يصنع التعليم له حضورا في  فلسفة عمله، ومحطة في منصات انتاجه ،  وبصمة يثبت فيها مسؤوليته  في  صناعة الانسان الواعي بنفسه وحقوقه وواجباته وما يحيط به من مواقف وأحداث، بحيث يتصرف فيها بكل جدارة ومهنية ، ويتعامل معها بمقتضى ما تقتضيه التشريعات والقوانين والأنظمة، وبالشكل الذي يستشعر فيه الفرد – أيا كان- بأن القانون إنما جاء لحمايته والمحافظة على حقوقه، وصون  ذاته من كل المؤثرات السلبية التي باتت ترهق كاهله وتسيء إليه، فيصبح العلم بالقانون مدخلا وقائيا  يجنبه الوقوع في المحظور وشباك  التعاملات غير الموثوقة ، ويجد في القانون بغيته  في تحقيق مساحة أمان مستدام  تجنبه مسببات القلق والخوف، وممكنات للوصول إلى حقوقه بالطرق المشروعة بما تتيحه له من مساحات أوسع من البدائل والخيارات  التي تصنع في توجهاته وقراراته ومواقفه القوة والثبات؛ وهو أمر  يحتاجه  مجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى خاصة في ظل ما تعيشه المجتمعات من نفوق أخلاقي وانتكاسة في القيم وبيع الذمم، وتزايد مسببات الاعتداء والضرر النفسي والمعنوي والأدبي والمادي ، وسوء الاستغلال الحاصل للتقنية ومنصات التواصل الاجتماعي ، وما تؤديه حالات الابتزاز الالكتروني وحالة الاستفزاز المعنوي والنفسي والتشهير والجرائم الالكترونية  المالية والاقتصادية والمحافظ الاستثمارية الوهمية أو الشركات الترويجية والتسويقية عبر الإنترنت والتعاملات المشبوهة وغيرها، وحالة التساهل لدى المجتمع في حفظ الحقوق وإدارة الموارد المالية وصونها ، وكتابة الدين والأموال  والصكوك وغيرها ، مما أسهم  في زيادة الاخلال بالالتزامات وعدم الوفاء  بسداد  الديون  والاستحقاقات  المالية المترتبة على دين أو قرض أو بيع وشراء أو إيجارات أو رهن  أو غيرها  من المعاملات المالية ، والأمر يسري على مجالات أخرى تتعلق بالأحوال الشخصية والمدنية وحرمات البيوت، والأعمال، والوظائف وغيرها كثير.

  ويبقى على التعليم بأنواعه العالي والمدرسي تجسيد  القانون في كل أجندته وفلسفة عمله ، وأن يتبّنى في سبيل تحقيق ذلك استراتيجيات عمل واضحة وخيارات متعددة تضمن  ترجمة القانون في كل مقتضيات المواقف اليومية للفرد،  والتدريس الفعلي للقانون وفق  أليات مدروسة ومنهجيات واضحة وأساليب راقية تتسم بالتدرج والتنوع والسلاسة والتبسيط مع  أهمية الاستناد في تدريس هذه القواعد القانونية  إلى وقائع حاصلة وإلى ممارسات مجتمعية، بحيث يتناولها التعليم عبر أساليب  مختلفة  كالقصة أو الحوار  أو المناظرة  أو مشهد تمثيلي لجلسه المحاكمة، أو في طريقة رفع الدعوى  وغيرها من  المواقف اليومية التي  يمكن استعراضها في المناهج الدراسية سواء عبر  مادة القانون أو عبر تضمين  هذه المناهج مساقات مفصلة حول القانون  وتفاصيل دقيقة فيه،  حتى تتولد لدى المتعلم قيمة القانون،  فيضعه أمام عينية في أي معاملة قادمة، ويتخذه  مساره الذي يعتمد عليه عندما يتطلب الموقف منه ذلك، عندها يصبح للقانون مسار تعليمي واضح في المدارس والمعاهد والجامعات بحيث يتم ذلك منذ السنوات الأولى في حياة  المتعلم،  ويتدرج القانون معه بطريقة عملية مهنية بحسب نوعية القضايا التي يتعرض لها  في واقعه الحياتي،  تبدأ بحقوقه وواجباته كمتعلم، وتعامله مع الممارسات الاستفزازية وحالات التنمر والاعتداء  التي تنتشر في مجتمع الطلبة من قبل الزملاء وغيرهم، أو في تعرضه لحالات سرقة بعض ادواته الدراسية ، أو  حالة القلق والانطواء والخوف التي يعيشها بعض الطلبة  في حياتهم، الناتج عن عدم الاستقرار العاطفي  لدى الطفل ، والخلافات  المستمرة في حياة الاسرة ، والاعتداء الجسدي عليه،  أو حالات الطلاق وحالات  التحرش الجنسي الذي يتعرض له الأطفال من الأصدقاء  الكبار أو الشللية  وخارج نطاق المدرسة، وغيرها، فيصبح المتعلم  في حالة غير قادر على استيعاب الواقع والعيش في ظل تلك الظروف، أو حالة الابتزاز الالكتروني التي يتعرض لها المتعلم  عبر استخدامه لمنصات التواصل الاجتماعي والواتس اب ، وما اتاحه القانون له  من مساحات أمان للإبلاغ ، ليستمر تناول المناهج الدراسية لبعض الحالات الواقعية  التي  يتعرض لها  المتعلم  في مراحل حياته المهنية أو العملية مثل حفظ الحقوق وقضايا اقتصادية متعددة كالإيجارات والديون والقروض  والرهن  وغيرها كثير ، بحيث يمتلك على مر  الوقت رصيدا مناسب من المعرفة والمفاهيم القانونية التي يجسدها في مواقف حياته اليومية ويتعاطى معها بعلم وفهم ووعي بمقتضياتها،  ومعنى ذلك ان مسؤولية التعليم اليوم تقديم مائدة قانونية متكاملة  للمتعلم تتجاوز مجرد تسليط الضوء على بعض  التشريعات القانونية  إلى تطبيقات عمليه تتكامل فيها  مكونات الدعوى القانونية والإجراءات  المتخذة فيها معززة للفهم قادرة على سبر القانون في فقه الأجيال، بما ينعكس إيجابا على قبولهم به ورغبتهم فيه، وشغفهم  بالبحث في قواعده.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock