المكافحة بالخدمات، محاولة الاغتيال، السلطان يقود المعركة: محطات من حرب التمرد حتى النصر

أثير-تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

“.. يا أبناء عمان البواسل: إني إذ أحيي احتفالكم اليوم وأبارك انتصاركم على عصابة البغي في جزء من الوطن العزيز، فإنني أبارك هذا الانتصار لا لأنكم طردتم المعتدين من البلاد فحسب بل ودحرتم مخططات الشيوعية العالمية ونكستم رؤوس الإلحاد التي ظنت أنها لن تغلب، لذلك فانتصارنا هذا بحمد الله هو أول انتصار على الشيوعية العالمية تقوم بها دولة عربية في ميدان القتال، في حربٍ دامت سنين طويلة وثاني انتصار تقوم به دولة عالمية. وإنه لخيرٌ عميم أيها الأبناء أن تطهّر البلاد من الفساد الشيوعي، إنه لخير لنا ولعله خير لجيراننا أيضا، إذ عرفناهم الحق وانتشلناهم من أوهامهم في تأييد ومؤازرة أناس مفسدين يقومون بالرعب والقتل والدمار في جزء من بلاد آمنة مطمئنة، يقتلون أخوة لهم ويسلبون أموالهم ويخربون بيوتهم لا لشيء إلا للرعب والنهب والخراب..”.

“.. وتحية من الأعماق لجنودنا البواسل، وسلامًا وإعجابًا لفرقتنا الوطنية، وشكرًا وتقديرًا لأصدقائنا الكرام، وثناءً لكل من ساهم في إحراز هذا النصر الكبير..”

كان هذا جزءًا من خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله في الحادي عشر من ديسمبر عام 1975 بمناسبة النصر على قوى التمرد بعد حربٍ استمرت حوالي عشر سنوات.

“أثير” تستعرض في هذا التقرير أبرز المحطات التي ارتبطت بالقضاء على التمرد أو الثورة بحسب الأدبيات المختلفة التي تناولت القضية، والذي استمر لمدة عشر سنوات منذ اندلاعه في عام 1965 وحتى الحسم في الحادي عشر من ديسمبر 1975، وذلك من خلال تتبع الجهود التي بذلها صاحب الجلالة حفظه الله في احتواء الصراع المسلح بالجهود السلمية والدبلوماسية التي تزامنت مع الحرص على التسليح العسكري الجيّد، وتقديم الخدمات الأساسية تباعًا للمجتمع المحلي، حتى تحقيق النصر.

محطات رسمت نهاية الحرب

عمِد صاحب الجلالة حفظه الله بعد تولي مقاليد الحكم في السلطنة في 23 يوليو 1970م، إلى انتهاج الحلول السلمية لإنهاء الحرب؛ فأعلن جلالته في الأول من سبتمبر 1970 العفو العام عن جميع المتمردين ووعده لأي مشترك في حركة التمرد بمعاملة حسنة، ووعد كذلك بتحقيق المطالب الرئيسية وفق برنامج إصلاحي اجتماعي.

ونتيجةً لهذه الخطوة؛ فقد قام العديد من القادة والمقاتلين بتسليم أنفسهم، خاصًة مع التصدعات والمشاكل التي بدأت تنخر جسم الجبهة ومن بينها الاغتيالات والإعدامات الميدانية لعدد من القادة وشيوخ القبائل، الأمر الذي أثار الحنق في نفوس البعض، وفي ذات الوقت استبشروا بدعوة السلطان ورأوا فيها خطوةً إيجابية، ورسالة سلام، ومبادرة تدل على مدى صدق السلطان الجديد في تحقيق السلام، وتوفير الخدمات، والنهوض بالبلد إلى آفاق جديدة، ومن هؤلاء تم تشكيل الفرق الوطنيّة كتنظيم يتوافق مع طبيعة المنطقة، وقد أسهمت تلك الفرق في توفير العديد من المقاتلين الذين كانوا على معرفة بطبيعة الحرب والعدو، وأسهمت إسهامًا كبيرًا في تحقيق النصر فيما بعد.

كما قام السلطان بخطوات أخرى مهمة أسهمت تباعًا في قلب موازين القوى، حيث تبنى مشروع مكافحة النار بالخدمات، فتم افتتاح العديد من المشاريع الخدميّة مثل مستشفى صلالة، ومراكز الخدمات الطبية في مناطق السيطرة، كما تم افتتاح مدارس جديدة في صلالة ومدن الساحل، حيث تم تأسيس إدارة التربية والتعليم في ظفار في أكتوبر 1970 وكان الأستاذ عبد القادر الغساني أول مدير لها.

وفي عام 1971 تم استعادة مدينة سدح الساحلية بمساعدة كبيرة من الفرق الوطنيّة، وأتت “معركة مرباط” في العام الذي يليه كقاصمة ظهر لقوات الجبهة، بعد فشلهم في احتلال حصن مرباط، وتكبدهم لخسائر كبيرة في الأرواح ، كما قام جلالته خلال هاتين السنتين بالعديد من الجهود الدبلوماسية من خلال التواصل مع عدد من قادة الدول العربية والمحيطة مثل الرئيس السادات، والعقيد القذافي، وشاه إيران لتوضيح حقيقة ما يحدث، كما لم تنس السلطنة دورها العربي والإقليمي خاصة بعد انضمامها لهيئة الأمم وجامعة الدول العربية في عام 1971، فشاركت في حرب أكتوبر 1973 من خلال قطع النفط عن الولايات المتحدة وهولندا دعمًا لمصر.

وفي عام 1973 تم افتتاح أول مدرسة للبنات في ظفار سميت باسم مدرسة “النور” استقبلت 650 تلميذة، و14 مدرسة أخرى بعد عام، وتعيين 113 مدرسًا فيها، كما أكّد جلالته في خطابه في العيد الوطني الثالث أهمية تقديم خدمة التعليم لأبناء النازحين من مناطق الحرب حيث قال: ” وقد أمرنا بإنشاء مدرسة داخلية لتعليم أبناء النازحين من جبال ظفار، والذين أنقذوا أنفسهم وأبنائهم من الإرهاب والتعاليم الشيوعية، حيث وفرنا لهم التعليم والسكن والغذاء”، كما تم افتتاح مدارس في المناطق المحررة حيث تم تأسيس أول مدرسة في مدينة الحق بجبل طاقة تلتها مدرسة في طوي اعتير، كما تم افتتاح طريق مواصلات حديث ورصف طريق صلالة – ثمريت، وإنشاء محطة كهرباء في صلالة.

وفي هذا العام تمكنت قوات السلطان والفرق الوطنية من السيطرة على بعض الأماكن الجبلية لأول مرة منذ عام 1965، كما وصلت قوات إيرانية لمساندة قوات السلطان يقارب عددها 3000 جندي كدفعة أولى، كما نجح السلطان قابوس بعد زيارته للجزائر في 1973 ولقائه بالرئيس هوّاري بو مدين، في تحييد الموقف الجزائري بعد أن كانت تدعم الجبهة ماديًا وسياسيًا.

وعلى الرغم من الدعم السافر والمباشر الذي كانت تقدمه اليمن الجنوبي للفريق المقابل، إلا أن السلطان رفض فتح أي مكتب لمعارضي النظام اليمني، وامتنع عن رد اعتداءات اليمن الجنوبي وتدخلها في شؤون عمان.

محاولة الانقلاب واغتيال السلطان

بعد الهزائم التي منيت بها الجبهة توجهت الى التخطيط لانقلاب في نظام الحكم في السلطنة، وقد تم التخطيط للانقلاب في العراق في اكتوبر 1972م عن طريق بعض العناصر التي أوفدتها الجبهة إلى هناك بالإضافة إلى بعض أعضاء المكتب السياسي في اليمن الجنوبي، وقد تم تحديد موعد الانقلاب في 31 ديسمبر 1972م.

غير أن هذه المحاولة انتهت بالفشل الذريع وتم القبض على العديد من عنصر الجبهة، وكشفت التحقيقات التي أجريت بشأنها أن المؤامرة كانت تستهدف القيام بحملة اغتيالات تستهدف السلطان ومستشاريه وضباط الجيش والولاة وكبار التجار.

قدرات السلطان العسكرية

استغل السلطان قابوس حفظه الله خبراته القتالية في إعادة تنظيم قواته الدفاعية التي زاد من عددها وأصلح معداتها، كما وجه اهتمامًا خاصًا بسلاحه الجوي واستقدم ضباطا متخصصين في المجالات العسكرية المختلفة، لذا لم يكن غريبًا أن يقود السلطان الحرب بنفسه، وأن يشرف عليها إشرافًا مباشرًا، فهو خريج كلية “سانت هيرست” إحدى أرقى الكليات العسكرية على مستوى العالم، كما قام خلال دراسته بالمشاركة في بعض الأعمال العسكرية التي صقلت خبرته وأكسبته الكفاءة والقدرة العسكرية العالية؛ وهذا أمر أسهم فيما بعد في كسبه حفظه الله للتحدي العسكري الكبير الذي واجهه بعد تسلمه مقاليد الحكم في البلاد، وكان لقدراته العسكرية والقتالية دور كبير في قيادة جيشه نحو كسب المعركة، وإعادة توحيد الوطن تحت قيادة واحدة.

نهاية الحرب

مع بداية عام 1975م باتت الجبهة غير قادرة على مواجهة قوات السلطان المدعومة بالقوات الإيرانية على جميع جبهات القتال، فلأول مرة منذ اندلاع القتال المسلح في ظفار عام 1965 سيطرت القوات الحكومية على سلسلة الجبال في فترة الأمطار الموسمية، فقد استطاعت قوات السلطان والقوات الصديقة لها إنشاء مزيد من المواقع الى الغرب من خط (داما فاند) الذي أقامه الايرانيون بعد سيطرتهم على مدينة رخيوت .

وبنهاية فصل الخريف بدأت قوات السلطان بمحاولة ثالثة لاستعادة كهوف شرشيتي ونجحت العملية بعد مقاومة مستميتة من الجيوب المنتشرة في المنطقة، واستولت القوات الحكومية على كميات كبيرة من المؤن والأسلحة والذخيرة كانت بداخل تلك الغارات الجبلية.

وفي نوفمبر 1975م زحفت قوات السلطان الموجودة في صرفيت شرقًا للالتقاء بالقوات القادمة من شرشيتي غربًا، وفي أول ديسمبر استعادت قوات السلطان بلدة ضلكوت الساحلية دون مقاومة تذكر، وبذلك أصبح كل ظفار تحت سيطرة الحكومة لأول مرة منذ عشر سنوات، وأعلن جلالته يوم 11 ديسمبر يوم نصرٍ تاريخيّ لقواته، داعيًا المعارضين للعودة والمساعدة في بناء الوطن.

ولم تكتف السلطنة بما تحقق من نصرٍ عسكريّ على جبهة القتال، بل عمدت إلى اقتناص نصرٍ سياسي في محاولة لتجفيف منابع القتال حيث توصلت السلطنة واليمن الجنوبي برعاية سعودية إلى اتفاق ينهي الخلافات القائمة فيما بينهما وكان ذلك في 11 مارس 1976م، وهذا يعني إنهاء اليمن الجنوبي دعمها للثوّار.

مسيرة النصر

وفي استعراضه لسيرته الذاتية من خلال يومياته التي اقتطفها الدكتور سالم بن عقيل مقيبل أشار المغفور له بإذن الله الأستاذ والمربّي عبد القادر بن سالم الغسّاني والذي لعب دورًا كبيرٍا في مسيرة التعليم بظفار في أيام الحرب وما بعدها، إلى المسيرة التي أقيمت بمناسبة النصر ” ويوم الخميس 11 ديسمبر 1975 تمت صباح هذا اليوم مسيرًة كبرى بمسقط احتفاءً واستبشارًا بالنصر الذي حققته قوات السلطان المسلحة في جبال ظفار، وقد اشترك في هذه المسيرة جميع فئات الشعب العماني من وزراء ومديرين ووجهاء وتجار وطلاب وطالبات وشباب النوادي وعامة الناس، وقد قدرت المجاميع بما يزيد عن مائةٍ وخمسين ألفًا، وفي التجمع خطب جلالة السلطان مهنئًا شعبه بالنصر، واستغرق خطابه حوالي ربع ساعة”.

المراجع
1- أبو عون، ناصر. معجم مصطلحات السلطان قابوس، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع،2015.
2- البحراني، عماد بن جاسم. حرب ظفار (1965-1975م)، السبت 29 نوفمبر 2008، مدونة قلعة التاريخ.
3- البوسعيدي، سالم. الرائع في التاريخ، جـ2، مكتبة الأنفال، مسقط.
4- مقيبل، سالم بن عقيل. الأستاذ عبد القادر سالم الغساني مقتطفات من يومياته، ط1، مكتبة دار الكتاب العامة، صلالة،2018.
5- أعداد أرشيفية من جريدة عمان عامي 1975، 1976.
6- جريدة أحبار الأسبوع الأردنية، 11 ديسمبر 1976.

• الصور الارشيفية من عدة مواقع بشبكة المعلومات العالمية.
• الصور الخاصة بالتعليم من كتاب “الأستاذ عبد القادر بن سالم الغساني مقتطفات من يومياته”.
1

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock