بالوثائق والصور: مقابر مسيحية في عُمان

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

عرفت عمان بحكم موقعها الجغرافي المتميز، وتواصلها الحضاري الدائم مع الشعوب والقوى القريبة والمؤثرة في المنطقة، علاقات حضارية وسياسية واقتصادية مع شعوب عديدة، وهجرات من قبل فئات عديدة بعضها يتبع لأعراق وديانات مختلفة، ومع ذلك فقد كان التسامح والتعايش السلمي هو العنوان لتلك العلاقات، ووجدت جاليات غير مسلمة كانت تعيش في جو من الأمن والتسامح الديني، وكان كثير من هؤلاء يمارسون شعائرهم وطقوسهم بحرّيةٍ دون تدخلٍ أو مضايقاتٍ أو محاولات منع في الغالب.

ومن بين الأمثلة الحديثة على أشكال ذلك التسامح بحسب ما يشير الباحث فهد الرحبي وجود جالية من الهنود البانيان وهم من الديانة الهندوسية تقطن في مسقط ضمن أحياء سكنية على هيئة تجمعات يطلق عليها “محلة البانيان”، وكانت لهم حياتهم الاجتماعية الخاصة، فيمارسون فيها شعائرهم الدينية، وكان لهم في عمان أكثر من معبد أقدمها معبد في قلهات، ولهم معبد في مسقط، كما كان لهم مكان لحرق موتاهم وفق معتقداتهم، كما مارسوا الاحتفالات بأعيادهم الخاصة ومن أهمها عيد رأس السنة الهندوسية، وعيد الهولي.

كما أن كتب الرحالة الغربيين زاخرة بالعديد من الإشارات عن تسامح العمانيين، وعن احترامهم للغريب وترحيبهم به، بل إن المنصّر زويمر يشير إلى أن العمانيين في إحدى رحلاته لساحل الباطنة عام 1900 أعطوهم مسجد القرية ليعالجوا فيه المرضى ويقضوا به الليل.

ومن أدلة التسامح الديني وجود أربع مقابر للمسيحيين في مسقط من بينها 3 مقابر أنشئت ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي المقبرة الكاثوليكية بالقرب من الإرسالية الأمريكية في مسقط، ومقبرة “سا علي كوف” أو المقبرة القديمة، ومقبرة” شيخ جابر كوف” أو المقبرة الجديدة، والأخيرتان متجاورتان.

كما توجد مقبرة أخرى افتتحت مع بداية سبعينات القرن العشرين ودفن فيها بدايةً بعض ضحايا حرب ظفار من الإنجليز، ثم أصبحت مقبرة عامة لعموم المسيحيين، كما أن هناك إشارات لوجود مقابر في بيت الفلج ومصيرة، وبرغم الرسائل المتعلقة بتلك المقبرتين فلم يتسن لـ “أثير” التأكد التام من حقيقة إنشاء تلك المقابر من عدمه.

وخلال الاطلاع على بعض الأراشيف الانجليزية التي تناولت منطقة الخليج ومن بينها عمان ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر نجد أن هناك إشارات إلى تلك المقابر وما يتعلق بها من خلال عدد من الملفات التي تحوي عددًا من الرسائل والمخاطبات والرسومات.

ففي مكتبة قطر الرقمية يشير الملف IOR/R/15/6/68الذي يغطي الفترة ما بين 6 فبراير 1901 إلى 28 أكتوبر 1902 إلى زيارة لمسقط قام بها سيادة القس الأسقف ليفروي لتدشين المقبرة المسيحية في مسقط سنة 1901، ولا يوضح التقرير المقبرة المقصودة.

كما يشير الملف 454IOR/R/15/6/ وهو خاص بالفترة ما بين 30 نوفمبر 1912 حتى 14 أغسطس 1936، إلى مراسلات بين مسؤولين بريطانيين بخصوص المقابر الأوروبية أو المسيحية في مسقط، من حيث صيانة تلك المقابر بشكل عام، كما يرد عدد من قوائم الأفراد المدفونين في المقابر الأوروبية الجديدة والقديمة.

أما الملف 455 IOR/R/15/6/ الذي يعود إلى الفترة ما بين 18 سبتمبر 1936 وحتى 19 نوفمبر 1948 فيشير إلى مراسلات تتعلق بحالة المقابر المسيحية الثلاث في مسقط وصيانتها، ومراسلات بين الوكالة السياسية في مسقط وهيئات خارجية بخصوص شراء سلاسل للمقبرة، ومراسلات أخرى مع نظارة الشؤون الخارجية بمسقط بشأن شواهد قبر مسروقة يتم استخدامها كأرضية في بيت بالقرب من مطرح.

كما توضح المراسلات خريطة للمقبرة الكاثوليكية بالقرب من الإرسالية الأمريكية في مسقط.

المقبرة القديمة

بحسب الاطلاع على الموقع الجغرافي للمقبرتين يبدو أن المقبرتين تقعان في ذات المنطقة خلف سداب وقريبًا من مدينة مسقط القديمة، خلف حلّة التكية، ويمكن الوصول إليهما من مسقط عن طريق مسار جبلي خلف حارة ولجات، أو من سداب، لكن الطريق البري هو طريق غير محدد المعالم أسفل تل شديد الانحدار، وفي حالة الاقتراب عن طريق البحر، يحتاج الأمر لملاح ماهر وذلك بسبب وجود الشعاب المرجانية، وقد ضمت هاتان المقبرتان رفات عدد من جنود جيوش الكومنولث التي خاضت الحرب العالمية الأولى.

تُعرف المقبرة القديمة محليًا باسم Sa’Ali Cove أو Cove Christian Cemetery ، ويوجد بها حوالي 19 قبرا تضم رفات 21 شخصًا، أقدمها قبر المهندس الكسندر كيرستينج الذي دفن عام 1866، وهو مهندس ولد في هانوفر بألمانيا، وأحدثها قبر ويليام ميريفيلد ويعود لعام 1922.

ومن أبرز الشخصيات المدفونة في هذه المقبرة: تومالس فالبي المطران والمبشر الفرنسي الذي توفي عام 1891 بعد إصابته بضربة شمس أثناء سفره من مطرح إلى مسقط، وكان ينوي القيام بأعمال تبشيرية في المناطق الداخلية، ويقع القبر في قاع الوادي الضيق الذي تحيط به الصخور السوداء، ويتم الوصول إليه على متن قارب، وبحسب الباحث منتظر حسن اللواتي فإن المطران المشار إليه كان بريطانيًا، وكان المطران الأول للاهور، وقبره يختلف عن بقية القبور حيث إنه بني من الرخام بخلاف البقية.

كما يوجد قبر الوكيل السياسي البريطاني الفريد واي الذي دفن عام 1871. 

المقبرة الجديدة

تعرف مقبرة مسقط البحرية الجديدة، التي زارتها “أثير” في مارس الماضي محليًا باسم شيخ جابر كوف (يشار إليها أحيانًا باسم المقبرة الشرقية كوف أو كوف المسيحية)، ويوجد بها 10 قبور ودفن فيها 13 شخصًا منهم قبر ألبرت إدوارد وود ودفن عام 1921، وقبر ويليام ويلز طوماس ويعود لعام 1971، وهو ابن الطبيب التبشيري شارون، وكان قد أوصى – بحسب إشارة الباحث منتظر اللواتي- بدفنه في ذات المقبرة خلف قبر والده.

 ومن أبرز الذين دفنوا بالمقبرة الطبيب التبشيري شارون والد الدكتور طوماس، الذي دفن في المقبرة في عام 1913، وممن دفن في المقبرة كذلك الدكتور موريس الفرنسي الذي كان يعمل جراحًا في مستشفى طوماس، ودفن عام 1967.

وبحسب الباحث الدكتور علي محمد سلطان فإن القس (كابندجر) كان يقيم القداس على الموتى قبل دفنهم في المقبرتين. 

مقبرة ميناء الفحل

توجد مقبرة للمسيحيين في منطقة رأس الحمراء،  ويمكن الوصول إليها من شارع رأس الحمراء في الاتجاه نحو نادي الترفيه التابع لشركة تنمية نفط عمان، إلى اليمين من تقاطع شارع فهود حيث تقع بين بعض التلال هناك.

ويبدو أن المقبرة استخدمت لأول مرة عام 1972 خلال حرب ظفار، حيث تم دفن العديد من الجنود البريطانيين ، وكثير منهم من ضحايا حرب ظفار، وعادة ما يتم الاحتفال في 11 نوفمبر من كل عام لتذكر الجنود الذين سقطوا في الحرب، وتمت زيارة المقبرة من قبل جمعية قدامى المحاربين البريطانية في عام 2010.

والمقبرة غير مقتصرة على العسكريين فقط، فهناك العديد من شواهد القبور التي تشير إلى أشخاص مختلفي الجنسيات من ذوي الديانة المسيحية يتم دفنهم هناك.

مقبرة بيت الفلج 

بحسب المراسلات الانجليزية الواردة في الملف رقم FO 1016\729 الذي يعود إلى عام 1961 والمحفوظ في الأرشيف الرقمي للخليج العربي، فإن السلطان سعيد بن تيمور أذن بإنشاء مقبرة في منطقة بيت الفلج، وذلك بسبب امتلاء المقابر المسيحية الأخرى في مسقط، وتم الإشراف على بناء  المقبرة من قبل أسقف القدس عام 1959، وتم بناء بوابة المقبرة على نفقة السلطنة، وتقع مسؤولية صيانتها على عاتق وزارة الدفاع، وتتكفل حكومة بريطانيا بتوفير شواهد القبور.

مقابر في صلالة ومصيرة

توضح المراسلات الانجليزية الواردة في الملف 87FO 1016\7 خلال الفترة من مارس عام 1963 وحتى ديسمبر عام 1964 رغبة الانجليز في الحصول على أراضٍ لتحويلها إلى مقابر في كل من صلالة ومصيرة، ففي صلالة اقترح السلطان سعيد بن تيمور موقعًا في ريسوت على شاطئ منعزل عن البحر، لكن قائد القاعدة الجوية بصلالة ، كتب في 12 يوليو 1964 رسالة إلى القنصل البريطاني بمسقط أن المسّاح الذي عاين المكان يرى أن الموقع غير مناسب لأنه في فترة الخريف وعند ذروة هبوب الرياح الموسمية سيغطيه الموج ومن الصعوبة الدفن فيه، كما أن أرضية المكان صعبة الحفر، بالإضافة إلى بعده بحوالي 14 كيلومترًا عن القاعدة الجوية،  ويكاد يتعذر الوصول إلى المكان خاصةً عند إقامة القداسات، وطلب من القنصل في مسقط مخاطبة السلطان على أساس إعطائهم موقعا بديلا في مقبرة ريسوت مع توسيعها وعزلها عن أماكن قبور المسلمين.

وتم الرد على ملاحظات بتاريخ 13 يوليو 1964 بعدم وجود جدوى من مخاطبة السلطان لأن موعد رحلته إلى بريطانيا اقترب، فالأفضل مناقشة الموضوع مع القنصل العام عند زيارته لصلالة، مع العلم أن موقع الدفن في مسقط على لسان صغير من البحر وصعوبة الوصول إليه عن طريق البحر، ولو تم طلب أرض أخرى من السلطان، فقد يرد بأن الأرض مشابهة لموقع الدفن في مسقط.

وكانت هناك رسالة بتاريخ 22 فبراير 1964 من قبل القنصل البريطاني في مسقط دونكان إلى قيادة القوات الجوية البريطانية في الشرق الأوسط توضح أن  السلطان يرى أنه بما أن موقع ريسوت به مدافن للمسلمين فمن غير المقبول أن يكون فيه مدافن للمسيحيين، وعلى الضابط الذهاب لوالي ظفار ويخبره بأنه ناقش الأمر مع السلطان، وأن السلطان أمر بالتنسيق مع الوالي بخصوص العثور على قطعة أرض بديلة.

أما بالنسبة لمصيرة فهناك رسالة تعود لتاريخ 13 ديسمبر 1964 موجّهة من ساندرز ضابط الأراضي في مكتب أراضي وزارة الدفاع بمنطقة الخليج الفارسي ومقره البحرين إلى دنكان القنصل البريطاني بمسقط يشير فيها إلى أن وزارة الأشغال العامة أبلغته أنهم مخولون لبناء مقبرة مسيحية صغيرة داخل أراضي منطقة مصيرة وأبلغوه بحصول القنصل على موافقة السلطان على ذلك، ويبدو أن في هذه الرسالة إشارة إلى رسالة بتاريخ 5 فبراير 1964 كان القنصل البريطاني بمسقط قد وجّهها إلى قيادة الشرق الأوسط وأوضح فيها إذن السلطان بإنشاء مقابر في ريسوت ومصيرة، وأن تحديد موقع مقبرة مصيرة كان صعبًا بسبب طبيعة الأرض لكنهم عثروا على منطقة مناسبة، وأنهم ينتظرون الإذن للتأكد من أنها لا تنتهك مجالات التطوير المستقبلية.

المراجع

  1. الرحبي، فهد بن محمود. عمان في عهد السلطان فيصل بن تركي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2018.
  2. مكتبة قطر الرقمية. الملفات IOR/R/15/6/68، 454IOR/R/15/6/، 455 IOR/R/15/6/
  3. الرشيف الرقمي للخليج العربي. الملف رقم 87FO 1016\7، والملف رقم FO 1016\729
  4. https://www.gravestonephotos.com/public/country.php?country=OM
  5. https://www.facebook.com/muntadharhassan.allawati، صفحة منتظر حسن اللواتي، منشور بتاريخ 23 فبراير 2020
  6. مداخلة للباحث الدكتور Ali Mohd Sultan ضمن المنشور السابق بذات التاريخ.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock