محمد الوهيبي يكتب عن “ذهب الكلام وفضة السكوت”

محمد بن علي الوهيبي- كاتب عماني

لا شك أننا نملك فصاحة اللسان، وفي علم الكلام نحن أهل سحر وبيان، وعبر تاريخ طويل تناقلت الأجيال حكمًا وأمثالًا لا حصر لها وتُعدّ هذه الحكم والأمثال وثائق تاريخية واجتماعية تنقل لنا خبرات المجتمعات وتجارب الأمم السابقة، إلا أن بعض من هذه الحكم والأمثال أدى إلى إلجام العقول وتحجيمها.

وسأورد لكم بعضًا مما جاء في باب تفضيل الصمت والسكوت لمن أراد العيش بأمن وسلام تاركًا النقاش والحوار الذي سيوصله إلى الحقيقة، ولست هنا بصدد البحث عمّن سعى إلى ترسيخ هذه الحكم والأمثال، وإلى ماذا كان يهدف من وراء ذلك الترسيخ؟!

وربما لدى البعض أمثال وحكم أخرى في هذا السياق، من جانبي سأذكر على سبيل المثال:
“إذا كان الكلام من ذهب فالسكوت من فضة”
“الزم الصمت إن أردت النجاة”
و”من خاف سلم” و ” روح بعيد تعال سالم”
“وادفن رأسك في الرمال”
وأخيرًا وليس آخرًا:
“اعمل نفسك ميتا”

وكما ذكرنا أن هناك من طبّقها وعمل بها مفضلا مبدأ السلامة وتجنب المتاعب. وأيضا هناك من يفضل السكوت بعد أن يتعب من الكلام والمجاراة، لكن في المقابل أليس الصمت لغة أهل القبور؟ أليس بالحوار والنقاش يُعرف المجتمع إلى أين يسير؟ وكيف حدثت بعض الأشياء؟ ثم أليس من حقنا أن نحصل على الجواب المقنع بعد كل سؤال نطرحه؟! أم أن ما يحدث أمامنا لم يعد يشبهنا ولا علاقة لنا به؟

وفي هذا السياق تحضرني مقولة تُنسب للجاحظ: “بالكلام أرسل الله أنبياءه لا بالصمت”. كل ما سبق سيجعلني أتحدث عن موقف أراه ماثلا أمامي في اليوم أكثر من مرة، وألح عليَّ كثيرًا كي أكتب تساؤلات عنه، فكلما مررت في الطريق الواصل بين منطقتي الوطية والقرم يصدمني مبنى لا يزال العملُ فيه جاريًا، ولن أتحدث عمن يملكه، أو من باع ومن اشترى؟ وإنما تساؤلاتي تقول: ما أعرفه وأحفظه أن هذه القطعة الكبيرة من الأرض كانت مواقف للسيارات لهذه المنطقة التي تضم عددًا من المجمعات السكنية والتجارية؛ فكيف تحولت بين عشية وضحاها من مواقف عامة للسيارات إلى مبنى سكني وتجاري؟!! بل وإنه حتى لم تترك مسافة وحرما آمنًا وكافيًا لمستخدمي الشارع!

شاهدت الرافعتين بثقلهما الخرساني وكيف تجري حركتهما فوق السيارات الواقفة في زحام السير!! أو حتى تلك العابرة للشارع!! وتذكرت الحادثة الشهيرة لرافعات الحرم المكي التي سقطت فوق بعض ضيوف الرحمن من المصلين والمعتمرين وأودت بحياتهم.

وفي هذا السياق لابد أيضا أن أذكر مبنى في روي بالقرب من فندق الشيراتون هو الآن مبنى تجاري، وكان قبل هذا دورة مياه عمومية يقصدها عابرو المكان. والشواهد تتعدد وإن اختلفت المواقع.
أتساءل كما هو غيري: كيف يتم هذا؟! ومن يعرف الإجابة ليته يخبرنا! ولا شك أنكم تعرفون بعضًا من الأمثلة في تحويل ملكيات عامة تخدم الجميع، وتستنفع بها كل الفئات إلى ملكيات خاصة، وأعلم أن هناك من يفضل الصمت والجلوس في ركن قصي، بحجة “لا أريد أن أوجع رأسي”.

ولكن في أحداث كهذه هل يكون السكوت عنها منطق العقلاء!! إذا ما أدركنا فعلا هنا أن الصمت في بعض الأحيان قد لا يساوي ذهبًا كما حفظنا ورددنا مقولة تُمجّد الصمت وتعده ذهبًا دائما!

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock