د.رجب العويسي يكتب: التعليم وعلاقته بتأسيس المواطن اقتصاديًا

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

تلقي المتغيرات الحاصلة في عالم اليوم وبشكل خاص الاقتصادية منها على التعليم مسؤولية تعزيز دوره في بناء المجتمع اقتصاديا، عبر ما يفتحه للمتعلمين من فضاءات المعرفة الاقتصادية وفق منهجيات واضحة ومسارات دراسية مقننة وأدوات مؤطرة تعزز في المخرجات مفاهيم الاقتصاد والمال والاستثمار وإدارته، ويشكل البعد الاقتصادي باتساعه وشموليته وعمقه اليوم تحديا على التعليم ومؤسساته في قدرته على تأطير حضوره في سلوك المتعلم وثقافته، وفرصة للتجديد في طبيعة الممارسة التعليمية ونقلها من حيز التنظير إلى الفعل والدخول بها في ميدان التطبيق واستراتيجيات المنافسة؛ لذلك نعتقد بأن أغلب المشكلات الاقتصادية التي يعانيها المجتمع ويشعر بهاجس تأثيرها الشباب الباحثين عن عمل أو غيرهم ، إنما هي نتاج لتدني مستوى الوعي الاقتصادي في المجتمع، مما تسبب في زيادة الظواهر الاقتصادية الضارة التي باتت تلقي بضلالها على المنظومة الاقتصادية برمتها، وتضع التعليم أمام واقع جديد عليه أن يؤسس له منهجياته ويؤطر له أدواته ويصنع له محكات على أرض الواقع؛ فالسلوك الاستهلاكي السلبي و حالات الاختلال الناتجة عن الجرائم الاقتصادية الإلكترونية والابتزاز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتزايد انتشار العصابات المتخصصة في الاحتيال والمواقع الاقتصادية والترويجية الوهمية إنما هي نتاج لتدني وعي المجتمع اقتصاديا.

 

 

على أن هذا التعاطي التعليمي مع الاقتصاد لا ينبغي أن يشكل حجر عثرة أمام التعليم في رسم ملامح التحول التي يجب أن يصنعها في فقه المخرجات، ذلك أن “التعليم للعمل” أحد المرتكزات التي أشار إليها تقرير تطوير التعليم في تسعينيات القرن الماضي ، وهي تشكل حجر الزاوية في رؤية التعليم في عالم متغير ودوره في بناء الاقتصادي والاستقرار المالي في المجتمعات، وبالتالي دوره في قراءة المنظومة الاقتصادية بكل أجندتها ومحطاتها ومواطن قوتها واخفاقاتها لتصل نتائجها إلى سلوك المتعلم وتبقى تتحرك في دواخله ومشاعره وتوجهاته في قدرته على التعاطي الواعي مع معطيات البعد الاقتصادي ومتطلباته ، وفي الوقت نفسه تطرح التحولات المعاصرة التي يعيشها المواطن اليوم في ظل جملة من المعطيات المرتبطة بالحالة العمانية خاصة، فازدياد غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتدني مستوى الاستدامة المالية لدى الافراد والاسر وزيادة الاستهلاك اليومي، والتأثيرات الناتجة عن زيادة أسعار استهلاك الطاقة ورفع الدعم عن الوقود، وزيادة رسوم الخدمات الاجتماعية واللوجستية المقدمة للمواطن، ناهيك عن وقف الترقيات وإغلاق ملف المكافآت في القطاع المدني، وما صاحب ذلك من تحديات عززت من أزمة الثقة لدى المستهلك، في ظل ما أبرزه الواقع الاقتصادي من تجاوزات وانحرافات في مسار العمل الناتجة عن تزايد حالات الغش التجاري والفساد المالي والاختلاس والرشوة والمحسوبية وغيرها من القضايا المالية والاقتصادية التي باتت تشكل اليوم هاجس الحكومة والمؤسسات والأفراد، لتستمر الحالة الاقتصادية في تأزمها بما يفرضه واقع أعداد أفواج الخريجين من مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة ومخرجات الدبلوم العام الباحثين عن عمل من التزامات اقتصادية ومالية على الموازنة العامة للدولة خاصة مع التوقعات ببدء المركز الوطني للتشغيل بمباشرة اختصاصاته في الأول من يناير القادم، وما يفرض ذلك أيضا على المخرجات ذاتها وأسرها من أوضاع مالية صعبة وظروف اقتصادية بحاجة إلى وقفة.

 

وعليه تطرح هذه المعطيات على واقعنا الوطني دور أكبر للتعليم في قراءة موقع الاقتصاد في فلسفة عمله ومناهجه وبرامجه وخططه وأدواته وسياساته، ويطرح في المقابل نقاشات تنم عن الحاجة إلى وضوح هوية التعليم الاقتصادية ، ومسؤوليته في الحد من حالة تزايد الضغوط الاقتصادية والمالية التي تشهدها الحالة الوطنية، وما نتج عنها من توجهات الحكومة نحو الخصخصة لبعض القطاعات الرئيسية كالطاقة والكهرباء وغيرها من القطاعات التي تأتي تباعا، لذلك فإن تناول التعليم لهذا المسار والتعمق فيه ينطلق من قدرته على الإجابة عن التساؤلات التي يطرحها واقع العلاقة بين التعليم والاقتصاد، والمساحة التي يمنحها التعليم لتواجد هذه المنظور في أروقة عمله ومسارات أدائه، فهل استطاع التعليم وعبر ممارساته ومناهجه وأنشطته أن يعزز الثقافة الاقتصادية لدى المتعلم والخريج؟، وهل ممارسات التعليم والمتطلبات اليومية التي يحتاجها المتعلم كجزء من النشاط البيتي والمشروع والواجب المنزلي وغيره عززت من قدرته على توظف الفرص والخامات البيئية الداعمة لبناء المتعلم اقتصاديا؟ ثم هل أسهمت جهود الطلبة وانتاجهم العلمي وابتكاراتهم المستمرة في مراحل التعليم المدرسي والعالي في تعزيز القيمة المضافة لمنتجهم العلمي والفكري وبحوثهم وابتكاراتهم لتجد الدعم الواسع في انطلاقتها كشركات طلابية قادرة على صناعة التحول في المنتج الاقتصادي الوطني أو تحسينه؟ وهل تمتلك مخرجات التعليم مساحات واسعة في إدارة مشروعاتهم الاقتصادية بعد التخرج في ظل تزايد عدد المخرجات التعليمية من حملة المؤهلات الجامعية وغيرهم؟، وهل كان للمهارة الاقتصادية حضورا واضحا في هذه المخرجات في ظل ما يشار إليه من هاجس المهارة لدى مخرجات التعليم في التحاقهم بسوق العمل؟ ثم هل يمتلك التعليم أدوات أفضل للمحافظة على سقف التوقعات في المورد البشري في ظل تعدد وتنوع فرص المنافسة الاقتصادية العالمية ودخول السلطنة في شراكات استراتيجية مع شركات عابرة للقارات؟

 

وبالتالي جملة المدخلات الاقتصادية التي ينبغي على التعليم أن يعمل على تحقيقها والتوجهات التي يسعى اليها، ومستوى اقتراب الممارسة التعليمية من تحقيق الغايات الاقتصادية للتعليم ، بحيث يأخذ في الحسبان الوقت الذي يمنح للمسار المهني والاقتصادي في حياة الطالب، ومستوى توافر الأنشطة الاقتصادية وعملياتها في بيئة المدرسة ، وجوانب الاحتواء والتأثير والحوافز المقدمة للطالب في سبيل تعزيز ثقافته الاقتصادية، والمساقات الدراسية المطروحة في مؤسسات التعليم لذوي التخصص أو كمساقات عامة مشتركة والبعد الاقتصادي الذي تحمله، ومستوى وضوح مهمة التعليم في تعزيز الثقافة المهنية وبناء مجتمع اقتصادي قادر على امتلاك المفاهيم الاقتصادية والتسويق لها وتعزيز حضورها في ثقافة الخريج اليومية ؛ وبالتالي كيف يمكن ان يصنع التعليم علامة فارقة في حياة مخرجاته ، فيعزز فيهم قيم العمل والإنتاجية وأخلاقيات الاقتصاد ومهاراته وآليات تنظيمه وأدوات التعامل معه والممكنات المهارية والتدريبة التي يتقنها المتعلم عند التحاقه بسوق العمل ، وخطوط التأثير وعلاقة المواءمة لمخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، بحيث يؤسس التعليم في المخرجات هذه البنى الاقتصادية كما يؤسس فيهم قيم الاخوة والتسامح والتعايش والحوار والتكامل والوحدة ، ويبني فيهم مسارات التحمل والصبر والدافعية وتطوير الذات والالتزام .
ومع الاعتراف بأن عمليات التطوير التي شهدها التعليم في العقدين الماضيين، قد انتجت العديد من التوجهات ذات العلاقة ببناء ثقافة الاقتصاد في فكر المتعلم خاصة مع التأكيد على الجهود الساعية نحو الابتكار والبحث العلمي وريادة الاعمال والشراكات الاقتصادية وتقوية حضور مخرجات التعليم العالي وعبر مشروعات الشباب ” تمكين وريادة”، في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر الشركات الطلابية ، وترقية الدور التنظيمي والإداري والفني لمعاهد التدريب المهني لتصبح كليات مهنية، وما انعكس ذلك على التخصصات التي تطرحها وبرامج التأهيل والتدريب والاعداد وصناعة المهارة التي تعمل عليها؛ إلا أنها ما زالت مبادرات وجهود خجلة في أكثر الأحيان، تتسم بالانقطاع وضعف مستويات المتابعة والتشخيص والمراجعة للأطر التي تعمل عليها، وتفتقر للكثير من الموجهات والتشريعات التي تعزز من حضور البعد الاقتصادي فيها عبر بناء المواطن- فعليا- اقتصاديا، إذ ما زالت مخرجات التعليم من الباحثين عن عمل من وجهة نظر الشركات غير قادرة على تحقيق طموحات هذا القطاع خاصة فيما يتعلق بتوافر المهارة المتخصصة ، ومع أن المشكلة في تقديرنا الشخصي ليست في المخرجات بقدر ما تتعلق بطبيعة المحتوى العلمي والمهني والتقني الموجه لها وعمليات الاعداد والتأهيل واقترابها من الواقع، والوزن النسبي لتعريض هذه الخبرات لواقع المهنة وتجريبها في ميدان العمل وصقلها بالخبرات والمهارات الاقتصادية التي تبني فيهم قيم الاقتصاد وتصنع منها كفاءات قادرة على الإنتاجية وامتلاك أدوات الإنتاج وقيمه، فإن المستجدات والتحولات الحاصلة في الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة ومعطيات الثورة الصناعية الرابعة والتحول الحاصل في قطاع التشغيل وبيئات الاعمال والذكاء الاصطناعي والانسان الالي وانترنت الأشياء وغيرها كثير في ظل عالمية المهارة والخبرة، يستدعي أن يمارس التعليم دوره الاقتصادي بالتوازي مع دوره في بناء المواطنة وصناعة الهوية وتجديد البناء الفكري للأجيال وترقية القيم والاخلاق، لتشكل الممارسة الاقتصادية ترجمة فعلية وانموذج عملي لكل الفرص التي أتيحت للمتعلم في بيئة الصف وقاعات التدريس والمختبر وبيئة تنفيذ النشاط.

 

ويبقى أن نشير إلى أن قدرة التعليم على تأسيس المواطن اقتصاديا يجب ان يشكل مسارا واضحا يقوم على توفير المناهج وتعزيز مفاهيم الاقتصاد في مسارات التدريس والخطط الدراسية بشكل أكثر احترافية مما هي عليه الآن، وتأكيد أهمية التنويع في المسارات التعليمية باعتبارها المنطلق الأساسي لرسم خريطة الاقتصاد في بيئة التعليم، وتعزيز فرص التمكين للتعليم في بناء هذه الثقافة وتأطير الفكر الاقتصادي عبر تبني سياسات استثمارية وانتاجية تنطلق من بيئة المدرسة والجامعة ومراكز البحث ومختبرات العلوم والتقنية والابتكار والاقتصاد ، وإيجاد مساقات تدريسية وتدريبية داخل بيئة التعلم وخارجه عبر التدريب المهني للمتعلمين في الشركات والمؤسسات الاقتصادية؛ إذ من شأن ذلك أن يوفر الضمانات الداعمة للتعليم في تأطير المسار الاقتصادي، وبناء نماذج تطبيقية له بالمدارس والكليات والجامعات، لتشكل بدورها مدخلا في إعادة المسار القادم للتعليم وتصحيح الانحرافات الحاصلة في توجهاته الاقتصادية والوزن الذي يمنحه للاقتصاد في مناهجه، ومستوى توفر العمليات الاقتصادية في بيئة التعليم وخارجه، ثم تحصين الخريج بالممكنات والقدرات والمعارف والمهارات والعمليات الرئيسية التي يحتاجها في مواجهة المتغيرات الحاصلة في الشأن الاقتصادي، فإن حالة التراجع والقلق والسلبية التي تعيشها المخرجات اليوم في ظل عوائق التشغيل وضبابية ملف الباحثين عن عمل ، وتزايد الايدي الوافدة المسيطرة على السوق الوطني، ومشكلات التسريح القسري للمواطنين ، بالإضافة إلى حافز الفرص المتاحة للمخرجات الاقتصادية والمالية عالميا؛ كل ذلك يلقي بضلاله على مستقبل التعليم ، ويستوجب منه إعادة هيكلة مساره بطريقة تضمن قدرته على بناء المواطن اقتصاديا.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock