د.رجب العويسي يكتب: خطاب جلالة السلطان والدلالات التي يحملها بشأن التعليم

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في الخطابين الساميين اللذين تفضل بهما مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه ، في الحادي عشر من يناير والثاني والعشرين من فبراير ، إشارة واضحة صريحة للتعليم وحضور واسع له في بنية الخطاب، حيث ورد في الخطاب الأول لجلالة السلطان ما نصه:”  وأقام هياكل ثابتة ودائمة للتعليم بجميع مستوياته وتخصصاته، فنهلت منه الأجيال وتشربت علمًا ومعرفة وخبرة،  ” ، كما أعطى الخطاب السامي الثاني نسق التعليم  أولوية  في بناء عمان المستقبل ورؤية واهتمامات القيادة الحكيمة، وقد ورد  في النطق السامي لجلالته:” وإن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية ، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة. “، وبالتالي ما يطرحه ذلك من تساؤلات ونقاشات، فلماذا كان للتعليم هذا الاهتمام في الخطاب السامي، وما الدلالات التي يحملها، وكيف يمكن أن يشكل التعليم مدخلا استراتيجيا لعمان المستقبل، وما الموجهات التي يجب على التعليم أن يعمل على تحقيقها لضمان قدرته على وضع الثقة السامية فيه محل اهتمام وعمل يظهر في سياساته وخططه وبرامجه ومبادراته ؟.

على أن ذكر التعليم  في الخطابين مرتبط  بالبنية الداخلية والمنظومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيمية والهوية والمواطنة والأمنية، والشباب ، تأكيد بما يمثله التعليم  في مسيرة البناء والتطوير ونهضة الأمم وتقدمها وبناء الوعي وصناعة المسؤولية ، باعتباره محطة أساسية  في المحافظة على هذا الرهان الوطني ممثلا في شباب الوطن، ليكونوا على مستوى من القوة والكفاءة والفاعلية ، وشاهد اثبات على هذا التناغم بين  التعليم  وبناء الانسان القادر على صناعة الفارق وإنتاج القوة في نفسه ومجتمعه وقراراته وأفكاره، وللقناعة بما يشكله الشباب من قيمة مضافة في اقتصاديات التنمية والاستثمار في الرأسمال المال الاجتماعي البشري؛  كون التعليم أداة بناء الشباب وصقل مواهبة وتعظيم القيمة الاستثمارية في موارده وممكناته وامكانياته ومهاراته واستعداداته، والموجه لإرادته، والممكن لهم في اكتشاف جاهزيتهم الفكرية والنفسية والمعنوية والأدائية بما يوفره من أطر فكرية وأخلاقية ومعرفية ومهارية تعمل على بناء قدراته وصقل خبراته في إدارة متطلبات الواقع والعيش في عالم متغير، وبالتالي الفرص التي يمتلكها التعليم في تأصيل هذه المعاني في فقه الشباب وترجمتها في سلوكه ومبادئه، بما يعبر عن التزامه مسار الجودة ووصوله إلى مستوى الكفاءة،  وفي الوقت نفسه فإن ترجمة مبادئ التعليم وأطره وتعميق الوعي بفلسفته في المجتمع؛ بحاجة إلى الشباب المعطاء المقدام الواعي بمسؤولياته والقادر على ترجمة  مسارات التعليم في واقعه الحياتي، نماذج عمل راقية ومحطات عطاء متتالية، وقدوات وأخلاق تنطلق بحماس وشغف في عالم العمل والإنتاج، فيصنع من هذا التكامل والاندماج فارقا في الأداء الوطني تظهر في القيمة التنافسية التي يحملها الشباب نحو وطنه ولاءً وانتماء وإخلاصا ومسؤولية .

إنّ التعليم المنتج عالي الجودة الذي يستلهم من النطق السامي مسار عمله ومسيرة نهضته، هو بوابة الدخول للمستقبل، والطريق لصناعة الوظائف وتحقيق النمو الاقتصادي المتوازن، وبناء القدرات وتمكين الانسان والتثمير فيه، لرسم معالم التحول ونقل عمان الى المنافسة والإنتاجية ، فإن تعظيم القيمة المضافة للتعليم والاستثمار في المورد البشري  يصنع من انموذج التكامل بين التعليم والواقع مسارات بناء القوة وإنتاج الفرص وتعظيم قيمة التنافسية في المورد البشري ، فيصبح التعليم استراتيجيات حياة تتناغم مع البناء الفكري والمهاري والأخلاقي والقيمي للمواطن ، كما  أنه مؤثر قوي في صناعة المنافسة وترسيخ معايير الكفاءة وتعزيز منصات الإنتاجية وتقوية أرصدة النجاح بما يكسبه من وضوح في الأدوات وكفاءة المعايير ومنهجية واضحة في العمل المسؤول، ولذلك لا يمكن تصور بناء مورد بشري كفء قادر على تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتأصيل روح المسؤولية بدون تعليم عالي الجودة  متناغم مع معطيات الحالة العمانية متجاوز الشكليات يبحث في العمق ويعزز من  المهارة ويبني الموهبة ويؤصل المنافسة ويصنع الفارق، وهي الموجهات التي رسم  الخطاب السامي لجلالة السلطان ملامحها وأكد عليها بين سطوره – وأن قدرة التعليم على الوفاء بالتزاماته وتقديم الحلول الاستراتيجية والمبادرات النوعية  للتحديات المختلفة  مدخلات استراتيجية  تصنع منه مدخل قوة وممكن وطني  من الدرجة الأولى في استلهام موجهات التطوير، وعندما يمتلك التعليم الأدوات اللازمة والخطط الواعدة والمنهجيات الرصينة والثقافة النوعية ويكسب مخرجاته مهارات العصر وزيادة، ويؤسس لبناء الوعي  وخلق الدافع وصقل المهارة واكتشاف الموهبة ، وقدرته على استنطاق قيم الأجيال وترقية نوازع الخيرية فيهم وتصحيح الأفكار المغلوطة لديهم وبناء الانسان الانموذج، عندها  تصبح النتائج محققة للآمال قادرة على رسم ملامح التحول واقعا عمليا ملموسا واستراتيجيات أداء واضحة المعالم،  كما أن  تأخر التعليم في استدراك هذه المهام  وبطئه في اللحاق بركب التقدم العالمي والتكيف مع المعطيات والاستباقية في ابتكار الأدوات وتقديم الحلول؛  سوف تنعكس سلبا على كل مجريات العمل الوطني وتحقيق مضامين الخطاب السامي في الواقع.

لذلك جاء الخطاب السامي  لجلالة السلطان بوصلة لتوجيه التعليم وتنويع مساراته وتصحيح أرضيات بنائه وتعميق روح المسؤولية فيه، بما يعنيه ذلك من مراجعة مقننة ملزمة لسياسات التعليم وخططه وبرامجه تتسع لكل أنواعه وهياكله وتخصصاته ومستوياته، وأليات صنع القرار التعليمي، وتمكين مجلس التعليم من ممارسة صلاحيات الرقابة والمحاسبية والضبطية وفق قواعد وأدوات عمل وطنية معتمدة، لتتناغم مع طبيعة المرحلة، تأخذ في الحسبان كل ممكنات القوة ومحفزات الأداء،  مستفيدا من الفرص  التي ضمنت للتعليم مسارات الجودة والفاعلية والاضافة عليها وإعادة هيكلتها بطريقة تضمن عدم تشتت الجهود أو تنازع الاختصاصات أو ترهل الصلاحيات أو النزوع إلى الممارسة التعليمية المتكررة وحالة الفاقد والهدر التي يعانيها التعليم في موارده، وتوجيهه إلى أولوياته وما تتطلبه عمان الحاضر والمستقبل منه، فإن الوصول إلى تحقيق الرؤية السامية في التعليم تستدعي وضع التعليم أمام مختبر عملي ومجهر يكتشف سوءته وجوانب الخلل فيه ويرصد محطات القوة التي يمتلكها والأولويات التي يجب أن يركز عليها ، والاستراتيجيات التي يفتقدها ، وتقليل فاقد العمليات المتكررة الناتجة عن البيروقراطية والازدواجية في عمل مؤسساته، وهاجس المخرجات ومواءمتها لسوق العمل ،  مراجعة  شاملة ودقيقة وعميقة  في تفاصيله وممارساته وأدواته واليات عمله، وتأكيد مبادئ المحاسبية والمساءلة وترقية روح النزاهة والمعيارية وأخلاقيات العمل ومبادئه في سلوك القائمين عليه والممارسين له، والتجديد والتطوير في هياكله وصلاحياته ومهامه ، ويبني مؤشرات واضحة  لأدائه وأليات عمله .

ويبقى التعليم في رؤية  جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه لبناء عمان المستقبل، الحلقة الأقوى في توفير أدوات المعالجة، وابتكار مستلزمات وحلول  الواقع الوطني، وانتهاج سياسات أكثر مهنية وابتكارية وتطبيقية ترفع من سقف التوقعات فيه  كبوابة لعمان المستقبل ، والذي يقع عليه واجب بناء القدرات الوطنية الكفؤة، ولقد ورد  في معرض ذلك ”  تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والخبرات والكفاءات الوطنية، واستيعاب أكبر قدر ممكن من الشباب ، وتمكينهم من الانخراط في سوق العمل ؛ لضمان استقرارهم ، ومواكبة تطلعاتهم ؛استكمالاً لأعمال البناء والتنمية.”، وهي الموجهات التي يجب أن يعمل التعليم  على تحقيقها في أجندته القادمة، بما يعني تحولا استراتيجيا في فلسفة التعليم وأدواته وألياته وطرائق الإنجاز وتمكين أجندة المحاسبية والمساءلة والحوافز ومنظومة الإصلاحات التعليمية من الغوص في النسق التعليمي وإعادة هيكلته وتنظيمه وتأطيره وضبط مدخلاته وعملياته وتجويد مخرجاته، للوصول بهم إلى استحقاقات التنافسية العالمية، وتقوية حافز العطاء لديهم وترسيخ جانب الكفاءة في مبادراتهم ، والثقة في قدراتهم واستعداداتهم في تنفيذ مشاريعهم الاقتصادية  والاستثمارية، في ظل تعظيم القيمة المرتبطة بمفاهيم الموهبة والابداع والابتكار والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال ، فيتعامل معها بروح معطاءة، وفكر واثق، ورؤية متناغمة مع التغيير، تنتج خلالها مؤسسات التعليم الأكاديمي والمدرسي والتقني والمهني والفني وغيرها، حلول عملية ومبادرات أصيلة في مجال التنويع الاقتصادي والبحث العلمي والابتكار وبناء القدرات، وصناعة الريادة المهنية، والتجديد من المنجز الحضاري الوطني والمحافظة عليه، مستوعبا لمعايير ثقة المواطن في التعليم،  وأولويات الإنجاز المطلوبة منه. فإن على النسق التعليمي الوطني اليوم بكل قطاعاته ومؤسساته ومجالسه ولجانه أن يجنّد نفسه لهذه المراجعة ويبادر لنسج خيوطها وبسط أطرها ومحاورها في الواقع بكل شفافية ووضوح.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock