شخصية عُمانية برزت سياسيًا: الأمير عبد الله بن سالم (الشلّي)

أثير- تاريخ عمان 

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

برزت على الساحة العمانية خلال القرون الأخيرة العديد من الشخصيات السياسية، والاقتصادية، والفكرية التي حفرت أسماءها بقوة في عجينة التاريخ العماني، بحيث أصبحت منقوشة لا تكاد تُمحى مهما طال الزمن.

ويعد الأمير عبد الله بن سالم بن محمد آل حموده، أو (الشلّي) كما يطلق عليه في المصادر الشعبية أحد الأسماء المهمة والبارزة التي نقشت اسمها في صفحة التاريخ العماني خلال القرنين الأخيرين، وكان يعد أحد أبرز الأسماء التي برزت في المجال السياسي خلال الفترة ما بين منتصف القرن التاسع عشر، والربع الأول من القرن العشرين، وهي فترة سياسية كانت مليئة بالعديد من الأحداث السياسية والاقتصادية المهمة، وكانت عمان خلالها محط أنظار كثيرٍ من القوى، ولاعبةً رئيسة في كثيرٍ من تلك الأحداث.

وعلى الرغم من اقتراب الأمير عبد الله بن سالم أو الشّلّي من الأحداث السياسية المهمة التي برزت في فترة ظهوره، ومشاركته في صنع بعضها، إلا أن تاريخ هذه الشخصية يكاد يكون غير معروف إذا ما استثنينا بعض القصص والمرويات التي تزخر بها الذاكرة الشعبية، والتي يجانب بعضها الصواب، وإذا ما استثنينا كذلك الوثائق الأجنبية، والإنجليزية منها بالأخص التي ذكرت مشاركته في الأحداث السياسية خلال تلك الفترة، وأبرزت لجوانب من شخصيته، ومكانته السياسية المحلية، والقضايا التي اشترك بها، وبعض الدراسات الحديثة التي اقتبست من تلك الوثائق شذراتٍ من أعماله، وعدا ذلك فلا نكاد نجد ذكرًا لهذه الشخصية في الموسوعات والأدلة التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة وحاولت التأريخ للشخصيات والأحداث المرتبطة بعمان.

وفي هذا التقرير تحاول “أثير” كعادتها في الاقتراب من بعض الشخصيات العمانية المهمة التي لم تنل حظها في إبراز أدوارها المختلفة، أن تتناول جوانب من شخصية الأمير عبد الله بن سالم آل حموده، وأبرز المحطات في سيرته، علّها تكون قاعدة يستفيد منها بعض الباحثين مستقبلًا في دراسات أكثر توسعًا، وحرصت “أثير” على إبراز أهم الجوانب العامة في سيرة هذه الشخصية دون الاقتراب من بعض الأحداث التي قد لا يكون في سردها فائدة كبيرة للقارئ.

وستبدأ “أثير” تقريرها بالتعريف بأسرة آل حموده التي ينتمي إليها الشيخ، وهي أسرة عريقة تتولى زمام المشيخة في بني بو علي، وبرز منها العديد من الأمراء والشيوخ، وعرف شيوخها في كتب التاريخ بالعديد من الألقاب، فتارةً “آل حموده”، ومرةً “العلوي”، وأحيانًا ” التمامي”، وبالأخص عند الحديث عن الشخصيات الأولى منهم، كما يتم الإشارة إليهم في الوثائق والمراسلات بلقب ” الأمير”، و” الشيخ” ، وأحيانًا “الشيخ الأمير”، في دلالة على مكانتهم القبلية، ولذلك سيعمد التقرير إلى استخدام هذه المصطلحات بحسب سياقها التاريخي قدر الإمكان.

ويقدم معد التقرير شكره وتقديره للشيخ شاكر بن حمود آل حموده على التواصل الفكري الذي نتج عنه نقاش ثري حول شخصية الأمير، وأبرز جوانب حياته، وتعديل بعض المعلومات، وإضافة البعض الآخر في ظل الشحّ المعرفي المحلي الشفوي والمكتوب حول شخصية (الشلّي).

أسرة آل حموده

ينبغي لنا قبل تناول سيرة الشيخ والأمير عبد الله بن سالم آل حموده أن نعطي نبذة تعريفية مختصرة عن أسرته ( آل حموده ) التي تولت مشيخة وإمارة بني بو علي وظلّت تتوارثها منذ أول ذكر لهم في صفحات التاريخ عام 1803 بحسب المعلومات المتوافرة حتى الآن، عندما حضر الشيخ سالم بن علي التمامي مؤتمر بركاء الذي دعا إليه السيد سلطان بن أحمد في حصن بركاء بعد أن نقض القائد السعودي سالم الحارق الهدنة، وقتل عددًا من خيرة رجال السيّد في موقعة دارت بوادي الحيملي، وكان الشيخ سالم من جملة كبار شيوخ عمان الذين حضروا الاجتماع.

ويشير محمد بن عبدالله السالمي في نهضته إلى إمارة سالم بن علي بقوله: “ وأول من تأمر من آل حموده في قبيلة بني بوعلي هو سالم بن علي بن حموده”، ولا يمكن الجزم بمدى دقة هذه المعلومة، فقد يكون تاريخ الأسرة سابق لظهور الشيخ سالم، ولكن بسبب ندرة المعلومات حتى هذا الوقت ذهب بعض المؤرخين ومن بينهم الشيبة إلى ربط بداية ظهور الأسرة بفترة الشيخ سالم بن علي.

ثم خلّفه أخوه الأمير محمد بن علي عام 1811 تقريبًا، والذي استمرت فترة إمارته حتى ما بعد عام 1835 عندما زار الرحّالة جيمس ولستد جعلان، وكان الأمير وقتها في الحج، ووصفه بالشيخ الكبير في إحدى الترجمات، وبالشيخ العجوز في ترجمة أخرى في دلالة على كبَر سنّه، وكانت فترته زاخرة بالعديد من الأحداث السياسية أبرزها الحملات الإنجليزية على جعلان عامي 1820، و1821، وبناؤه القلعة التي عرفت باسمه، وتوسيع حدود إمارته، وغيرها من الأحداث.

 

 

ولا تخبرنا كتب التاريخ والوثائق المحلية والأجنبية عن كثيرٍ من أخبار بلاد بني بو علي أو عن أسماء من تولوا الإمارة فيها خلال الفترة من عام 1835 وحتى عام 1865 باستثناء بعض الإشارات في صكوك صلح قبلية، وأحد الأدلة الإنجليزية عن قبائل عمان، حيث يشير الدليل الإنجليزي إلى الشيخ محمد بن علي كشيخ لبني بو علي عام 1842، كما يشير تقرير للرحالة (كول) منشور في مجلة Bombay Geographical Society عدد يناير 1847 – إبريل 1848 إلى الاستقبال الودّي من قبَل الأمير محمد بن علي لهم في نوفمبر عام 1845، وذكر كول أن الأمير محمد في حدود السبعين من العمر،  كما يحمل صكّ صلحٍ قبليّ يعود إلى 12 شوال عام 1278 هـ الموافق 12 أبريل 1862 اسم أحد أبنائه وهو الشيخ خميس بن محمد بن علي الذي يبدو أنه كان الشيخ في تلك الفترة.

ثم ظهر اسم الشيخ راشد بن سالم بن علي الذي ذكره السالمي في نهضته، حيث أشار إلى توليه الزعامة في قومه بعد وفاة عمّه الأمير محمد بن علي، ووصفه بأنه ” كان عونًا لسلاطين مسقط، فشدّ عضدهم، وغزا معهم البحرين، وأفريقيا، وآزرهم على حروبهم العمانية”.

  ولم يحدد السالمي تاريخًا لتوليه الإمارة، وقد يكون تولاها مشاركةً مع ابن عمه الشيخ خميس بن محمد كعادة آل حموده في اتباع نمط المشيخة الثنائية في كثير من الفترات، أو يكون قد استلمها بعد وفاة الشيخ خميس في ستينات القرن التاسع عشر.

وظل الشيخ راشد بن سالم حتى وفاته في كوت الجلالي بعد حملة الإمام عزان بن قيس على بلاد بني بو علي في نوفمبر من عام 1869، واقتياده لعدد من شيوخ جعلان، ثم تولى المشيخة كلٌ من الشيخين ماجد بن حمد بن محمد بن علي وابن عمه عبد الله بن سالم بن محمد، وبعد وفاة ماجد بن حمد خلّفه ابنه الشيخ محمد بن ماجد بالمشاركة مع الشيخ عبد الله بن سالم الذي انفرد بالمشيخة بعد مقتل الشيخ محمد بن ماجد عام 1887، ثم أخيه الشيخ حمود بن ماجد في عام 1891، وظل الشيخ عبد الله أميرًا لبلاد بني بو علي حتى وفاته في فبراير عام 1913.

ثم خلّفه ابنه الشيخ علي بن عبد الله، وحفيده الشيخ محمد بن ناصر بن عبد الله الذي توفي عام 1929 تاركًا عمّه علي في المشيخة حتى وفاته عام 1948 تقريبًا، حيث خلفه أخوه سالم بن عبد الله لأقل من سنة، ثم عادت المشيخة الثنائية بتولي كل من الشيخ خالد بن علي والشيخ ناصر بن محمد بن ناصر حتى عام 1957، تلاهما الشيخان خميس بن محمد بن ناصر وصالح بن علي بن عبد الله، ثم أخوا الشيخين حمود ومحمد على التوالي.

 

وقد أعد ميرفي شجرة نسب للأسرة غير مكتملة، حيث اقتصرها على من تولى المشيخة أو الإمارة دون البقيّة، كما أنه أغفل ذكر بعض الشخصيات من أمثال الشيخ خميس بن محمد بن علي، والشيخ راشد بن سالم بن علي.

وباستثناء بعض الأحداث فقد كان شيوخ بني بو علي موالين للسلطنة، مناصرين لها، ويدلّل على ذلك ما كتبه السلطان سعيد بن تيمور في إحدى رسائله للقنصل الإنجليزي بمسقط: ” أما أولاد حمودة شيوخ بني بعلي من أهالي جعلان فقد كانوا من قديم الزمان تحت أوامر الحكومة وأصدقاء لها”،  ففي عام 1803 حضر الشيخ سالم بن علي التمامي مؤتمر بركاء كما أسلفنا سابقًا، وفي بداية عهد السيد سعيد بن سلطان كتب إلى الشيخ سالم بن علي الذي جاء إليه بخمسمائة رجل أثناء خلافه مع عمّه السيّد قيس، وبعد وفاة السيد ثويني بن سعيد عام 1866 أصبح بني بو علي حلفاء لابنه السيد سالم، وقدموا له الدعم والمساندة ضد الحركات التي هددت حكمه، وفي عهد الشيخ عبد الله بن سالم تعززت هذه العلاقة طوال فترة مشيخته الطويلة، حيث عاونوا السيّد تركي في تولي السلطنة بعد دخولهم مسقط في يناير 1871، كما وقفوا مع السلطان فيصل بن تركي أثناء ثورة 1895، كما استعان بهم السلطان تيمور أثناء محاولة الإمام سالم بن راشد الخروصي السيطرة على مدن عمان الداخلية، حيث يذكر كتاب (عمان الوثائق السرية) في جزئه الثاني: “كانت كل من مدن نزوى وإزكي والعوابي تحت أيدي المتمردين، السيد نادر موجود بمدينة سمائل بينما يوجد السيد حمد بمدينة نخل، أما الوريث الشرعي السيد تيمور فهو مع مجموعة من رجال جعلان من صور من قبيلة بني بو علي يزحفون نحو السيب قاصدين بدبد، وكان سموه معجبًا ومبتهجًا بصورة كبيرة بوصول جماعة بني بو علي الذين يوليهم ثقة كبيرة”.

ويضيف فاروق عمر فوزي أن علاقات بني بو علي تحسنت مع السلطنة بعد أحداث 1820،  حيث “رفضوا تأييد إمامة عزّان بن قيس، وساعدوا  السلطان فيصل في أثناء حصار الهناوية لمسقط سنة ١٨٩٥ م، وكذلك في أثناء أحداث 1913، ودافعوا عن مسقط في حصار سنة ١٩١٥ م”.

كما لم يقتصر بروز أفراد الأسرة على الجانب السياسي فقط، بل تعداه إلى الجانب العلمي والفكري، وبالأخص في المجال الفقهي، حيث برزت أكثر من شخصية في مجال العلم والقضاء من بينهم الشيخ حمد بن راشد بن سالم بن علي الذي ورد اسمه في عدّة صكوك تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وألّف رسالة في مجال التوحيد، والشيخ حمد بن محمد بن ناصر الذي تلقى تعليمه على يد بعض علماء بلاد بني بو علي، ثم أكمل علومه في مدينة الشارقة، وتولى بعض المهام الشرعية كالإمامة والخطابة، ومنصب القضاء في الولاية حتى بزوغ النهضة المباركة عام 1970، كما كان لديه مجلس مفتوح يستقبل فيه طلاب العلم والاستشارات الفقهية.

كما كان بعضهم من المهتمين باقتناء الكتب والصحف المختلفة، فتشير بعض الكتب مثل “التاج المرصّع” إلى وجود مكتبة في قلعة آل حمودة تعرف باسم ( مكتبة الأمير محمد بن ناصر) كانت تزخر بالعديد من الكتب والمراجع، كما عرف عن الشيخ حمود بن علي بن عبد الله حبه الكبير لاقتناء مصادر المعرفة المختلفة، وقد وقف معدّ التقرير على العشرات من الكتب والأطالس والصحف العربية والخليجية التي كانت تصدر فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عليها ختم الشيخ، كما كان للشيخ مؤلف لغوي بعنوان (دليل الأسماء)، يعد بمثابة دليل جغرافي للمنطقة بما تضمنه من تحديد لأسماء الأماكن، وأسباب تسميتها.

ولادته ونسبه

هو الشيخ والأمير عبد الله بن سالم بن محمد بن علي آل حموده زعيم بني بو علي وغافرية الشرقية في عهده، برز اسم والده سالم بن محمد أثناء الحملات الإنجليزية على جعلان وبعدها، حيث أرسله والده الشيخ محمد بن علي مع أربعة مرافقين عام 1823 إلى الهند لمقابلة حاكم بومباي ألفنستون كي يشرح له الوضع في جعلان بعد انتهاء الحملات، ولم نجد ذكرًا له خلال الفترة اللاحقة لهذا التاريخ وحتى بروز اسم ابنه عبد الله، وقد يكون توفي خلال فترة والده، وإلا كان قد تولى المشيخة بعده كونه كان من أكبر أبنائه إن لم يكن الأكبر، حيث إن ثلاثةً من إخوانه الصغار كانوا قد رافقوا والدهم أثناء إقامته بالهند بعد الحملة البريطانية الثانية، وعندما زار (كول) بلاد بني بو علي في نوفمبر عام 1835 التقى بحمد بن محمد ووصفه بأنه الابن الأكبر للشيخ محمد بن علي، وقد يكون سالم في تلك الفترة متوفيًا، أو أنه على قيد الحياة لكنه الابن التالي لأخيه على الرغم من أن إرسال والده له كمبعوث عنه للهند قد يعطينا دلالة على بروزه في عهده.

 لا يوجد تاريخ محدد لولادة الشيخ عبد الله بن سالم، لكن وبحسب الروايات الشفهية المتداولة، وتقدير سنه عند وفاته عام 1913 في بعض المراسلات الإنجليزية بتجاوزه سن التسعين، يمكن القول إنه ولد في منتصف العقد الثالث من القرن التاسع عشر، وتحديدًا بعد رجوع جدّه الشيخ محمد بن علي من الهند في عام 1823، ويمكن أن تكون ولادته بعد هذا التاريخ بسنة أو سنتين، كما لا تذكر لنا المصادر المكتوبة أو الشفهية أية أخبار تتعلق بأسرته الصغيرة من حيث وجود إخوة آخرين له، أو اسم والدته التي يرجّح أنها من قبيلة السندة بحسب أغلب الروايات الشفهية المتداولة.

بداية ظهوره

نظرًا لشحّ المصادر المحلّية والأجنبية، ولعدم دقّة الروايات الشفهية المتداولة بسبب بعد الفترة الزمنية، فلا نكاد نجد أخبارًا عن نشأة الشيخ أو تعليمه أو أية أنشطة سياسية تتعلق به خلال فترة الأربعينات أو الخمسينات من القرن التاسع عشر، وأول ذكر لنشاط الشيخ عبد الله بن سالم يعود للأحداث التي وقعت زمن السلطان ثويني بن سعيد (1856-1866) حيث خاض بعض المناوشات القبلية، كما ذكر الضابط البريطاني (ميرفي) في تقريره المكتوب عام 1928.

كما ربطته بعض المصادر بهجوم عبد العزيز السديري على سوق صور عام 1865 دون أن نحصل على معلومات تتضمن اسمه صراحةً خلال ذلك الهجوم.

ويشير ميرفي في تقريره إلى أنه وفي عهد السيد سالم بن ثويني أرسل السيد سالم هديًة للشيخ عبد الله وطلب منه مساعدته والدفاع عنه في منصبه، وانتقل الشيخ مع حوالي 300 رجل من أتباعه إلى مسقط لحمايتها، لكنه عاد إلى جعلان بعد أربعة شهور.

وهنا نتساءل عن مدى دقّة معلومات ميرفي، فعلى الرغم من أن بني بو علي كانوا وقتها من أكبر أنصار سالم بن ثويني الذي تولى السلطنة خلال الفترة من (1866-1868)، إلا أن الشيخ راشد بن سالم كان هو الشيخ البارز إلا لو كان الشيخ عبد الله يسانده وقتها في المشيخة، أو أن ميرفي الذي كتب تقريره عام 1928 كان يعتقد أن الشيخ عبد الله هو الاسم البارز في تلك الفترة نظرًا لطول مدة إمارته التي استمرت لأكثر من 45 سنة.

عهد السلطان تركي

كان للشيخ أو الأمير عبد الله بن سالم العديد من المواقف والأعمال خلال فترة حكم السلطان تركي بن سعيد التي امتدت خلال الفترة (1871-1888)، ويمكن القول بصفةٍ عامة بأن الشيخ عبد الله كان مناصرًا للسلطان تركي، مؤيدًا له في العديد من القضايا السياسية والقبلية خلال تلك الفترة.

وسنستعرض هنا عددًا من الأحداث البارزة خلال فترة حكم السلطان تركي والتي كان للشيخ عبد الله بن سالم دور واضح بها، ومنها:

دخول مسقط عام 1871

في يناير من عام 1871 طلب السيد تركي بن سعيد عون ومساعدة بني بو علي الذين انضموا له في صور وسار 200 رجل منهم بقيادة الشيخ عبد الله ومعه يوسف بن علي السنيدي إحدى شخصيات بلاد بني بو علي البارزة في تلك الفترة، حيث أخذ كلاهما دورًا قياديًا في تسلق السور بالسلالم وفي الاشتباك الذي نجم عنه موت الإمام السيد عزان والسيطرة على المكان حتى وصول السيد تركي.

وتناول الإمام نور الدين السالمي هذه الواقعة في تحفته حيث كتب: ” وقامت قائمة من جعلان فيها بني بو علي وناس من بني بو حسن وقائدهم سيف بن سليمان آل بوسعيدي الذي كان واليًا لسالم بن ثويني على مطرح فساروا إلى مسكد من جانب وادي مجلاص حتى نزلوا بسد روي”.

وبحسب الباحث الدكتور ناصر بن سيف السعدي فقد ” تميزت علاقة بني بو علي بالسلطان تركي بالوفاق، وقد كانوا أشد أنصاره، وقدموا له الدعم والمساندة في أغلب الهجمات التي شنها الهناوية ضد مسقط، وقام السلطان بإعفاء بني بو علي من دفع الجمارك على السلع التي تنزل في ميناء صور الذي كان يتبع حكومة مسقط، مقابل تعهدهم بتقديم الدعم للسلطان”.

ويضيف السعدي: ” ومن صَور الوفاق بين بني بو علي والسلطان تركي بن سعيد، أصبح الشيخ عبد الله بن سالم آل حمودة شيخ بني بو علي يرافق السلطان تركي في أغلب حروبه، ولعب دور الوسيط في إنهاء حالات العداء بين غافرية وادي سمائل”.

وفي 13 شباط/ فبراير 1871 دارت مفاوضات انتهت بإعلان السلام بين السيد تركي والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي برعاية العقيد بيلي Pelly، والتي كان من ضمن بنودها:

تاسعًا: إن وعود والتزامات السيد تركي يجب أن تحرر خطيًا من قبل العقيد بيلي، وكذلك وعود شيوخ الغافرية والهناوية مثل عبد الله بن سالم بن حمودة، ويوسف بن علي، وحميد بن خليفة، وناصر بن عامر، ونجم بن محمد، وأي شخص آخر يرغبون أن ينضم إليهم.

أحداث عام 1874

في عام 1874 كان عدد من جماعة الشيخ مسؤولين عن احتجاز بعض الرعايا تابعين لراو حاكم كاش Rao of Kash  في جزيرة الحلانية، وذهب الرائد مايلز إلى الأشخرة في الثالث من سبتمبر من العام نفسه في السفينة )فيلوميل) Philomel حيث التقى بعدد من الشخصيات وهم الشيخ عبد الله بن سالم، ويوسف بن علي السنيدي، وعلي بن خلفان الجنيبي، ولم يحضر الشيخ ماجد بن حمد بن محمد لكونه كان مريضًا، وتم الاتفاق على دفع غرامة تقدر بحوالي 600 دولار دفعت على يد الشيخ عبد الله في صور.

تولي عبد العزيز بن سعيد

خلال الفترة من أغسطس إلى ديسمبر من عام 1875 أصبح السيد عبد العزيز وصيًا على العرش بعد مغادرة السلطان تركي إلى جوادر، وخلال تلك الفترة أصبح طابع النظام الجديد هناويًا كما تصفه المصادر، وأصبح الشيخ صالح بن علي الحارثي مستشارًا للسيد عبد العزيز.

 وقد أثار هذا الأمر حفيظة بعض القبائل الغافرية ومن بينهم بني بو علي الذين أرسلوا ثلاث رسائل إلى الوكيل البريطاني في مسقط الميجور مايلز يحذّرونه من خطورة الموقف وتداعياته، ويعرضون عليه استعدادهم لترشيح أحد أفراد الأسرة الحاكمة بدلًا من السلطان تركي إن لم يكن راغبًا في الحكم، ويزكّون السيد سالم بن ثويني، نكتفي بعرض إحدى هذه الرسائل التي تعود إلى تاريخ 15 رجب 1292 هـ الموافق 18 أغسطس 1875م. 

جهود المصالحة بين السلطان وأخيه

أشار أحد التقارير البريطانية التي تعود لعام 1878 والمنشورة في الجزء الأول من كتاب (موسوعة عمان الوثائق السرية) إلى الجهود المبذولة من قبل أكبر شيوخ بني بو علي والشيخ حمد بن سعيد الحارثي للوصول إلى تسوية بين السلطان تركي بن سعيد وأخيه السيد عبد العزيز من خلال توسط الوكيل السياسي البريطاني.

ويبدو أن المقصود بأكبر شيوخ بني بو علي هو الشيخ عبد الله بن سالم، حيث كان هو الرجل الأكثر بروزًا خلال تلك الفترة، والذي يتردد اسمه في العديد من الأحداث السياسية وقتها.

محاولة إنهاء نزاعات قبائل وادي سمائل

سعى الشيخ عبد الله بن سالم بحكم كونه أحد أكبر زعماء الغافرية، وبحكم علاقاته الودّية مع السلطان تركي إلى التدخل ومساعدة السلطان في إنهاء بعض الخلافات التي بدأت تظهر بين بعض قبائل غافرية وادي سمائل، ويشير ناصر السعدي إلى ذلك بقوله: “سعى السيد تركي إلى إنهاء النزاعات التي بدأت تظهر بين حلفائه الغافرية في وادي سمائل والتي أصبحت تؤثر على الحركات المدعومة من قبل الهناوية، وكان يهدف من ذلك تشكيل جبهة قوية تكون قادرة على منع هناوية الشرقية من العبور إلى مسقط، ومن أجل هذا الهدف عقد اجتماعًا في مسقط ضم غافرية وادي سمائل وهو بنو جابر، والسيابيون، والندابيون، وحضر هذا الاجتماع زعيم غافرية الشرقية الشيخ عبد الله بن سالم آل حمودة، ويبدو أنه لم يحقق هذا الاجتماع هدفه المنشود وفشل في إنهاء حالة النزاع وإقناع بعض غافرية وادي سمائل من فك ارتباطهم بهناوية الشرقية“.

ويضيف السعدي:” وبعد مرور ست سنوات من ذلك الاجتماع تمكن الشيخ عبد الله بن سالم آل حمودة عام 1300 هـ/ 1883م من التوصل إلى تسوية بين قبائل وادي سمائل، الرحبيون والندابيون مع السيد تركي حيث وقعوا على وثيقة أعلنوا فيها الولاء للسيد تركي”.

عهد السلطان فيصل بن تركي

حفلت فترة حكم السلطان فيصل بن تركي التي استمرت خلال الفترة من (1888-1913) بالعديد من الأحداث السياسية المهمة على الساحة المحلية، كثورة عام 1895، وقضية رفع الأعلام الفرنسية، وقضية تجارة الرقيق، وقضية تجارة الأسلحة، وقضية بندر الجصّة ورغبة الفرنسيين في الحصول على مستودعات، ومقتل الوالي سليمان بن سويلم، والخلاف مع بني ريام، وقيام إمامة سالم بن راشد الخروصي، وغيرها من القضايا.

وقد كان الشيخ عبد الله بن سالم حاضرًا في بعض تلك القضايا كثورة عام 1895، وقضية رفع الأعلام الفرنسية، ومحاولته الصلح بين السلطان وبين بعض الأطراف القبلية، ودوره في قضية (حصن الجناة) في صور عام 1898، وسوف نشير إلى بعض تلك الأدوار باختصار.

ثورة عام 1895

كان للشيخ عبد الله بن سالم ومن معه من قبائل بني بو علي، والجنبة، والهشم، وبني راسب، دورٌ في مساندة السلطان فيصل بالتعاون مع بعض القبائل مثل بني جابر أهل طيوي، وغيرهم، ويذكر (سادلر) في تقريره الذي أعدّه عام 1895 بعد انتهاء الأحداث أن الشيخ عبد الله بن سالم قدم بحوالي 1300 مقاتل من رجاله.

ويذكر محمد السالمي في نهضته ” ولما هاجم الشيخ عبد الله بن صالح الحارثي مسقط عام 1312 هـ كان الأمير عبد الله بن سالم على رأس المدافعين عن السلطان، ولم يزل أمراء بني بو علي يناصرون سلاطين مسقط في كل موطن”.

كما يشير عبد الله الجوير إلى دور الشيخ عبد الله بن سالم أثناء ثورة عام 1895 : ” كما عاونه في محنته هذه أنصاره من الغافريين من البني بو علي وبني جابر، مما جعل الثوار يتراجعون أمامه ويوقعون اتفاقية سلام”.

ويضيف الجوير: “أظهر هذا الحادث أن للسلطان أنصارًا لا يستهان بهم، بل إن أنصاره استطاعوا أن يزحزحوا الثوار إلى مسافة 150 ياردة من مواقعهم، وقد تقدم البني بو علي أثناء مقاومتهم للثوار ناحية الباب الكبير بعد احتلال البرج الذي في منتصف المسافة”.

ويشير الجوير إلى ما اتخذه السلطان بعد انتهاء الأحداث: ” كما أخذ يخزن الأسلحة والذخيرة، وقام بخطوات جريئة لتعزيز أحلافه من قبائل الجنبة وبني بو علي وبني بو حسن وسائر القبائل الجنوبية في جعلان”.

ويذكر ثابت العمري: “عزز السلطان من جهة أخرى علاقاته مع القبائل التي وقفت إلى جانبه وخاصة قبائل الجنبه، وبني بوعلي والحجريون، وسائر القبائل الجنوبية في جعلان، وقبائل النعيم سكان المنطقة الشمالية من السلطنة”.

كما أشار إسماعيل الزدجالي إلى الأحداث بقوله:” وفي ظل هذه التطورات هبّت القبائل الغافرية لنصرة السلطان وخاصةً أهالي جعلان من قبائل بني بو علي، وبنو راسب، والهشم الذين قدموا عبر البحر لمساعدة السلطان وصد الهجوم مما اضطر عبد الله بن صالح وأتباعه للانسحاب..”.

أما وندل فيليبس فقد أشار إلى دور بني بو علي تحت قيادة الشيخ عبد الله بن سالم في كتابيه ( تاريخ عمان)، و( عمان ..تاريخ له جذور)، حيث ذكر:” وجاء الرعايا المخلصون للسلطان فيصل من كل حدبٍ وصوب، وقد بعث أحد المؤيدين، وهو الشيخ عبد الله بن سالم زعيم قبائل بني بو علي من جعلان يستفسر عن الوضع، ويقول: ألا تزال هناك ست بوصات باقية على شاطئ عمان تسمح لنا بإحضار قواتنا، فقد كان يحتاج إلى مساحة صغيرة لإنزال رجاله تحت أسوار قلعة الجلالي”.

كما أشار ميرفي في تقريره إلى أنه واعترافًا بخدماتهم منح السلطان فيصل الشيخ عبد الله مكافأة قدرها 100 دولار شهريًا.

زيارة اللورد كرزون

قام اللورد كرزون نائب الملك على الهند بزيارة إلى مسقط في نوفمبر عام 1903 خلال جولةٍ قام بها في الخليج العربي، شملت عددًا من موانئ الخليج العربي كالشارقة والكويت على متن السفينة “هاردينج”.

 وقد وصل الأسطول ظهر 18 نوفمبر إلى مسقط، فاستقبله وفد من قبل سلطان عمان السيد فيصل بن تركي البوسعيدي على رأسه السيد محمد أكبر أخوة السلطان، والسيد تيمور أكبر أبنائه، وألقى أحد رجال الوفد قصيدة عربية ترحيبية، ثم جاء السلطان فيصل إلى السفينة (هاردينج) لزيارة اللورد كرزون، وجرى له استقبال قصير ثم زار اللورد مقر المعتمدية البريطانية في مسقط حيث أقيم له حفل غداء كما استقبل عددًا من أعيان السلطنة كما زار السلطان فيصل في قصره.

وكان الشيخ عبد الله بن سالم من جملة الشيوخ الذين التقوا باللورد، وقد أشارت إحدى الوثائق الإنجليزية إلى طبيعة هذا اللقاء وما جرى بين الشيخ عبد الله واللورد كرزون، حيث ذكرت: “كان الجميع يسلمون على نائب الملك بانحناء كما هي العادة في البروتوكول، لكن الشيخ عبد الله تقدم إليه مباشرة وقال: السلام عليكم، نحن نقف على عاداتنا وتقاليدنا. ويقال بأن اللورد قد ابتسم وأبدى إعجابه من تصرف الشيخ غير المتوقع”.  

أحداث حصن الجناة

في 21 مارس من عام 1898 أعلن سليمان بن سويلم وهو أحد الولاة الذين يعتمد عليهم السلطان وكان قادمًا من صلالة عندما نزل في صور لمدة أسبوع، أنه لن يحترم نظام (الخفارة) بسبب إساءة استخدامه، ثم عندما غادر الوالي سليمان صور تاركًا ابنه الصبي والذي يبلغ من العمر حوالي 13 سنة حاكمًا على المدينة، فإن أول عمل قام به الصبي بناء قلعة جديدة لحراسة موارد المياه في المدينة ومدخل درب القوافل المتجهة صوب المدينة.

وقد أغضب هذا العمل قبيلة الجنبة فأرسلوا مذكّرة إلى السلطان طالبين منه أن يقيل ابن سليمان، وأن يأمر بوقف بناء القلعة، غير أن السلطان لم يهتم بالرسالة، ولم يستمع إلى سفارة هؤلاء، وهنا تقدم الشيخ عبد الله بن سالم إلى مسقط ونصح السلطان بالاستماع الى مطالب الجنبة، وأعلمه أنه لن يتدخل الى جانبه في أي حملة على الجنبة، كما حصل على أمر بالكف عن بناء القلعة الجديدة فقط، غير أن الجنبة أصروا على إقالة ابن الوالي، وبعدها في أكتوبر من العام نفسه قاموا مع بعض المقاتلين من بني بو علي، وبني راسب بمحاصرة الحصن القديم الذي يستقر فيه ممثل السلطان حتى استسلام الحامية الموجودة فيه.


زيارة السلطان فيصل لصور

وفي يونيو من عام 1900 قام السلطان فيصل بزيارة لصور تعدّ الأولى منذ توليه السلطنة، وكان استقبال الأهالي له وديًا أكثر مما كان يتوقع، وعند وصوله قدّم كل وجهاء المدينة التحية له، وزيادة في احترامه جاء عبد الله بن سالم شيخ قبيلة بني بو علي من الداخل وسط ألف أو أكثر من رجاله لتقديم التحية للسلطان.

وقد شهدت الزيارة توقيع السلطان في 12 يونيو 1900 مع عدد من أصحاب السفن الصورية التي ترفع العلم الفرنسي على تعهد بإعادة تصاريح الملاحة الخاصة بهم إلى السلطات الفرنسية، وكان الشيخ عبد الله بن سالم من ضمن الشهود الموقعين كونه أحد أكبر شيوخ المنطقة مكانةً ووجاهة.

مشكلة الأعلام الفرنسية

 في مارس من عام 1903 حدث خلاف بين الشيخ عبد الله وقبيلة الجنبة في صور على إثر شكّ الشيخ في دعمهم بالسلاح لبعض القبائل، فسار في محاذاة الساحل، ثم أعلن حصاره للمدينة ما لم تجب مطالبه، ويقدم له التعويض الكافي. 

 وفي هذه الأثناء أطلق بعض أنصاره النيران على سفينة ترفع العلم الفرنسي مما جعل نائب القنصل الفرنسي يتقدم إلى السلطان طالبًا التعويض، وأسهمت هذه الحالة بشكلٍ غير مباشر في سرعة التوصل لحل مشكلة الأعلام الفرنسية فيما بعد.

 

التدخل في حل بعض الخلافات

بحكم كونه أحد الشيوخ البارزين على مستوى السلطنة، وعلاقاته المتشعبة مع السلاطين وشيوخ القبائل، فقد سعى الشيخ عبد الله بن سالم لحل بعض الإشكالات والخلافات التي كانت تحدث بين السلاطين وشيوخ القبائل وبالأخص القبائل المنتمية إلى الحلف الغافري، فتشير وثيقة تعود إلى السادس من مايو عام 1906 إلى أن الشيخ عبد الله بن سالم أرسل رسالتين إلى السلطان يسأل فيها جلالته إمكانية الصلح مع بني ريام إثر الخلاف الذي حصل بين الطرفين وقتها.

كما تشير وثيقةٌ أخرى تعود إلى 20 مايو عام 1907 إلى أن الشيخ عبد الله بن سالم توجه إلى مسقط في 15 من إبريل بصحبة الشيخ سيف بن محسن السيابي لمقابلة جلالة السلطان بهدف مناقشته في موضوع مقتل الوالي الراحل سليمان بن سويلم.

وفاة أحد أبناء الشيخ

أشارت وثيقة تعود إلى يناير من عام 1907 إلى وفاة أحد أبناء الشيخ وعمره 14 سنة، وكان الشيخ وقتها مريضًا.

أدوار قبلية خارجية

كان للشيخ عبد الله بعض الأدوار القبلية التي امتدت لخارج القطر، وذلك من خلال مساندته للموضوعات المتعلقة بعدد من أفراد القبيلة في بعض الأقطار والموانئ الخارجية، ونأخذ هنا نموذجين يدلان على ذلك.

فهناك رسالة موجهة من السلطان فيصل بن تركي إلى السلطان حمود بن محمد بن سعيد في زنجبار بتاريخ 14 مادى الأولى 1318 هـ الموافق 9 سبتمبر 1900، بخصوص أموال يمتلكها أحد رجال قبيلة بني بو علي، في الجزيرة الخضراء (بيمبا)، وهو النوخذة جمعة بن عبد الله بن سالم الغنبوصي العلوي، الساكن العيجة في مدينة صور، ويعد والده عبد الله بن سالم الملقّب بـ (ولد الجعفري) إحدى الشخصيات القبلية والتجارية البارزة في بلاد بني بو علي وقتها.

ويبدو من خلال الرسالة أن جمعة بن عبد الله العلوي يمتلك صكّا أو ورقةً تثبت حيازته لتلك الأموال بالجزيرة الخضراء بها توقيع قاضي العيجة، وشهادة الشيخ عبد الله بن سالم شيخ بني بو علي، كما يدل فحوى الرسالة على أن الشيخ عبد الله بن سالم قد مارس دوره القبلي كشيخ للقبيلة في مخاطبة السلطان حول هذا الموضوع، لكن لم يتم التوصل للمراسلات المتعلقة بتلك الرسالة بعد.  

حادثة السفينة (الخضراء)

وهي بحسب ما وردت في الوثائق الخاصة بها في إرشيف مكتب الهند، وفي دراسة الدكتور ناصر العتيقي ( مواقف القوى الكبرى من النشاط الملاحي لمدينة صور العمانية)، سفينة عمانية من نوع البغلة، كانت ملكًا للنوخذة مبارك بن خميس بن راشد ود عوشّة التمامي العلوي من سكان العيجة بمدينة صور.

وبتاريخ 23 أغسطس 1908 وبينما كانت السفينة مبحرة باتجاه الصومال وعليها 174 من الركّاب، و22 من البحارة، بالإضافة إلى حمولتها (500) جونية من النورة، وبعض من أنواع المواد الغذائية والأثاث المنزلي، صادف وصولها عند رأس حافون مرور دورية عسكرية إيطالية قامت باحتجاز السفينة بعد عثورهم على بندقية واحدة من نوع (مارتيني)، واعتبرت السفينة مخالفة لقانون منع تجارة الأسلحة في سواحل شرق أفريقيا، وسحبت إلى رأس حافون، وتم مصادرة الشحنة التي تحملها والأغراض الشخصية الموجودة بها.

ومنذ تاريخ مصادرة السفينة في 23 أغسطس إلى تاريخ 18 يناير 1911 جرت مراسلات بين السلطان فيصل والقنصل البريطاني بمسقط مع القنصلين البريطاني والإيطالي في عدن حول وضع السفينة.

كما كان للأمير عبد الله بن سالم آل حمودة بحكم كونه شيخ قبيلة بني بو علي مراسلات عديدة مع السلطان فيصل، وهولاند القنصل الإنجليزي بمسقط  حول موضوع السفينة (الخضراء)، ورغبته في حل المشكلة القائمة، ومراعاة ظروف صاحب السفينة وما حلّ به إثر مصادرة سفينته بحمولتها وأغراضه الشخصية.

ومن بين تلك المخاطبات رسالتان بتاريخ 8 مارس 1909، موجهتان للسلطان، والقنصل الإنجليزي بمسقط، وأخرى موجهة للسلطان بتاريخ 27 يوليو 1909.

جريدة الأهرام

بحسب دراسة الباحث زاهر بن سعيد السعدي حول شخصية الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، نشرت جريدة الأهرام المصرية في 14 مارس 1902 مقالًا عن عمان تحدثت فيه عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السيئة، والاستياء العام السائد بين القبائل العمانية بسبب تدخل بريطانيا في شؤونهم الداخلية.

وورد في المقال فقرة تشير إلى أن ” ..العمانيون يعلقون أملهم الآن على الأمير عبد الله بن سالم من آل حموده والشيخ عيسى بن صالح..”، وهذا دليل على مدى السمعة والمكانة التي وصل إليها الشيخ عبد الله في تلك الفترة كونه إحدى الشخصيات السياسية العمانية البارزة على الساحة المحلية وقتها.

الاستعانة بأهل الخبرة

حرص الأمير عبد الله بن سالم على الاستفادة من الخبرات والكفاءات الفكرية والسياسية المختلفة سواء من أبناء الولاية أو من المهاجرين إليها بفضل الاستقرار التي شهدته بلاد بني بو علي خلال فترة إمارته إذا ما استثنينا بعض المناوشات الداخلية التي كانت تحصل بين فترة وأخرى لأسباب مختلفة، وقد برز عدد من الأسماء خلال فترته من بينهم ما ذكرته الوثائق والكتب الأجنبية من مثل يوسف بن علي السنيدي، وعلي بن خلفان الجنيبي اللذين تم ذكرهما في بعض المواقف السياسية مثل دخول مسقط عام 1871، ومحاولة مساندة سالم بن ثويني عام 1872، وحادثة الاعتداء على أحد المراكب الهندية عام 1874، وتداعيات استلام السيد عبد العزيز للحكم كوصي عن أخيه السيد تركي في عام 1875، وغيرها من الأحداث.

ومن الشخصيات التي اعتمد عليها الأمير عبد الله بن سالم وبالأخص في مراسلاته مع الوكلاء الإنجليز في مسقط، (مفتاح بن ماسكيه) الذي يبدو أنه كان يجيد اللغة الإنجليزية، وكان الشيخ يثق في قدراته الخطابية بدليل إرساله في أكثر من حدث لمقابلة بعض القناصل في صور أو مسقط، ويبدو أن مفتاح كان تاجرًا في الأصل أو لديه ارتباط تجاري بالهند أكسبته بعض المهارات اللغوية والاجتماعية، ويؤكد هذا الأمر إحدى المعلومات الشفوية حول وجود ختم أو حفر لاسمه على بعض الأواني والأدوات المجلوبة من الهند.

وفي رسالة موجهة من الأمير عبد الله بن سالم إلى اللفتاننت شكسبير القنصل البريطاني في مسقط بتاريخ 25 جمادى الآخر 1324 هـ الموافق 16 أغسطس 1906 نجد أن الأمير يشير في الخطاب إلى مبعوثه مفتاح بأنه “عنّا ومنّا”، في دلالة على الثقة والمكانة التي كان يتمتع بها رسوله لديه.

ومن الظلم أن نقصر الشخصيات البارزة على هذه الأسماء فقط دون غيرها، فهناك العديد من الأسماء القبلية البارزة التي ظهرت في تلك الفترة من مختلف قبائل الولاية، أو حتى ممن وفدوا عليها سواء على المستوى السياسي، أو العسكري، أو الاقتصادي، أو العلمي، لكننا اكتفينا بمن تمت الإشارة إليهم في الوثائق والمصادر التي تناولت فترة الأمير عبد الله بن سالم، بحسب اطلاعنا والمصادر التي حصلنا عليها، وإن كانت الوثائق التي توجد لدى بعض الأسر والتي لم تظهر للنور بعد تحوي أدوارًا عديدة لأسماء أخرى بارزة نتمنى أن يتم كشف النقاب عن أدوارها قريبًا كي تأخذ حقها التاريخي في الظهور.

بناء قلعة آل حموده

خلال فترة إمارة الشيخ عبد الله بن سالم والتي امتدت بالشراكة والانفراد لحوالي 45 سنة، فقد شهدت الولاية بناء العديد من القلاع والحصون والأبراج وغيرها من الاستحكامات الحربية، ولعل أبرزها إعادة بناء قلعة الشيخ محمد بن علي التي كانت قد بنيت في أعقاب الحملات البريطانية على جعلان.

فعندما انتهت الحملة البريطانية الثانية ضد بني بو علي في مارس من عام 1821 قام قائد الحملة الجنرال ليونيل سميث بتفجير القلعة، والتحصينات الرئيسية في المدينة، وفي ديسمبر من عام 1824 تمت الموافقة للشيخ محمد بن علي على إعادة إعمار مدينته، فبدأ الشيخ في بناء بيته الذي تم اتخاذه كمركزٍ لحكمه القبلي، ولا تشير الروايات الشفهية إلى معلومات دقيقة حول مكانه أو هيئته، وقد زار ويلستد في عام 1835، ثم كول في عام 1845 البيت ووصفوه بإيجاز، ويبدو أن هذا المنزل ظل بمثابة القلعة الرئيسة للمدينة حتى نوفمبر من عام 1869 عندما قامت قوات الإمام عزان بن قيس بتفجيره باستخدام البارود.

وعندما تولى الأمير عبد الله بن سالم المشيخة مع ابن عمه ماجد بن حمد بعد هذا التاريخ حرص على إعادة بناء القلعة من جديد، ولا توجد معلومات دقيقة عن تاريخ البناء، وهل تم ذلك أثناء مشيخته الثنائية مع ابن عمه، أم أثناء انفراده بالمشيخة بعد عام 1887، لكن المصادر الشفهية تنسب بناء القلعة إليه، وقد بناها على ربوة، وفي نفس مكان القلعة التي بناها جدّه محمد بن علي.

وفي عهد الشيخين علي بن عبد الله ومحمد بن ناصر تمت إضافة بعض المرافق، حيث تم توسعة السور، وإضافة بعض الأبراج، والمباني السكنية للأسر القاطنة بها، وتعد هذه القلعة من القلاع ذات الطابع الحربي والسكني في آن واحد إذ تضم بداخلها مساكن ومسجدا، وسجنا، ومجلسا عاما، وآبار شرب، وغيرها. 

وفاته

بحسب المصادر الأجنبية المرتبطة بالتقارير الدورية للقنصلية البريطانية في مسقط فقد توفي الأمير عبد الله بن سالم في نهاية فبراير من عام 1913 م، عن عمرٍ تجاوز التسعين عامًا، وخلّفه كلٌ من ابنه الشيخ علي بن عبد الله، وحفيده محمد بن ناصر اللذان كانا متقاربين في العمر.

كما أشار الرائد ميرفي في تقريره إلى وفاة الشيخ عبد الله بقوله: “وفي عام 1913 توفي الشيخ عبد الله بن سالم آل حموده وكان يعد رجلًا شجاعاً ومتعاطفًا مع سلاطين مسقط ودائم الاستعداد لعونهم”.

وقد أنجب الشيخ عبد الله العديد من الأبناء، لكن ذريته بقيت في ثلاثةٍ من أبنائه هم الشيخ ناصر بن عبد الله الذي توفي في عام 1904 أثناء حياة والده وخلّف ابنين هما: محمد وحمدان، وعلي الذي تولى المشيخة خلال الفترة من (1913-1948)، وخلّف من الأبناء الشيوخ: خالد، سالم، صالح، محمد، حمود، سعود، عبد الله، وسالم الذي تولى المشيخة عام 1948 وخلّف من الأبناء الشيوخ: عبد الله، وحموده، ومحمد، وراشد.

وقد تناولت العديد من التقارير والمراسلات الدورية الإنجليزية أخبار الشيخ، ومن بينها هذا التقرير الذي يتناول نبذه شخصية عنه ويشير فيها إلى كبر سنه وقت كتابة التقرير، وولائه للسلطان، وزعامته لغافرية الشرقية، ومساعدته السلطان لإقناع أهل صور بتسليم الأعلام الفرنسية، وكذلك يشير إلى علاقته الطيبة مع الإنجليز.

?????????????????????

المراجع

  1. ابن رزيق، حميد بن محمد. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، ط 5، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 2001.
  2. البلوشي، إبراهيم والعوبثاني، هادي. التاج المرصّع، ج2، ط1، مكتبة الورّاق العامة، سلطنة عمان، 2019.
  3. الجوير. عبد الله بن عبد العزيز. التاريخ السياسي لمسقط وعمان في الفترة ما بين 1891- 1920. رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، 1412هـ
  4. جي. آر. ويلسيتد. رحلات في الجزيرة العربية، ترجمة عبد العزيز عبد الغني، دار الساقي، بيروت، 2002.
  5. جي. جي. لوريمر. تاريخ عمان في دليل الخليج العربي ووسط الجزيرة العربية، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2015.
  6. الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد الأول ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
  7. الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد الثاني ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
  8. الخاطرية، أمينة بنت عبد الله. الحملات البريطانية ضد قبيلة بني بو علي 1820-1823، منشورات القاسمي، الشارقة، 2015.
  9. الزدجالي، اسماعيل بن أحمد. تجارة عمان الخارجية في عهد السلطان فيصل بن تركي، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، 2006.
  10. س.ب. مايلز. الخليج بلدانه وقبائله، ترجمة محمد أمين عبد الله، ط 2، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2016.
  11. السالمي، نور الدين. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج2، المطبعة السلفية بمصر، القاهرة، 1347 هـ.
  12. السالمي، محمد بن عبد الله. نهضة الأعيان بحرية عمان، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، 1998.
  13. السعدي. زاهر بن سعيد. الشيخ عيسى بن صالح الحارثي (1290 – 1365 هـ / 1874 – 1946م)، مؤسسة الإنتشار العربي، بيروت، 2018.
  14. السعدي. ناصر بن سيف. القبيلة ودورها في الحياة السياسية في عمان، ، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب والعلوم والإجتماعية، جامعة السلطان قابوس، 2013.
  15. العتيقي، ناصر بن سعيد. تاريخ صور وجعلان (1807-1928) الوارد في تقرير ميرفي القنصل البريطاني في مسقط 1928، دار الفرقد، دمشق، 2020.
  16. العتيقي، ناصر بن سعيد. مواقف القوى الكبرى من النشاط الملاحي لمدينة صور العمانية، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب والعلوم والإجتماعية، جامعة السلطان قابوس، 2018.
  17. العمري، ثابت. الخطيب، جبر. ثورة عام 1895 في عُمان: دراسة تحليلية، المنارة، المجلد 22، العدد 2، 2016   
  18. فوزي، فاروق عمر. الصراع على السلطة في عُمان في عهد الدولة البوسعيدية، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلّد ١٢ ، العدد 3، 2018.
  19. فيليب. ويندل. عمان تاريخ له جذور، ط1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2012
  20. فيليبس، وندل. تاريخ عمان، ترجمة محمد أمين عبد الله، ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1983.
  21. لاندن. روبرت جيران. عمان منذ 1856 مسيرًا ومصيرًا. ط 5، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1994.
  22. مكتبة قطر الرقمية. عدّة تقارير تتناول الوضع في عمان في النصف الثاني من القرن العشرين، ومطلع القرن العشرين، https://www.qdl.qa
  23. مكتبة قطر الرقمية. “تقرير عن صور. بقلم الرائد ج. ب. ميرفي، المساعد الهندي، الإدارة السياسية الهندية، الوكيل السياسي، مسقط”، IOR/L/PS/18/B ، 1929.
  24.  Record of Oman 1867-1947, Vol.: 2, historical affairs 1871-1913, edited by R. W. Bailey, England, Redwood, Burn Ltd. 
  25. Transaction of The Bombay Geographical Society From January 1847 to April 1848. Account of a Journey from Soor to Jahlan, and thence to Ras Roves. By Messrs W ard, stelvestr, and  James, of tho Hon’blo Company’s Surveying Brig Falinurus.

مصادر الصور والوثائق: مكتبة قطر الرقمية، هيئة المخطوطات والوثائق الوطنية، أرشيف أسرة الشيخ هاشل بن راشد المسكري، جريدة الفلق، شبكة المعلومات العالمية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى