بالصور: التاجر العُماني الذي بنى “مسافر خانه” وأوقف له أكثر من 10 عقارات 

أثير- تاريخ عمان 

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

برز في عُمان على مدى تاريخها الطويل العديد من الشخصيات التي أسهمت في صنع هذا التاريخ من مختلف جوانبه المتعددة، فظهر لدينا العلماء، ورجال السياسة، والاقتصاد، والأدب وغيرهم الذين امتازت سيَرهم بمنجزات عديدة، وأحداث مهمة كانت جزءًا من التاريخ العماني في الفترات التي ظهروا بها.

أثير” تقترب في هذا التقرير من إحدى الشخصيات العمانية السياسية والاقتصادية البارزة التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان يعد من أبرز تجار السلاح وقتها، وذكر اسمه في العديد من الوثائق والمراسلات، كما كان من أصحاب الأوقاف والأعمال الخيرية، وارتبط اسمه بـ”مسافر خانه”، ومسجده المعروف في مسقط القديمة، وهو الحاج علي بن موسى بن نوري البلوشي.

 

شخصيته

هو علي بن موسى بن نوري البلوشي، أحد أبرز تجار مسقط وعمان بداية القرن العشرين، وصاحب الأوقاف الخيرية، ولد بحسب الموسوعة العمانية في حلّة ولجات بمسقط عام 1292 هجري الموافق 1875، بينما تشير تذكرة المرور الخاصة به عند سفره إلى البحرين عام 1928 إلى أن عمره وقتها (58) سنة، وبالتالي يكون بحسب بيانات التذكرة من مواليد 1870.

علي بن موسى التاجر والسياسي

 اشتغل الحاج علي موسى بالتجارة في عدّة مجالات من بينها: تجارة السجّاد الإيراني، والذهب والمجوهرات، بالإضافة إلى بروزه كتاجر كبير في تجارة الأسلحة، وقد حقّق منها أرباحًا طائلة، وهي التجارة التي كانت قد نشطت في مسقط في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

وقد ربطت الحاج علي بن موسى بحكم تشعّب أعماله علاقات بعديد من السلاطين، ورجال السياسة، وشيوخ القبائل، والتجّار، فتذكر الموسوعة العمانية أنه كان يقدّم قروضًا للسلطان فيصل بن تركي.

كما ربطته علاقة مع التاجر الوجيه السيّد يوسف الزواوي حيث طلب الزواوي مع علي موسى من السلطان فيصل بن تركي منحهما التزام إدارة الجمارك مقابل دفع مبلغ 240 ألف ريال نمساوي مع مقدّم مالي ومبلغ شهري محدد، فوافق السلطان على ذلك.

كما كانت له صلات بعدد من تجار الأسلحة الأوروبيين؛ فقد اشترى منه ميناشي Menechi وكيل شركة لويس ديو Louis Dieu الفرنسية في ديسمبر 1912 كميات كبيرة من الأسلحة.

وقد ذكر الدكتور جاد محمد طه في معرض حديثه عن أوضاع تجارة الأسلحة مطلع القرن العشرين، والكساد الذي حدث في أكتوبر 1910 أن عددًا من شركات السلاح باعت الأسلحة التي في مخازنها بأسعار منخفضة، “ووسط كل ذلك بدأ التاجر علي بن موسى الوحيد الذي بقيت تجارته مزدهرة، فقد كانت له مستودعات في موانئ أخرى في عمان، وكذلك لأنه اشترى كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر من مخان Bayeot et Cie

كما كانت للحاج علي بن موسى علاقات تجارية بشرق أفريقيا، وشبه القارة الهندية، وإيران، والبحرين، وكانت له أملاك فيها.

نفيه

أصدر السلطان تيمور بن فيصل قرارًا بإبعاد التاجر علي بن موسى عن مسقط مدّة خمس سنوات؛ اعتبارًا من شوال 1331هـ (أكتوبر 1913)، وذلك بسبب إخراج كمية كبيرة من الأسلحة من مستودع الأسلحة لقبيلة بني بو علي قبل استلام الأوراق الخاصة بشحن تلك الكميّة التي تعود ملكيتها لعلي موسى، الأمر الذي يعد مخالفًا للإجراءات المتبعة في إخراج الأسلحة، وفقًا للقانون الخاص بإنشاء مستودع الأسلحة بمسقط عام 1913.

وقد نشرت مجلة لغة العرب (العراقية) في عددها الصادر في شهر ربيع الأول 1932هـ/ شباط 1914م خبر نفي علي موسى خان من مسقط، وقبض حكومة مسقط على عبد الكريم افندي مدير ممكس مسقط وزجته في السجن.

مستشفى مسقط الخيري

يعد مستشفى مسقط الخيري أول مستشفى بُني على النمط الحديث في عمان، ويعود ذلك إلى عام 1909، أي خلال حكم السلطان فيصل بن تركي، وذلك حينما بنى المستشفى الذي سمي كذلك بمستشفى الوكالة أو القنصلية، أمام بوابة القنصلية العامة البريطانية في مسقط مباشرة، وبمجهود جماعي من قبل أعيان وتجار مسقط ومطرح وغيرهم، وكذلك مساهمة بعض الجهات الحكومية والتجارية.

وكان السلطان فيصل قد حثّ أعيان البلاد على الاشتراك في مبادرة إنشاء المبنى الجديد للمستشفى، وأوضح لهم الأسباب التي دعت إلى إنشاء هذا المبنى الجديد وهي أن المبنى السابق قد تهدم نتيجة قدَمه ولم يعد آمنًا، ونقل إلى مكان آخر لا يستوعب الأعداد الكبيرة من المرضى، ولا يتضمن تجهيزات مناسبة، كما أوضح كذلك رغبته مشاركتهم له في التبرع لبناء المستشفى الجديد الذي تقدر تكلفته بحوالي 40 ألف روبية، وأن هذا العمل الخيري سيعود بنفعه على الجميع، وسيستفيد منه الأغنياء والفقراء.

وقد تبرع الحاج علي بن موسى بمبلغ ألف (1000) روبية لصالح هذا المشروع الخيري ضمن عددٍ من المتبرعين من أفراد الأسرة الحاكمة، وأعيان البلاد وتجارها، وبعض المؤسسات بحيث تجاوز عدد الأفراد والجهات المتبرعة حاجز الخمسين .

وسام الباشويّة

 تقديرًا لعلاقاته التجاريّة الجيدة مع بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى فقد تم منحه وسام الباشوية من قبل الحكومة البريطانية سنة 1339 هـ / 1921.

قضية الجوازات الإيرانية

في ربيع الثاني من عام 1347 هـ الموافق سبتمبر من عام 1928 سافر الحاج علي موسى خان إلى البحرين وبصحبته ولده عبد الرحمن وبعض العاملين لديه وكان سنّه وقتها 58 سنة بحسب تذكرة المرور التي أعطيت له من قبل مجلس وزراء مسقط وعمان، وقد تم تعريفه فيها بأنه ” أحد أعيان تجّار مسقط”، وبعد مكوثه في البحرين قرابة شهر من الزمان عزم على التوجّه إلى بوشهر لبعض الأعمال بصحبة أحد العاملين معه، وهناك طلبت منه السلطات الإيرانية تسليم جوازه وأخذ جواز إيراني محلّه، وتسليم مبلغ مالي مقابل ذلك، فرفض الحاج علي ذلك الأمر، وخاطب القنصل البريطاني هناك، ثم اضطر لتسليم المبلغ المطلوب مقابل وصل إثبات دفع،  ورفض استلام الجواز الإيراني، وظل هناك حتى رجوعه للبحرين.

وقد أرسل السلطان تيمور بن فيصل في 24 شعبان 1347 هـ الموافق 5 فبراير 1929 رسالة احتجاج إلى الميجر ميرفي قنصل بريطانيا في مسقط بشأن تصرفات الجانب الإيراني تجاه الرعايا العمانيين وإرغامهم على تسليم جوازاتهم ودفع مبالغ مالية مقابل الجواز الإيراني، كما أرسل مجلس وزراء سلطان مسقط وعمان رسالةً أخرى للقنصل البريطاني في ذي القعدة من العام الهجري نفسه أشار فيها إلى الموقف الذي حدث للحاج علي موسى خان، ويطالب بمعاملة رعاياهم بالمثل.

مسجد الخان

المساجد الموجودة في مسقط لا يتجاوز تاريخ إنشائها بداية القـرن العـشرين، ومنها مسجد علي موسى الموجود خارج سور المدينة من قبل الباب الصغير خلـف السوق، في حلّة ميابين، ويتميز بشرفته ومئذنته وقد بني فـي عـام 1328هــ/1910م، وقد أوقف له صاحبه عددًا من الأوقاف للإنفاق على مستلزماته، كما أشارت الوثائق المتعلقة بمكافحة الملاريا بمسقط في النصف الأول من القرن العشرين إلى وجود بئر ماء داخل المسجد، وقد أعيد ترميم المسجد وفق العمارة الإسلامية الحديثة.

مسافر خانه

هو نزل للمسافرين كان يقع بالقرب من المدرسة السعيدية ومسجد علي موسى مقابل الباب الصغير، بناه الحاج علي موسى عام 1910 في عهد السلطان فيصل بن تركي بحسب الموسوعة العمانية، وخُصّصَ وقفًا ليكون نزلًا يأوي إليه الحجّاج القادمون من آسيا، لا سيّما من باكستان والهند وأفغانستان وإيران، ليواصلوا سفرهم برًا إلى بيت الله الحرام.

كما أن الطلاب الذين كانوا يفدون من خارج مسقط للدراسة في مسجد الخور أو المدرسة السعيدية لاحقًا سكن بعضهم ممن لا يوجد لديه أقرباء في مسقط، في هذا النزل، كما سكن بعضهم في بيت مغب ” بيت الزواوي” ويقع تحت كوت الجلالي.

وفي الخمسينات من القرن الماضي وعند ظهور النفط في بعض بلدان الخليج وتوافر فرص العمل في تلك الدول اتُخِذ “مسافر خانه” مأوى من قبل بعض الشباب العماني القادم من خارج مسقط لاستخراج جوازات سفر لهم قبل توجههم إلى تلك الدول.

كما لعب المبنى دورًا رائدًا خاصةً بعد أحداث عام 1964 في زنجبار، وعودة بعض العمانيين إلى موطنهم الأصلي، مما أدى بهم إلى أن يسكنوا بدايةً في هذا المنزل حتى يجدوا مأوى لهم أو حتى يتصلوا بأقربائهم في خارج مسقط،  وكذلك العائدين إلى أرض الوطن من مختلف الدول، بعد تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه مقاليد الحكم، وبدايات النهضة المباركة.

وبلغت مساحة النزل حوالي 1286م، واستعمل في بنائه الطين والجص وخشب الكندل، وكان المبنى طويلًا له مدخل واحد ويتكون من 12 غرفة متقابلة يتوسطها فناء استعمل لمبيت النزلاء عند امتلاء الغرف، وكل غرفة لها باب خاص بها، وبكل غرفة شباك أو أكثر مصنوع من الخشب ويحيط به من الخارج قضبان حديدية طويلة لحماية الضيوف من المتطفلين واللصوص، وكان بكل غرفة حصير ومساند وبعض الفرش للجلوس وفي ذات الوقت تستخدم للنوم كذلك، كما ضمّ مطبخًا وحمامات، وحديقة صغيرة، وكان يتم تزويد النزلاء بالماء لأغراض الشرب والغسيل.

وكان للمبنى مشرفون وأمناء لتسيير أموره والإشراف على نظافته، وكانت أموال النزل تستغل في تجهيز الموتى، وكانت المياه تجلب إلى النزل وإلى مسجد علي موسى خان بالأنابيب من حلّة الطويان في مسقط.

وكان علي موسى خان قد أوقف أكثر من عشرة عقارات في بوشر وبركاء ومطرح لينفق من ريعها على النزل ومستلزماته وصيانته وإدارته.

وفي العهد الحديث وبعد انتشار الفنادق وظهور وسائل النقل الحديث تم هدم النزل وضُمّت أراضيه إلى ممتلكات ديوان البلاط السلطاني.

المصادر التي تناولت سيرته

نظرًا للأدوار التي قام بها الحاج علي موسى، وبروزه على المستوى السياسي والاقتصادي والخيري، فقد تم ذكره في العديد من الوثائق المختلفة، ومن بينها وثائق مكتب الهند التي تناولته في وثائق عديدة تتعلق بتجارة الأسلحة، أو في الأحداث السياسية العمانية مطلع القرن العشرين، كما يوجد له ذكر في وثائق الهيئة العامة للوثائق والمحفوظات من خلال الوثائق المتعلقة بأعماله الوقفية الخيرية.

كما تم توثيق شخصيته في دليل أعلام عُمان المنبثقة عن مشروع موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية الصادرة عام ١٩٩٠ ميلادية، ويوجد له ترجمة في الجزء السابع من الموسوعة العمانية، إضافة إلى ترجمة خاصة بمشروعه “مسافر خانه” في الجزء التاسع، عدا ذكره في بعض الصحف العربية التي تناولت الوضع العماني مطلع القرن العشرين.

وفاته

توفي الحاج علي بن موسى بن نوري بحسب الموسوعة العمانية في كراتشي بباكستان عام 1354 هـ الموافق 1935 عن عمرٍ ما بين الستين والخامسة والستين.

 

مؤسسة الحاج علي بن موسى خان الوقفية

تم إشهارها بقرار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية رقم ٢٨٣/٢٠١٧، وتهدف إلى الإسهام في الأعمال الخيرية المختلفة.

وللمؤسسة عدّة أهداف من بينها: تقديم المساعدات للمنكوبين والمتضررين من جرّاء الكوارث والأنواء المناخية، وتقديم المساعدات للطلاب الدارسين للتخصصات العلمية المحتاجين بالمراحل التعليمية المختلفة داخل السلطنة، والإسهام في علاج المحتاجين من المرضى حسب التقارير من الجهات الطبية المختصة بالسلطنة بعدم إمكانية علاجهم داخل السلطنة، ورعاية المحتاجات من الأرامل، وكفالة الأيتام، وتقديم المساعدات المالية والعينية للفقراء والمحتاجين، بالاضافة إلى الاستثمار في المجالات العقارية أو الصناعية أو التجارية أو الزراعية وغيرها وفق ضوابط الشريعة الإسلامية.

ويتكون مجلس إدارة المؤسسة من سبعة أعضاء، وتكون مدة عمله (5) سنوات ميلادية من تاريخ التعيين وتجدد لفترة أو لفترات أخرى مشابهة، وتكون موارد المؤسسة من عائد استثمارات المؤسسة.

المراجع

  • البلوشي، صالح. مسقط في الأربعينيات من القرن العشرين، روز ورد بوكس، نيو دلهي، 2013.
  • الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد الثاني ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
  • الزدجالي، اسماعيل بن أحمد. تجارة عمان الخارجية في عهد السلطان فيصل بن تركي، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، 2006.
  • الصوافي، ناصر بن سالم. الحياة الاجتماعية في مسقط، رسالة ماجستير غير منشورة، عمادة الدراسات العليا، جامعة مؤتة، الأردن، 2010
  • محمد، جاد طه. تجارة الأسلحة في مسقط قديما 1910 – 1913، دارة الملك عبدالعزيز، مج 7, ع 2، نوفمبر
  • مكتبة قطر الرقمية. عدّة تقارير تتناول تجارة الأسلحة والوضع في عمان مطلع القرن العشرين.
  • الموسوعة العمانية. المجلد السابع ، حرف العين، وزارة التراث والثقافة، 2013.
  • الموسوعة العمانية. المجلد التاسع ، حرف الميم، وزارة التراث والثقافة، 2013.
  • الهنائي، سليّم بن محمد. ولاية مسقط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2016
  • الصور والوثائق من أرشيف : مكتبة دار الوراق / مكتبة زنجبار الإلكترونية بموقع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ الإرشيف الرقمي للخليج / شبكة المعلومات العالمية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock