بالصور: معالم أثرية عُمانية وتواصلها مع حضارات العالم القديم

مسقط-أثير

محمود صادق- باحث الآثار الإسلامية -جمهورية مصر العربية

لعب الموقع الجغرافي الممتاز لمحافظة ظفار الواقعة جنوب غرب السلطنة دورًا أساسيًا في زيادة عمق العلاقات التجارية والحضارية بين ظفار ومناطق شبه الجزيرة العربية والحضارات الأخرى، إذ أسهمت تجارة اللبان والخيول والتمور بدور حيوي في زيادة عمق هذه العلاقات، فقد اتصلت ظفار ببلاد الشام منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ومع مصر في العهد الفرعوني، كما شكل اللبان والبخور والمر الذي كانت تنتجه ظفار منذ عهود غابرة راوجا اقتصاديًا مهمًا، وذلك لاستخدامها في إقامة الشعائر الدينية والطقوس الجنائزية في المعابد القديمة والأديرة حتى وقت قريب، ولذلك فقد كان لهذه التجارة التي اشتهرت بها ظفار خلال الحقب التاريخية المتعاقبة دور أساسي في توثيق العلاقات والصلات الحضارية والإنسانية بين شعوب منطقة شبه الجزيرة العربية وحضارات العالم القديم، كالحضارة السومرية والفرعونية والبابلية والرومانية وغيرها.

شكل (1) الخريطة الجغرافية لمحافظة ظفار جنوب سلطنة عُمان

 وبالطبع فقد أدى الاهتمام الشديد بتجارة اللبان والخيول في ظفار منذ وقت مبكر إلى تنظيم الطرق التجارية وتمهيدها عبر الصحراء، مع الاهتمام بتنظيم القوافل التجارية وتوفير الحماية اللازمة لها، متمثلة في إنشاء الأبراج والقلاع الدفاعية على امتداد خط طول هذه الطرق لحمايتها، ولتسويقها إلى البلدان والحضارات المجاورة، وتطلب الأمر إنشاء موانئ على ساحل جنوب ظفار، فنشأت المدن ذات الطابع الحربي لتتولى عملية تنظيم تصدير وتبادل السلع عبر السفن التجارية إلى مناطق جنوب شبه الجزيرة العربية وبعض حضارات العالم القديم، كالحضارة الفرعونية في مصر، والبابلية في العراق، والحضارة الهندية.

(شكل 2) الطرق ومراكز تجارة اللبان بظفار قديما

فكان ميناء ومدينة سمهرم التاريخي، ومدينة البليد الأثرية، ومدينة شصر (أوبار) من المراكز المهمة لتسويق السلع التجارية إلى مناطق جنوب شبه الجزيرة العربية وبعض حضارات العالم القديم، وقد دلت المكتشفات الأثرية في هذه المناطق على الاستيطان البشري المبكر التي استمدته من خلال الرواج الاقتصادي في قيمة ما تنتجه وتسوقه من سلع تجارية مهمة.

(شكل 3) الاجزاء المتبقية من اطلال مدينة وميناء سمهرم التاريخي

وتعد سمهرم وميناؤها التاريخي أحد المعالم التراثية المهمة بمحافظة ظفار كونه يمثل حلقة من حلقات الاتصال التجاري والتاريخي بحضارات العالم القديم، والذي يرجع تاريخه إلى حوالي الألف الخامس قبل الميلاد، فيما ترجعه بعض المصادر إلى فترة القرن الأول قبل الميلاد والأول الميلادي.

(شكل 4) الأجزاء الباقية من مدينة وميناء سمهرم (خور رؤرئ)

 وتقع مدينة “سمهرم” على الشاطئ الشرقي لشرم صغير يبعد بضعة كيلو مترات إلى الشرق من سهل صلالة، ولقد حصنت مدينة سمهرم بسور حجري من الحجارة يلتف حول المدينة بطريقة محكمة، حيث تم العثور على خمسة أحجار كتب عليها بالأبجدية العربية نقش كتابي يصف تأسيس المدينة، وأنها بنيت لهدف رئيسي وهو تأكيد السيطرة على تجارة اللبان والبخور الذي كان يجمع فيها ويصدر للخارج.

(شكل 5) بقايا المسجد الجامع بمدينة البليد الاثرية

وتنتشر أنقاض هذا الموقع الأثري المهم على مساحة واسعة من التلال والشعاب المحيطة بوادي خوروري، وما زالت آثار هذه المدينة باقية حتى الآن على قمة ترتفع 130 مترًا عن مستوى سطح البحر، حيث كانت المدينة تتمتع بتحصين حربي يتألف من سور دفاعي من الحجر بالإضافة إلى برجين الأول بالطرف الجنوبي الشرقي والثاني بالطرف الشمالي من المدينة، بالإضافة إلى تحصين حربي يشبه القلعة بلغ عرضه ثمانية أقدام كما بلغ ارتفاعه حوالي 20 قدمًا.

(شكل 6) بقايا اجزاء من اطلال مدينة البليد الاثرية

 

ويعد ميناء سمهرم الأثري الذي يتقدم المدينة من أقدم الموانئ في شبه الجزيرة العربية، إذ كان هذا الميناء هو الأشهر قدمًا في تصدير اللبان إلى الحضارات المجاورة وبالأخص الحضارة الفرعونية، وقد وجد رسم في أحد المعابد الفرعونية بوادي الملوك في مصر يعود إلى عهد الملكة حتشبسوت (القرن الخامس عشر قبل الميلاد) يشير إلى ميناء سمهرم والقافلة الفرعونية التي أتت للميناء من أجل استيراد اللبان من ظفار وتحديدًا من هذا الميناء لاسيما وهو الأشهر في تصدير اللبان في العصور القديمة والوسطى. ويشير بعض الباحثين إلى أن جرار اللبان العماني التي كانت ترسلها الملكة بلقيس إلى النبي سليمان كان يتم استيرادها من ميناء سمهرم، كذلك تشير الكتابات الجغرافية لليونانيين القدامى، من أمثال بولينوس إلى أهمية ومكانة وقدم هذا الميناء باعتباره مركزًا حيويًا لتصدير اللبان.

(شكل 7) بقايا اسوار مدينة البليد

وقد تم اكتشاف بعض الآثار في ميناء سمهرم من خلال عمليات التنقيب التي يعود تاريخها إلى الـ 2300 ق م، مما يدل على أن هذا الميناء اكتسب مكانته التاريخية لكونه مرسى للكثير من السفن التجارية التي تأتيه من مختلف حضارات دول العالم السائدة آنذاك، لاسيما الفرعونية والرومانية والذين كانوا يتوافدون على ظفار لاستيراد اللبان والعطور والأعشاب الطبية والبخور، بالإضافة إلى كل ذلك فقد كان الميناء بحق همزة الوصل بين القارة الهندية والأفريقية والأوروبية.

(شكل 8) صورة التقطت بواسطة الأقمار الاصطناعية تظهر الهيكل العام لمدينة شصر (أوبار)

 

وتعد مدينة البليد من أقدم المدن العُمانية في محافظة ظفار إذ يعود تاريخها إلى أواخر الألفية الخامسة قبل الميلاد حسب المكتشفات الأثرية التي تبيّن أن الموقع كان ميناء نشطًا خاصة في تجارة اللبان، ولذلك أدرج الموقع على قائمة التراث العالمي برفقة مدينة سمهرم والتي تتبع منظمة اليونيسكو وتقع المدينة على الشريط الساحلي لمدينة صلالة في المنطقة الواقعة بين الدهاريز والحافة، وتعد البليد من أقدم المدن وأهم الموانئ على الساحل العُماني، حيث تم بناؤها على جزيرة صغيرة تحمل اسم الضفة إذ ازدهرت ونمت في القرن الثاني عشر والسادس عشر الميلادي، ولقد أثبت ذلك الباحثون من خلال الدلائل الأثرية ودراسة الفخار والمواد العضوية وغيرها، أنها تعود إلى ما قبل الميلادي وبالتحديد إلى فترة الألف الخامس قبل الميلاد، كما اكتسبت المدينة بعد الإسلام رونقًا معماريًا ظهر جليًا في مسجدها الكبير الذي يعد من أبرز المساجد القديمة في العالم وهو يضم 144 عمودًا ويعتقد أنه بني في القرن السابع الهجري ــــ الثالث عشر الميلادي.

وتنقسم مدينة البليد إلى ثلاثة أقسام وهي: القسم التجاري الذي يقع في الجهة الشرقية من المدينة، والقسم السكني والخدمي الذي يقع في وسط المدينة، أما المسجد والحصن فيقعان في الجهة الغربية ويحيط بها من الجانب الشمالي والشرقي والغربي خور البليد الذي يتراوح عمقه ما بين مترين إلى ستة ونصف المتر، كما كان الخور يستخدم لنقل البضائع ما بين المدينة والسفن الراسية في البحر وهو يعد بمثابة ميناء طبيعي للسفن الصغيرة، كما يعمل على حماية المدينة من فيضان المياه التي تصب في البحر بالإضافة إلى الحماية من هجمات الغزاة.

وقد كشفت أعمال الحفر والتنقيب في موقع شصر الأثري عن وجود مدينة أثرية قديمة يُظن أنها مدينة “إرم” التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، أرض قوم عاد، ولا تزال أعمال الكشف مستمرة للتنقيب عن هذه المدينة المطمورة في أعماق الربع الخالي من صحراء جنوب سلطنة عُمان، ولقد جاء ذكر هذه المدينة في العديد من كتابات الرحالة والباحثين، فقد ذكرها العوتبي في القرن الخامس الهجري بأنها منازل بني سام، وأنها كانت أخصب بلاد العرب، كما ذكرها ابن منظور فقال: “وبار أرض كانت في محال عاد بين اليمن ورمال يبرين أو جبرين، فلما هلكت عاد اورث الله ديارهم الجن فلا يتقاربها احد من الناس.

ويقال إن هذه المدينة المنسية تم ذكرها في العديد من الديانات القديمة كاليهودية، والمسيحية، كما وجد اسمها على المعابد الفرعونية القديمة “كمعبد الكرنك”  و” معبد الملكة حتشبسوت” كما ورد ذكرها أيضًا في الحضارات القديمة، كالسومرية، والبابلية، والفارسية، وبلاد الشام، وبحلول العصر البرونزي والعصر الحديدي استمر ازدهار منطقة شصر (أوبار) والتي أقيمت فيها العديد من المباني، والتي كشفت عنها آخر البعثات الحفرية مما يؤكد أن المدينة كانت مأهولة بالسكان بحكم نشاطها التجاري، وعمومًا فإن موقع شصر الأثري كان يمثل المركز الرئيس لمنطقة نجد/ ظفار للتجارة البرية المتجهة نحو الشمال، والتي بدأت منذ العصر الحجري الحديث كونها مرتبطة بعلاقات تجارية وصلات حضارية بينها وبين شمال الجزيرة العربية، كما ارتبطت مع سومر في جنوب العراق لتؤكد امتداد خط طول التجارة منذ فجر مبكر مع التجارة المتجهة صوب غزة ومصر القديمة واتصالها بهم.

المصادر:

  • الازكوي، سرحان بن سعيد، كشف الغمة الجامع لأخبار الامة، حققه، النابودة، حسن محمد عبد الله، الجزء الثاني، دار البارودي، سلطنة عُمان.
  • أبو زكريا، يحي بن أبي بكر (1982). سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق: إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
  • وزارة الاعلام (1995). عُمان في التاريخ، وزارة التراث القومي والثقافة، دار اميل للنشر، مسقط، سلطنة عمان
  • عز الدين، حامد محمود (1980). عُمان في فجر الحضارات، مسقط، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة.
  • عامر، عبد المنعم (1980م). عمان في امجادها البحرية، مسقط، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
  • الحتروشي، سالم بن مبارك (1997). الخصائص الجغرافية لمحافظة ظفار، بحث مشارك به ضمن حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الادبي في صلالة في الفترة ما بين 17ـــــ19 جماد الاخر 1418ه 19ــــــ21 أكتوبر 1997م، الطبعة الثانية، سلطنة عمان.
  • الجرو، اسمهان سعيد (2009). تاريخ عمان ودراسات في الحضارة الإسلامية، منشورات جامعة السلطان قابوس، الطبعة الثانية، سلطنة عمان، مسقط.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock