منها الدستور وولي العهد: 14 سؤالًا مهمًا أجاب عنها السلطان قابوس بكل وضوح

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

خلال تصفحي لحوارات السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – مع عدد من الصحف والمجلات والدوريات المختلفة خلال الخمسين عامًا الماضية، استوقفتني العديد من الأسئلة المهمة التي كان بعضها مثار نقاش، وبعضها لم يكن معروفًا لدى العامة في وقتها، وقد قمت بجمع عددٍ من هذه الأسئلة وإجابات جلالة السلطان عليها كي تبقى للتاريخ، وكي يتعرف قارئ “أثير” على جوانب من شخصية ذلك الحاكم العظيم الذي وهب نفسه وإمكاناته لبلده ومواطنيه.

 

الدستور

في سؤال عن الدستور طرحه الصحفي ممدوح رضا موفد جريدة (الجمهورية) المصرية خلال حواره مع السلطان – طيّب الله ثراه – نشرته الجريدة في عددها الأسبوعي يوم الخميس 8 يوليو 1972، أجاب جلالته “إنني أُؤمن بأنّ الدستور يجب أن يوضع وينبع من وحي التجربة؛ إننا نخرج من مرحلة إلى مرحلة.. ولا يمكن أن نبني الدستور، على صور أو افتراض! إننا نعيش في بلاد يعيش فريق من أهلها بعقلية القرن العشرين، ويعيش فريق آخر بعقلية القرن الثامن عشر، وتجربتنا خلال المرحلة القادمة ستخلق لنا المناخ الملائم والأساس السليم، لإعداد الدستور الصالح لبلادنا؛ الدستور النابع من الشعب ذاته. إننا نرفض فكرة استقدام الخبراء ليعدوا لنا دستورا في أيام معدودة ولكن نؤمن بأن التطور هو الذي سيخلق لنا الدستور الملائم”.

ولاية العهد

توجّه الصحفي الكبير الأستاذ أحمد الجار الله خلال حواره مع السلطان قابوس – طيّب الله ثراه – والذي نشرته جريدة السياسة الكويتية يوم الأربعاء 11 ديسمبر 1985، بسؤال لجلالته حول:  لماذا لا يعلن يُعلن ولي عهد السلطنة ؟

وأجاب جلالته رحمه الله بما يلي: “ضمن إطار تقاليد الأسرة العُمانية الحاكمة فإن منصب ولي العهد تقليد لا يؤخذ به فالوضع يُترك لحين الحاجة حيث تفرز الكفاءة نفسها عندما يكون منصب ولي العهد ضروريا. نعم.. أعرف أن هناك تساؤلات لكنها تساؤلات غير عُمانية خصوصا من قِبَل الذين لا يعرفون العُرف الذي سارت عليه الأسرة الحاكمة هنا”.

التنبؤ بقيام مجلس التعاون الخليجي

خلال حواره مع الصحفي اللبناني فاروق البربير رئيس تحرير جريدة السياسة اللبنانية في 11 يناير 1974 أشار جلالته غفر الله له خلال إجابته عن سؤال حول نظرية الأمن وعلاقات حسن الجوار بأنه ” سنسعى إلى المزيد من التضامن والاتحاد بيننا وبين إخواننا العرب على ساحل الخليج لأننا نعتبر أنفسنا وحدة كاملة.. المستقبل كفيل بوضع اللمسات الأخيرة لأي نوع من الوحدة والاتحاد”، وكأن جلالته كان يتنبأ بقيام مجلس التعاون الخليجي بعد سنوات من ذلك اللقاء.

وبرأيي أن الأمر كان أكبر من عملية التنبؤ، ذلك أن جلالته – طيّب الله ثراه – كان يسعى بكل جهده إلى الوصول للتكامل والتعاون الكاملين من خلال الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي كانت تقوم بها السلطنة، ومن خلال علاقات حسن الجوار، والحرص على تهيئة الأجواء السياسية الإيجابية في المنطقة.

التبادل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي

كان الصحفي الكبير أحمد الجار الله رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية أحد أكثر الصحفيين الذين كانوا يلتقون بالسلطان قابوس – طيّب الله ثراه – ، وأجرى معه العديد من الحوارات منذ حواره الشهير في سبتمبر 1970.

في حواره الذي نشر يوم الأربعاء 11 ديسمبر 1985 توجه الجار الله بسؤال حول دهشة البعض لإعلان السلطنة عن تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي، فأجاب جلالته – رحمه الله -:” تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي جاء نتيجة اتصالات بدأها الاتحاد السوفييتي منذ سنتين تقريبا، وقد اقتربت وجهات النظر فيما بيننا في الشهرين اللذين سبقا الإعلان عن تبادل التمثيل. لقد بدأت الاتصالات على مستوى دبلوماسي، ثم استقبلت هنا بعض المبعوثين من الاتحاد السوفييتي حاملين رسالة من الرئيس الراحل اندربوف. لقد تفهم السوفييت أنهم يتعاملون مع دولة ذات أسس حقيقية في شكل تعاملها مع العالم.. والاتحاد السوفييت في نظرنا دولة كبرى في الأسرة الدولية؛ لكننا نكره أن يتدخل أحد في شؤوننا الداخلية، وقد تفهم الاتحاد السوفييتي هذه النقطة، ولذا لم يعد هناك ما يبرر عدم تبادل السفراء طالما أن هذه الدولة قد تفهمت مطالبنا”.

مخاطر عسكرية

طرحت صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية في حوارها مع السلطان قابوس – طيّب الله ثراه- الذي أعادت جريدة (عمان) نشره يوم الأحد 18 ديسمبر 1988، سؤالًا حول مدى تعرض السلطنة لمخاطر عسكرية أثناء اندلاع الحرب العراقية الإيرانية؟

وكانت إجابته – طيّب الله ثراه -: ” نعم لقد كنا في مواجهة بين حينٍ وآخر.. وكنا نقول لسلاح البحرية العُماني أن يتحلى بالصبر. كانت هناك البواخر الهاربة من نيران المدفعية الإيرانية إلى مياهنا الإقليمية، وكانت القطع الإيرانية تلحق بها وكنا نعالج الأمور في هذه الفترة العصيبة بالتروي والحكمة، لأننا لم نكن نريد إطفاء النار بالزيت. لقد مارس سلاح البحرية العُمانية أقصى حالات ضبط النفس وقد زالت هذه الغُمة الآن والحمد لله التي خيمت على المنطقة كلها”.

الجيش الخليجي المشترك

وردًا على سؤال وجّه إلى جلالته – طيّب الله ثراه – من قبل جريدة (الحياة) اللندنية في الحوار الذي نشر يوم 28 مايو 1996 حول دعوة جلالته إلى قيام جيش خليجي كبير يتكون من مائة ألف جندي والعوائق التي تعترض قيام هذا الجيش، أجاب جلالته: “طُلِبَ مني أن أقوم بدراسة عن هذا الوضع وكوّنّا بالفعل فريق عمل من كل الدول ووضعنا تصورات وأنا أعتقد أنه من منظوري أنا لا توجد عوائق إنما أعتقد أن هناك اختلافا في كيفية التطبيق وأمورا تفصيلية أخرى، أما كعائق حقيقي لعدم قيام هذا الجيش الموحّد ليست هناك عوائق لأنني أنا وضعتُ النظرية والدراسة ولم أجد أي عوائق).

كيف تشكلت أفكاره وخبراته

في سؤال لدورية (ميدل ايست بوليسي) لجلالته السلطان – طيّب الله ثراه – عام 1995عن المؤثرات والأفكار والخبرات التي شكلت شخصيّة جلالته الفذّة، أجاب: “هناك ، بالطبع ، العديد من التأثيرات التي تؤثر على الشاب وهو يتقدم نحو مرحلة النضج. في حالتي ، كان إصرار والدي على دراستي بدقة لديني ولتاريخ وثقافة بلدي بمثابة مساعدة عميقة في تشكيل بلدي الوعي بمسؤولياتي تجاه شعبي والإنسانية ككل. أيضا ، استفدت من التعليم الغربي وخضعت لنظام حياة الجندية وهو ما يمكن القول بأنه خلق لديّ توازنًا. أخيرًا ، استفدت على مر السنين من قراءة الآراء السياسية والفلسفية للعديد من مفكري العالم الأوائل. في بعض الحالات ، بالطبع ، وجدت نفسي في خلاف مع الأفكار التي عبروا عنها ، ولكن هذا الخلاف في حد ذاته قد أثبت قيمة في تطور آرائي المشكلة وفي تقديري للحاجة إلى النظر في جميع جوانب السؤال”.

 

سرّ الولاء

في سؤال للصحفي أحمد الجار الله لجلالته – طيّب الله ثراه – خلال الحوار الذي نشر في جريدة السياسة الكويتية وأعادت جريدة (عمان) نشره يوم الأحد 12 فبراير 2006، عن سر الولاء التي يحظى به في عُمان، من يوم توليه الحكم أجاب جلالته: “.. لعل الله هو الذي يحميني. إني هنا أعمل لعمان أرضا وشعبا، بل إن كل كل عملي لها ولشعبها، ولعل اختلاطي الدائم بهذا الشعب وفّر له قناعة بأن عملي محبب إليه، ومحل رضاهم… وفي الواقع فأنا لا أعمل لشيء لي بل لهم. إن متعتي هي أن أرى بلدي، وأرى شعبي بالصورة التي تخيلتها من أول يوم تسلمت فيه السلطة… إنني أشعر بأني صاحب رسالة ولست صاحب سلطة، لذلك ترى وقتي مكرسًا من أجل عمان وأهلها، ولعل سر الولاء يكمن هنا في هذه الناحية، وتحديدًا ناحية تماثلك بأهلك، وتفرغك للعمل من أجلهم. إني دائم الاختلاط بالناس، كما تعلم، وأتحدث معهم كواحد منهم. نعم … أنا من أشد المؤمنين بالضبط والربط، لكني أؤمن بما يمكث في الأرض، أي بما ينفع الناس. إني أتابع الشأن العماني بشكل حثيث”.

قلة الأحاديث الإعلامية

وفي ذات الحوار سأله الجار الله عن قلة الأحاديث الإعلامية لجلالته، وتحاشيه وابتعاده عنها فأجاب – طيّب الله ثراه-: “إني أكره المبالغة، وحتى تعليماتي لأجهزة الإعلام لا تتضمن توجيهات بعدم اللجوء إلى المبالغة، وأن يتم الحديث عن المنجزات وفق ما هو عليه حجمها، لا أكثر ولا أقل، أي أن يتم الحديث ببساطة، ثم أنا من الذي يحبون أن تتحدث الأشياء عن نفسها وأن يراها الناس كما هي من دون بهارات. أما أن نردد “سنعمل” و “سنفعل” فهذا أمر ليس من شيمنا، وأنا لا أحب الادّعاء، والحكومة هنا تعمل ضمن هذا المنظور

مزيج اجتماعي متجانس

أبدى الجار الله في حواره عام 2006 الذي أشرنا إليه دهشته من التوازن والتجانس بين النسيج القبلي في السلطنة بعكس المجتمعات المجاوِرة، فأجاب – طيّب الله ثراه – : “تاريخ الأسرة الحاكمة في عمان يسجل لها أن انتخبت سلطانا ذا ميول حيادية. ومن يومها اتسم الحكم بأنه للكل وحول الكل. هذه المعادلة التي أعمل بها. في رحلاتي الداخلية أسمع من الصغير والكبير، وليست لدينا أي تعقيدات في هذا الأمر، نحافط على وجاهة الكل الاجتماعية، ونتعامل مع الجميع بتكريم وتقدير، ونستمع إلى مطالبهم ويستمعون إلى مرئياتنا، ولا توجد بيننا أي منغصات.. هذا هو سر المعادلة، حفظ كرامة كل شخص كما يجب، إعطاء كل ذي حق حقه لجهة التقدير. نحن نحافظ على كرامة الجميع، وعلى وجاهاتهم الاجتماعية، والتي هي جزء من خصوصيتنا”.

جامع السلطان الأكبر

سأل أحمد الجار صاحب الجلالة في حواره معه يوم 28 أبريل 2008 عن اهتمام جلالة السلطان ببناء المسجد الكبير وزيارته له وتأديته الصلاة فيه، وعن كونه تحفة فنية وروحانية؛ فأجاب – طيّب الله ثراه -: “الدول بلا أسس روحانية هي خواء وليس هناك أهم من الجانب الروحاني في بناء الأمم، فهي التي توجد التماسك والتلاحم، وهي التي تخلق أجواء السماحة والأمان والسلوك الحسن، وهناك دول قامت بلا روحانيات وغابت، وارجع إلى تاريخ الأمم سواء السحيق أو المعاصر، فمن الذي انتهى؟ إنهم الذين كانوا بدون عقيدة، ولنأخذ مثلا.. الأيديولوجية الشيوعية ألم تنته؟ لأنها استمدت عملها وهيكلها من ماديات أرهقت الإنسان وحولته إلى ماكينة بلا رحمة”.

صفر خلافات

عندما سأل أحمد الجار الله في ذات الحوار صاحب الجلالة حول عدم وجود خلافات لدى عمان مع دول الإقليم ولا حتى مع العالم.” أجاب جلالته – طيّب الله ثراه – : “ليس لدينا أي خلافات، وأيضًا نحن لا نصب الزيت على النار في أي اختلاف في وجهات النظر مع أحد.. عندما اختلفنا حول مقاطعة مصر ذاك الوقت كان لنا وجهة نظر لم نفرضها على الآخرين، ولم ننتقد كذلك الآخرين على اجتهاداتهم، وتركنا للزمن الحكم على مرئياتنا ومرئيات غيرنا.. ليس لنا أي منغصات مع أحد لا في الإقليم أو خارجه.. نحن دولة سلام وحتى كما قلت أنت في أحد أسئلتك إذا ما غضبنا فإننا نغضب في صمت، والزمن كفيل بحل المشكلات، وكلام ربنا يقول: “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”.

هل تحققت طموحات جلالته في بناء النهضة العمانية!

قال له أحمد الجار الله: هل تحققت طموحات جلالتك في بناء النهضة العمانية؟، فأجاب جلالته: “قلت لك في هذا الحديث بأن النفوس إذا كبرت تعبت في مرادها الأجسام.. حتى الآن لا نشعر بالتعب.. أمامنا الكثير من العمل.. طموحاتنا كبيرة وكثيرة.. لسنا أمام نقصان, بل أمام اكتمال.. لدينا الكثير للعمل، فالشعب العماني الطيب إذا عمل عملا أحسنه, وهذا ما يريح قلبي ويفرحني, لعل الله أراد بناء الخير، حيث مسار النهضة مستمر, وأُكلُها يعطي ثماره دائما”.

لنفسك عليك حق!

سيدي صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد لنفسك عليك حق.. ماذا تعطي لنفسك؟

“راحتي ليست في البعد عن العمل الذي أحبه ويقال سعيد من هوايته مهنته. قلت لك سابقًا إن المنصب تكليف لا تشريف ونحن أصحاب رسالة أحببناها.. أجد متعتي وراحتي في نهضة عمان.. إننى عندما أشعر بمتاعب الروتين اليومية  – هذا إن حدث – فإن متعتي وراحتي في التحرك الميداني حيث أجوب الأقاليم وأختلط مع الناس.. أعيش حياتهم وأسمع شكواهم وأتطلع إلى مسار نهضة بلادنا وسرعة الإنجاز فيها… هذه أعتبرها إجازة وراحة كبرى للنفس كما إننى لا أشكو من حاجة ولله الحمد.. هذه البلاد وشعبها وفروا لولي الأمر كل ما يريحه لإكمال رسالته”.

المراجع:

  • أبو عون، ناصر محمد. صحفيون في بلاط صاحب الجلالة، ط2،دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمّان، 2015.
  • موقع صاحب الجلالة السلطان قابوس، اللقاءات الإعلامية لجلالته، http://www.sultanqaboos.net/
  • جريدة الحياة اللندنية، العدد 12146، الثلاثاء 28 مايو 1996
  • – Anne Joyce. Interview With Sultan Qaboos Bin Said Al Said , volume III, April 1995, Number 4 , https://mepc.org/node/4882

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock