موسى الفرعي يكتب: كل فرد هو قابوس بن سعيد

أثير- موسى الفرعي

كم حاولت أن أهيأ نفسي لهذا الحزن، وكم جاهدت لئلا أصاب بعجز في التعبير عن ذلك، لكن حين دقت الساعة الأكثر ظلامًا تغيرت العيون لتصير حفرًا مليئة بالدموع التي تتساقط لتغسل الأوراق والشوارع، وتشل حركة كل شيء، فكيف نرثي هذا الرمز الخالد الذي تشابك مع صفاء طفولتنا وسنوات عمرنا، وكيف نبكي وجوده الاستثنائي في ذاكرتنا، وكيف نقول له الآن بأن عمان التي حلمت بها أمانة في أعناقنا وبأننا سنحارب كي تظل شامخة وأبية كما عودتنا أن تكون. إن البطل الحقيقي يا سيدي لا يموت، قد تكون النظرة الأخيرة التي نودعك بها، لكن مكانتك في تاريخنا ستبقى غير قابلة للفراغ وعصية على النسيان.

خمسون عاما يا سيدي من السعي والعطاء إلى أن أتقن العمانيون وتيقنوا أن عبادة الوطن بعد الله عز وجل أهم ما يمكن أن يحترفه الإنسان في هذا الوطن الكبير. خمسون عاما وأنت تنفق العمر في بناء حياتنا الشخصية وليست العامة فقط. خمسون عاما ونحن نعيشك قائدا وأبا. خمسون عاما وأنت مأخوذ ببناء الغد. خمسون عاما وعمان وأهلها شغلك الشاغل. خمسون عاما وها نحن نرى نبوءتك لعمان ونعي ما قمت به، نعي تماما شرعية خلودك في ذاكرتنا وعواطفنا، ليس ثمة صراع بين ما يمكن وما لا يمكن، فلا حاضرٌ ممكنٌ ينتصر على ماضٍ لا يُرى، ولا زمن مقبل يمكن أن يمحو حدود حبك في قلوبنا وعقولنا.

واليوم ذات الأداة الحديدية التي كنت تجول بها بين أبناء شعبك لتوزع عليهم فرح حضورك الأول، هي ذاتها الأداة الحديدية التي تنقلك اليوم بين أبناء شعبك لإلقاء النظرة الأخيرة في طريق رحلتك إلى الراحة الأبدية، وبين البدء والختام مشروع طويل، ومقدسات عِظام، وفصول من الفرح، وبكاء حتمي.

هل رحلت فعلا…!!! لكنك ما زلت هنا تؤكد لنا أن عمان تأتي في مقدمة الأشياء وأوجب الواجبات، ها نحن نسمعك هناك تقول بأن الوطن خالد ما بقيت حياة على هذه الأرض، لم ترحل بعد يا سيدي بل ما زلت بيننا تسكن الزوايا والأماكن والأسماء والصفات، لن ترحل لأن الحب الكبير يعلمنا أن نترجمه حرصًا على عمان وذودًا عنها وتوريث هذا الحب لأبنائنا، لم ترحل وقد خرّجت من بين تعاليمك العظيمة ومدرستك الاستثنائية رجالا يحرصون على عمان حرصهم على حياتهم، وها هو هذا اليوم الأسرع في التاريخ السياسي يثبت ذلك، إعلان الوفاة، الدفن، أداء القسم، كل ذلك خلال أربع ساعات فقط، أسرة كريمة همها الأكبر هو الوطن والمواطن، وفية لك حتى في غيابك، فنم هادئًا يا حبيبنا إلى أن يجمع الله بيننا، فعزاؤنا حتى نلتقيك في جنان الخلد بإذن الله أنك الآن في جوار أكرم من جوارنا، نم هادئا ومطمئنا فمهما رُفعت الأسوار لتحجب ضوء الشمس ويعم الظلام فإن عمان ذاتية النور، وأبناؤها يتقنون فن الحياة على هذه الأرض الشامخة .. نم هادئا ومطمئنا لأنك الآن أكثر قوة وانتصارًا، نم هادئا ومطمئنا وإنا نحبك في الغياب تماما كحبنا لك في الحضور.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock