د.رجب العويسي يكتب عن كورونا وتحويل التعليم إلى واجهة اقتصادية

د.رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
مجلس الدولة

تطرح جائحة كورونا ( كوفيد19) على التعليم الكثير من المتطلبات التي ينبغي أن  يضعها في أولوياته، وأن يصنع لها حضورا في اجندته، وأن يستبق العمل  فيها عبر تهيئة  برامجه وخططه وأدواته  لتعزيز دوره الاقتصادي وترسيخ موقعه كداعم استراتيجي في بناء اقتصاد المعرفة وتحقيق التوازن الاقتصادي، وبالتالي  الخروج من  المفاهيم والمفردات والتعابير الضيقة التي ما زالت تقرأ التعليم  في مفاهيم الاستهلاك والاجترار للموارد والاستنزاف للقدرات،  في ظل ما تشكله موازنات التعليم من  رقم  صعب مقارنة بغيره من القطاعات الإنتاجية، وبالتالي النظر إلى التعليم في كونه قطاعا انتاجيا يوفر للدولة الموارد والممكنات والفرص التي تحتاجها بنية الاقتصاد  وبيئة الأنشطة الاقتصادية التجارية والصناعية والاستثمارية والخدمية  واللوجستية، وتقوم عليها أعمدته وتنهض  بسببها مؤسساته ، وعبر قدرة التعليم  على توفير البرامج والقدرات والخبرات المعززة لاقتصاد المعرفة، والتثمير في الابتكار وريادة الاعمال والاختراع والبحث العلمي وإنتاج وسائل التعليم وأنظمته وبرامجه ومنصاته الالكترونية  خاصة في ظل ما اسفر عنه انتشار فيروس كورونا من ضرورة الاتجاه إلى التعليم عن بعد وتفعيل دور المنصات  التعليمية الالكترونية، ومعنى ذلك أن الدور المعقود على التعليم أكثر مما هو حاصل؛ والمرحلة المقبلة  في بناء عمان المستقبل تقرأ في مسؤولية التعليم ممارسة أخرى غير الذي اعتادته في الفترات السابقة،  يصبح  فيها واجهة اقتصادية وطنية  تصنع  الوظائف وتبني القدرات وتستثمر الخبرات وتثمّر الموارد الهامدة وغير المستغلة لتشكل جزءَ من البناء الاقتصادي للمواطن.

لقد فرضت معطيات جائحة كورونا ( كوفيد19) على التعليم مرحلة جديدة عليه أن يعيد فيها انتاج واقعه، والتصالح بين سياساته وبرامجه، وتصحيح ممارساته وضبط أدواته وتقنين ألياته وترقية مناهجه وتوجيه غاياته وتقليل حالة الانحراف والفجوة التي يعيشها  عن الواقع؛ مرحلة تقوم على تعظيم القيمة الإنتاجية للمهارة وتأصيلها وتأهيلها وترسيخها وتجريبها وتوفير مساحات الأمان لنموها وتطورها وتقدمها  في بيئة الصف الدراسي وقاعات التدريس والمعامل والمختبرات العلمية ومصادر التعلم وغيرها، وتوفير الممكنات الداعمة لنمو مهارة  المتعلم  واحتوائها والمحافظة على نشاطها وتجددها وتعريضها لمواقف محاكاة عملية وورش انتاج، واثبات حضور له في الواقع الميداني، وكما قيل  في جودة التعليم بأن لا قيمة  للخطط الدراسية والكتب التعليمية والمبني وغيرها  إن لم تستطع انتاج مواطن قادر على الاعتماد على نفسه، ويدير متطلباته اليومية بدون اتكالية على الآخرين،  ولا قيمة  للحديث عن  زمن التعلم وغيرها إن لم يؤدي حضور الطالب لبعض الوقت في بيئة المدرسة والجامعة عن تعلمه لمهارة حياتية وقدرته على اكتساب فلسفة عملها وطريقة استخدامها وانتاجها وإتقان أليات أدائها،   ولا قيمة للتعليم  إن لم يستطع أن يحتوي الكفاءات ويبني العقول ويعزز الإيجابية ويسمو بالفكرة ويستقطب الابتكار ويدير الموهبة ويحسن إلى الانسان عبر خلق روح العمل لديه وقيمة الكسب من عرق الجبين وكد اليمين،  ولا قيمة للتعليم عندما يتغنى بأفكار الآخرين ويعتمد عليها  بشكل مطلق  دون تجريب أو مبادرة بتصحيح الواقع وإعادة هندسته بطريقة  تتناغم مع طبيعة المجتمع وهويته والحاجة الوطنية للتعليم والغرض الذي يحققه، إذ  بقدر عمق الهدف وارتباطه بالواقع وانتمائه لمحور الحياة اليومية ومستوى تجدده واستيعابه للحدث الوطني واندماجه مع المهارة  التي يحتاجها المجتمع في أنشطته الاقتصادية؛ بقدر ما  يضعه أمام استحقاقات الواقع، الذي ينتظر منه  بناء منصات انتاج يحققها، وفرص وظيفية يوفرها، وقواعد للسلوك يؤسسها، ومساحة أمان واستقرار نفسي وفكري في التعاطي مع الظروف الصعبة والأزمات  يصنعها، عندها يصبح التعليم  مصدر تحول للمجتمع وأنموذج لبناء الحياة الأمنة المطمئنة وصناعة القوة والوعي لحيازة قصب السبق في البحث العلمي والابتكار والاختراع والاكتشاف والاعتماد على النفس والإنتاجية، لما يحمله التعليم من فرص  لصناعة التقدم إن احسن استثماره أو وظفت  ممارساته ووجهت بشكل أفضل نحو تعميق القيمة النوعية للمحتوى العلمي والمعرفي وربطه بالحياة، وفتح الآفاق للمتعلم  لقراءة الواقع بأساليب مختلفة وأدوات متنوعة، لصناعة أنموذج تعليمي راق في البذل والتضحية والعطاء وتقريب الفكرة وتمثل المشروع وإنتاج مساحات الامان في بيئة التعليم التي يقرأ فيها المتعلم فرصته ليقدم الجديد ويبتكر المفيد ويخترع  حلولا للتحديات والمشكلات التي يواجهها الواقع،  وهي مرحلة  تعني أن يفتح فيها المجال للمتعلم لاختبار معلوماته ومساحات تفكيره واختيار مجال تعلمه بشكل يوازن فيه بين قدراته واستعداداته  فيخرج من مرحلة التعليم وهو مزود بمهارات عدة  مجربة ويستطيع مع قليل من التدريب  ممارستها بكل احترافية؛ يمتلك  لغة العمل وقوانينه وثقافة المهنة وثقافة الحياة مع نفسه واسرته وعائلته ومجتمعه ، فيتجه التعليم إلى انتاج الحياة في حياة المتعلم بتوفير الممكنات له وإعطائه فرص اكبر  لاستخدامها واكتشافها وإدارتها والتنافس فيها والتفوق  في سبر أعماقها.

من هنا فإن الحديث عن التعليم كواجهة اقتصادية وطنية ترسم ملامح الاقتصاد وتشكل أرضية نجاحه وتؤمن  بيئته ومدخلاته وتوفر الموارد البشرية الوطنية الكفؤة  للدخول فيه، يأتي في كونه بوابة المستقبل، وقد وضع خطاب عمان المستقبل لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، التعليم امام مسؤولية المساهمة الفاعلة في تحقيق رؤية عمان 2040 ، حيث جاء فيه” وإن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية ، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة.” ؛ وضع خلالها النقاط على الحروف وحدد دور التعليم ومسؤولياته وما عليه أن يحققه في مسيرة هذا البناء ويعمل على تجسيده في حياة المواطنين،  والدور الاقتصادي الشامل الذي عليه ان يصنعه في سبيل بناء مواطن منتج يمتلك أدوات  الاقتصاد وممكناته ويستطع أن يساهم بدور فاعل في رفد أنشطته بمهاراته وخبراته واستعداداته وقدراته وإدارته للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وقدرته على الاستثمار في  الموارد المتوفرة لديه وإعادة انتاجها بطريقة أكثر تقنينا تحقق له فرص الحياة السعيدة، وبالتالي ما تستدعيه هذه المرحلة من إعادة هيكلة جذرية للتعليم ومناهجه وأدواته واساليبه وبنيته المؤسسية والمعرفية والتشريعية والأدائية  بشكل يقلص من حالة  الانحرافات التي يشهدها هذا القطاع والتجاوزات التي يعيشها  وفاقد العمليات المتكررة التي تؤسسها الممارسة التعليمية الحاصلة ،  إلى مرحلة يقف فيها التعليم على  مسؤولياته كواجهة اقتصادية وطنية منتجة واستثمار مستدام في الانسان.

 ويبقى ما أفصحت عنه جائحة كورونا من عجز التعليم عن صناعة الفارق في حياة المجتمع في ظل فجوة التباعد بين السياسات والبرامج والمعارف والمهارات ليتجه إلى اختزال الأخيرة والافتقار إلى مستوى مقبول من الديناميكية والمرونة والأصالة في إعداد المتعلم للعيش في الظروف الصعبة والتعامل مع معطيات هذا الواقع، مدخل استراتيجي لتحويل التعليم إلى واجهة اقتصادية منتجة، وثروة إنسانية فاعلة في بناء الاقتصاد والتثمير في الموارد كون تحقيقها أولوية يجب أن تدرك والحياد عنها جريمة لا تغتفر.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock