مخاوف من انهيار معالم مرباط القديمة أو إزالتها

مخاوف من انهيار معالم مرباط القديمة أو إزالتها

سعيد بن خالد العمري- باحث عُماني

مرباط أنشودة التاريخ والأدبِ
ومربط الخيل في الأزمان والحقبِ
سلوا الصحائف عن مرباط إن لها
ذكرا هنالك في الأسفار والكتبِ ….

مرباط ميناء اللبان الذي كان يحمل منها إلى سائر البلدان كما ذكر الإدريسي (ت ٥٦٠ه‍)، وفرضة ظفار كما وصفها ياقوت الحموي (ت ٦٢٦ه‍)، ومركز تجارة الخيل ومرابطها كما ذكر ابن المجاور (ت ٦٩٠ه‍) ، ذكرت في السجلات الصينية القديمة باسم بلاد المر واللبان ، واحتلت مكانة بارزة في التاريخ العماني القديم والحديث .

تشد الزائر وتثير السائح فيوثق جمالية معمارها بكاميرته، فتبعث الذكرى والشجن والحنين إلى الماضي الجميل ، فهنا بين دوربها أناخت قوافل اللبان الحوجري، وفي بندرها رست مراكب ومحامل تحمل بضائع الشرق والغرب، ولا تزال الفرضة تحكي قصص الأسفار والبحارة ، وتكاد تسمع في ساحاتها أصداء الدان واللانزيه والهيريابوه والخيبعان ، وبين تلك النوافذ العتيقة والأبواب الغليقة قصة مدينة عريقة .

واليوم تنتابنا الحسرات على إرث على وشك الضياع اغتاله الإهمال في غفلة منا أو تغافل، فداهمتنا الأنواء كجرس إنذار ورسالة تحذير إذا لم نتحرك سريعًا فسنفقد مدينة تاريخية تمثل متحفا مفتوحا ستصبح أثرا بعد عين.

والحديث هنا عن مرباط القديمة التي تأثرت تأثرا بالغا بالأنواء المناخية الأخيرة التي تسببت في انهيار عدد كبير من بيوتها التاريخية ، وما تبقى يكاد أو يوشك إن لم نتداركه ، والآثار متفاوتة بين المنهار والآيل للسقوط والمتصدع والمتشقق ، والذي أفلت مما سبق لم يفلت من تجاوزات العمالة الوافدة ولصوص التحف والآثار وهنا عن النوافذ والسدد حدث ولا حرج !.

بيت القصيد .. هناك خطط وتصورات موضوعة من الجهات المعنية لترميم منطقة مرباط القديمة وتجميلها وإنارتها لكن لا نعرف أين توقفت ولماذا ؟!

بيت نزوى أو بيت بن سيدوف الأثري أعلنت مناقصة لترميمه وبدأ تنفيذ المرحلة الأولى منه سنة ٢٠١٦م ولا تزال المرحلة الثانية متوقفة وبحسب بعض المسؤولين بوزارة التراث والثقافة البيت مطروح للاستثمار ليشمل الترميم والتوظيف !.
وهناك أيضا خطة لترميم الواجهة البحرية لمرباط القديمة وسوق مرباط التراثي والمخططات والتصميمات موجودة !، تصريحات متتالية ومخططات متوالية ولا يزال الموضوع يراوح مكانه ، لكن لا ضير ما فات شيء بعد وإن كان قد ، وما لا يدرك جله لا يهمل كله .

بالإمكان وضع خطط ودراسات جديدة تتماشى مع الأوضاع المستجدة ، وهناك حلول ومقترحات من الخبراء والمعنيين منها على سبيل المثال أن تتقاسم الحكومة وملاك البيوت في مرباط القديمة تكاليف الترميم بنسب مقبولة ومريحة لكل الأطراف ، أو أن يكون الحل كما هو معمول به في بعض الدول يتم تسليم مثل هذه المواقع الأثرية إلى منظمات أو هيئات عالمية تُعنى بها ، أو أن يتم طرح هذه البيوت للاستثمار من قبل القطاع الخاص لشركات متخصصة في هذا المجال باتفاقيات وعقود وضوابط تضمن حقوق الملاك سواء بالتعويض أو الانتفاع بإشراف مباشر من الجهات المختصة .

ومن الحلول المقترحة منح ملاك البيوت القديمة قرض ترميم وفق آلية محددة على غرار قروض المساعدات الإسكانية مع آلية تضمن التنفيذ والإنجاز ، وحماية موقع مرباط القديمة بسَّن قوانين تفرض الالتزام بنمط العمارة التاريخية ، كما يمكن الاستفادة من بعض البيوت الكبيرة واستخدامها نزلا سياحية أو مطاعم على الطراز التراثي المحلي ، وفرض رسوم سياحية يستفاد من إيراداتها في أعمال الصيانة والخدمات ، وهناك ولا شك تجارب ناجحة داخلية أو خارجية في هذا الجانب يمكن الاستفادة منها .

وهناك بالتأكد حلول أخرى كثيرة والمجال مفتوح للدراسة والتخطيط للوصول إلى الصورة الأمثل التي تحقق الحفاظ على هذه المدينة التاريخية وتنقذها من براثن الانهيار وغوائل الاندثار ، لكن المسألة تحتاج تحركا سريعا على الأرض قبل فوات الأوان، فالأنواء مؤخرا أصبحت تتلاحق والخطر يتفاقم مهددا مرباط القديمة وبيوتها الأثرية ، ونخشى أن نصل إلى النقطة التي لا نتمنى أن نصل إليها وهي الحل الأخير ، الإزالة الكاملة ، الذي بدأت للأسف ملامحه تلوح في الأفق ، وإذا وصلنا – لا قدَّر الله – إلى هذا الحل الذي يشبه الموت الرحيم ، فهل سنتمكن من إقامة مدينة أثرية نمطية بديلة تعرَّف الأجيال بتاريخ المدينة التاريخية المزالة ؟! أم سنتركها عرضة لجشع السماسرة وتداول العرض والطلب في سوق العقارات الذي يرحب بالربح والفائدة ولو كان أجنبيا ؟!.

في أوروبا لا تزال في قلب العواصم والمدن العصرية أحياء وحارات من القرون الماضية تعمل حكوماتها على الحفاظ عليها وصيانتها وحمايتها وتعد من أشهر معالمها السياحية فيها ، وعندنا مدن كاملة ضاربة في أعراق التاريخ تحتاج منا الاهتمام والعناية ، فتاريخ كل أمة يحدد هويتها ، وتراث كل بلد يمثل قيمه وعنوانه .

نتمنى أن نرى ذلك اليوم الذي تعود فيه مرباط القديمة ومثيلاتها في عمان نابضة بالحياة وقد اكتملت فيها خطط الترميم والتطوير على أرض الواقع ، فتكون كما أنشد شاعرها – عمر بن عبدالله محروس الصيعري – في احتفالية عام التراث سنة ١٩٩٤م :
يا موطن الروح بين البحر والجبلِ
ومربط الخيل في أيامها الأولِ
مرباط تاريخها يُحكى على مهلٍ
فالدهر لا يُقتفى يوما على عجلِ
يا سائلا عن بلاد ليس يعرفها
يحكي لك البحر تاريخا على مهلِ

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock