العُماني الذي كرّمته ملكة بريطانيا لأعماله التطوعيّة

مسقط – أثير

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

ظهر خلال التاريخ الحديث للحضارة العمانية العديد من الشخصيات التي كان لها بروز واضح، وإسهامات كبيرة في العديد من المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، سواء في شطر الحضارة العمانية الآسيوي، أو شطرها الإفريقي، ونقلت لنا وسائل المعرفة الجديدة أسماء عمانيين كانت لهم أنشطة وإسهامات قد لا تكون معروفة للكثيرين، أو لم تتطرق لها كتب التاريخ لأسباب مختلفة.

ومن تلك الشخصيات الشيخ محمد بن سالم بن علي الريامي الذي كانت له إسهامات تطوعيّة عديدة في مجال خدمة الإسلام والإنسانية بشكلٍ عام، سواء عندما كان موجودًا بزنجبار، أو خلال إقامته في بريطانيا بعد الانقلاب الذي حصل في زنجبار يناير 1964، والذي كرمته ملكة بريطانيا على تلك الجهود التي قام بها.

“أثير” تقترب في هذا التقرير من هذه الشخصية من خلال استعراض ملامح عامة لأبرز محطات حياته، ودوره في المجال التطوعي، وذلك من خلال الاعتماد على رواية الشيخ سعيد بن محمد بن مسعود الريامي، والرجوع لكتاب ” زنجبار شخصيات وأحداث” للمؤلف ناصر بن عبد الله الريامي.

أسرته

ولد محمد بن سالم بن علي الريامي في بيمبا ( الجزيرة الخضراء) في سبتمبر عام 1930 م، لأسرة عريقة تُعدّ من كبار الأسر العربية العُمانية في زنجبار تعود في أصولها إلى قرية (العلاية) بولاية إبراء بعد هجرة سابقة لهم من الجبل الأخضر، فجدّه الأكبر ناصر بن أحمد كان من ضمن الشخصيات العمانية التي دعاها السلطان سعيد بن سلطان للهجرة معه إلى زنجبار، ووالده هو الشيخ سالم بن علي بن محمد الذي كان مديرًا لأعمال أخيه الأكبر مسعود بن علي الذي – بحسب ما ذكره الباحث ناصر بن عبد الله الريامي-  “ما كان يبرم أمرًا إلا بعد مشاورته”، وعمّه هو الشيخ مسعود بن علي بن محمد الريامي الملقب بالعودي أحد أشهر رجالات زنجبار وأكثرهم ثراء، ولعب أدوارًا سياسية واقتصادية مهمة خلال الفترة التي عاشها منذ ولادته في عام 1892 بالبيت الجديد الكائن في حارة الباغ، وحتى وفاته عام 1957،  وكان مقرّبا من السلطان خليفة بن حارب الذي كان يحترمه كثيرا ويثق في آرائه ومشوراته المختلفة ومن بينها استشارته في سعر القرنفل لعام 1934، وكان يقول لمن حوله إن الشيخ مسعود “دولة”، بمعنى أنه سلطة مساندة داخل سلطنته، كما طلب منه مرافقته في رحلته إلى بريطانيا سنة 1929 لولا اعتذار الشيخ الذي عرف عنه التواضع وزهده في حب الظهور، وقد نال الشيخ مسعود بن علي العديد من الأوسمة من بينها: وسام ” الكوكب الدرّي”، ووسام اليوبيل، ووساما صدر بمناسبة مرور 200 عام على تأسيس دولة البوسعيد، كما منحته ملكة بريطانيا وسام عضوية الإمبراطورية البريطانية، كما كان محبا للخير منفقا في سبيله، وله مشاريع عديدة في ذلك.

كما أنجبت الأسرة العديد من الشخصيات المهمة في تاريخ زنجبار، التي كان لها أثر كبير في الحياة السياسية، والاجتماعية، والفكرية هناك من مثل: الشيخ سيف بن ناصر بن أحمد، والشيخ سلطان بن قاسم بن ناصر، والشيخ سالم بن علي بن سالم، وغيرهم.

نشأته

نشأ الشيخ محمد بن سالم الريامي في الجزيرة الخضراء، ثم أرسله والده للدراسة في زنجبار فاستمر بها حتى حصل على شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها، ثم غادر إلى ممباسا للالتحاق بشركة كيبل اند وايرليس حيث عمل ككاتبٍ بها خلال الفترة من 1950 – 1953 م.

السفر إلى بريطانيا

في عام 1954 سافر الشيخ محمد بن سالم إلى بريطانيا، حيث أرسله والده لاستكمال دراسته الجامعية، فمكث في مدينة (بورتسموث) سنتين للحصول علي الثانوية العامة A Level ، ثم التحق بجامعة (هل) عام 1956 م وحصل على شهادة في المحاماة عام 1960 م.

العودة إلى زنجبار

بعد حصوله على شهادته الجامعية في المحاماة، عاد الشيخ محمد بن سالم إلى زنجبار والتحق بالعمل الحكومي، حيث تم تعيينه مراقبا في اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات العامة في زنجبار، وفي عام 1963 م عين مساعدا لوكيل إدارة الأشغال العامة حتى سقوط الحكم العربي العماني في يناير 1964 م.

الخروج سرًا

بعد الانقلاب الذ حصل في زنجبار بيناير 1964، خرج الشيخ محمد من زنجبار سرا إلى بريطانيا في مارس 1964 م، وهناك عمل في تدريس اللغة الانجليزية للطلاب الأجانب في (بورتسموث) المدينة التي أقام فيها للدراسة أثناء سفره الأول لبريطانيا، وبعد ذلك تم تعيينه من قبل إحدى المدارس النظامية في بورتسموث كمدرسٍ للطلاب، وتدرج حتى وصل إلى رتبة كبير مدرسي اللغة الإنجليزية في المدارس الحكومية، واستمر في العمل الحكومي حتى تقاعده عام 1995 وعمره خمسةٌ وستون عامًا.

أعماله التطوعيّة

أثناء إقامته في بريطانيا قام الشيخ محمد بن سالم الريامي بالعديد من الأعمال التطوعيّة في مجال خدمة الجالية الإسلامية؛ حيث سعى لدى البلديات المحلية هناك إلى أن تقوم المستشفيات بتقديم وجبات إسلامية للمرضى من المسلمين، وأيضا مراعاة تواقيت تقديم الوجبات في شهر رمضان لكل من العاملين بالمستشفيات والمرضي المنوّمين المسموح لهم بالصيام، وتم له هذا الأمر.

كما استغل العطلات الأسبوعية في استكمال جهوده في مجال العمل التطوعي، فكان مثلًا يذهب إلى سجن  (آيل اوف وايت) جنوب انجلترا لوعظ وإرشاد المساجين المسلمين بدون مقابل ، كما أسلم على يديه الكثير من الأنجليز والأجانب لحجته في الإقناع.

ومن القضايا المجتمعية التي اهتم بها: سعيه في موضوع تخصيص أماكن خاصة بغسل موتى المسلمين وتكفينهم في جنوب إنجلترا، كما كان يقيم محاضرات شهرية في قاعة البلدية يوجّه فيها المسلمين من جميع الجنسيات نحو التمسك بالقيم السامية للدين وعدم الانصياع لدعوات التطرف والتشرذم، وهو الأمر الذي كان يلاقي قبولًا من الحكومة البريطانية والجهات البلدية المحلية .

تكريم

واعترافا بكل هذه الأعمال التطوعية الهادفة تقرر منح الشيخ محمد بن سالم الريامي شهادة MBE  ، وقامت الملكة اليزابيث الثانية بتسليمه الميدالية أثناء استقبالها له في قصر باكنغهام بلندن عام 2000 م شاكرة ومثمنة له جهوده التطوعية الهادفة.

العودة إلى زنجبار

في عام 2006 قرر الشيخ محمد بن سالم بن علي الريامي العودة إلى زنجبار بعد إصابة زوجته الإنجليزية بمرض الزهايمر، وقد بقي في زنجبار تحت رعاية أولاد شقيقته حتى وفاته في 19 يونيو 2019 م عن عمرٍ يناهز التسعين عامًا.

المراجع

  • الريامي، ناصر بن عبد الله. زنجبار شخصيات وأحداث، ط2، مكتبة بيروت، مسقط،2009.
  • الريامي، سعيد بن محمد. رواية شفوية عن حياة الشيخ محمد بن سالم الريامي.
  • الصور من أرشيف المحامي ناصر بن محمد الريامي

 

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock