د.رجب العويسي يكتب: الصورة الذهنية التي يقدمها نظامنا التعليمي حول السياسات الاقتصادية الوطنية

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

يُنظر إلى التعليم بأنه نافذة المستقبل ومدخل صناعة تحولات تفوق التوقعات، وبناء منظومات وطنية قادرة على المنافسة وتحقيق الطموحات تنقل المجتمع إلى مرحلة القوة والجاهزية، ولعل المخارف التي عاشتها الشعوب في ظل أحداث جائحة كورونا ( كوفيد19) وجدت في التعليم مساحة أمان لاختبار الذات وتجديد  الخبرة وصقل الموهبة وابتكار الأدوات وتعظيم قيمة الحياة في ظل القانون والنظام والالتزام.

وعلى الرغم من أن التعليم ليس العصا السحرية في تغيير العالم أو جعل شعوبه ملائكة، إلا أنه في ظل ما يمتلكه من مقومات النجاح وفرص التفوق والتصاقه بجدار الحياة وارتباطه بمكونات المجتمع وتعايشه مع فصوله المتنوعة؛ قادر إذ ما وجد الإرادة والإخلاص والمهنية والواقعية على صناعة التغيير، والمساعدة في إيصال رؤية الدولة وسياساتها الاقتصادية إلى مواطنيها بأسلوب يتسم بالاتزان والاعتدالية والسلاسة المعرفية ورصانة الفكرة واستخدام طرائق تعلم مختلفة وفنون تعليمية متنوعة تتناسب مع طبيعة المخاطبين وتتفاعل مع  سيكولوجياتهم النفسية والذهنية، ليبث الحياة في النفوس، ويمنعها من الانسحاب والتهرب في مواجهة الظروف، ويحقنها بأنسولين القوة الذي يعيد لها مسارها ويضبط توجهها ويبني رؤيتها ويمنحها فرص أكبر لاستعادة الأنفاس وانطلاقة أفضل نحو المستقبل.

ولما كانت رؤية عمان 2040 قد اتجهت نحو بناء اقتصاد وطني مستدام قادر على المنافسة والثبات والتأثير، فقد جاء خطاب عمان المستقبل  حاملا معه الكثير من المرتكزات الاقتصادية  التي تسعى لتحقيق التقارب مع معطيات الواقع العالمي الجديد وما فرضته جائحة كورونا ( كوفيد19) من تحديات اقتصادية ؛ وضعت الحكومة أمام البحث في سياسات وإجراءات اقتصادية للحد منها في حزمة من الإجراءات الحكومية بدأت مع المنشورات المالية مرورا  بهيكلة الجهاز الإداري للدولة وانتهاء بخطة التوازن المالي ( 2020- 2023) لتضع أمام التعليم مسؤولية تحقيق هذه الخطة من خلال محورين، يقوم الأول على دعم هذه المبادرات وتعميق مسارات الالتزام بها خاصة ما يتعلق منها بمبادرة التحول الالكتروني في محور دعم النمو الاقتصادي  وتعزيز مسار التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا ( كوفيد19) والتفكير في انتاج حلول ومستلزمات التقنية  في المدارس والجامعات  بالشكل الذي يصنع منها نقطة تحول قادمة في انتاج المعرفة، وكذلك ما يتعلق منها بمحور ترشيد ورفع كفاءة الإنفاق، من حيث الشراء الاستراتيجي الحكومي الموحد المتعلق بتكاليف المشتريات، وإيجاد شراكات استراتيجية لتوفير المواد والخدمات المتكررة مثل: السفريات والمركبات الحكومية والمستأجرة والإيجارات؛ بالإضافة إلى رفع كفاءة الانفاق الإنمائي وعبر حسن توجيه الإنفاق الإنمائي ليتزامن مع تنفيذ المشاريع ذات الأهمية القصوى، بالإضافة إلى مراجعة المصاريف التشغيلية وضبط الإنفاق ، وربط الرواتب بالأداء الفردي والمؤسسي لزيادة الكفاءة وتوفير نظام التقاعد المبكر لبعض الفئات، وهي مبادرات يستطيع التعليم أن  يحقق فيها حضورا نوعيا في ظل ما يمثله من رقم عددي صعب في المورد البشري وأعداد المنتسبين لهذا القطاع بالإضافة إلى  حضوره في نسبة الاستقطاع من الموازنة العامة للدولة؛ وأما الأمر الآخر فيتعلق بمنظومة الوعي والإنتاج الثقافي وصناعة الالهام وتبني سياسات توعوية وتثقيفية وتوجيهية للطلبة حول دورهم في التعاطي مع نواتج هذه الخطة وتصحيح المفاهيم المغلوطة والأفكار المتداولة بشانها، وتوظيف مناهج البحث والدراسات العليا في الجامعات ومراكز البحوث  العلمية والاقتصادية والإنسانية وغيرها، بالإضافة إلى دوره في ترسيخ المفاهيم الاقتصادية وتغيير عادات الاستهلاك اليومي للأفراد وبناء ثقافة الادخار في مسار التوجيه المهني للطالب، والتنويع في مسارات التعليم في مراحل متقدمة تعزيزا للمهارة وتمكينا للإرادة ودفعا للعطاء وترسيخا  للوعي المهني وبناء القوة في مجتمع عمان الوظيفي، وتبني سياسات الاستثمار في البيئات التعليمية والمواقع ذات القيمة الاقتصادية، وفي برامج التعليم والتدريب والبحث العلمي وبناء بيوت الخبرة الوطنية لما يمكن أن تسهم به في تعزيز كفاءة خطة التوازن المالي، هذا الدور يأخذ في الاعتبار مسؤولية التعليم في تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية كإحدى مبادرات خطة التوازن المالي ، بالشكل الذي يضمن التقليل من أثر هذه السياسات على حياة المواطن المعيشية واستقراره وما يمكن أن يقدمه التعليم في هذا الجانب من ترسيخ وعي المجتمع وتحفيزه نحو تبني  مبادرات التكافل الاجتماعي واستنطاق قيم المسؤولية الاجتماعية وتبني مبادرات تعليمية في ترسيخ ثقافة التطوع لتصبح سلوكا أصيلا ينتقل مع الطالب من بيئة التعليم  إلى المجتمع المحيط.


وبالتالي كيف يمكن لنظامنا التعليمي أن يسهم في تقديم صورة نموذجية واقعية عملية حول السياسات الاقتصادية عامة وخطة التوازن المالي خاصة آخذا في الاعتبار الهاجس الذي يعيشه المتعلم  في ظل معطيات واقع الباحثين عن عمل والمسرحين من الشركات ومؤسسات القطاع الخاص، وتجديد الثقة في الكفاءة العمانية ومخرجات مؤسسات التعليم، وتناغم هذه الصورة مع توقعات الطلبة وطموحاتهم واولوياتهم ومستوى التفاعل الذي يبديه التعليم في بنيته ومحتواه وهيكلته في مساندة جهود الحكومة والقطاعات الاقتصادية والاسكانية والسياحية وغيرها ، والمبادرات التي يقدمها في  تقريب مسار هذه الخطة للطلبة، وفق منهجية تعليمية قادرة على استيعاب الواقع وفهم ضروراته وبناء مساحة أمان للأجيال في كونهم الغاية الكبرى من هذه الجهود، والهدف الأسمى من هذه التوجهات، وأن العدالة والنزاهة والمحاسبة هي المنطلقات الذي تسعى إليها فلسفة التغيير وتجتهد الحكومة في تحقيقها تحقيقا لمصالح الوطن والمواطن.

أخيرا فإن قدرة التعليم على تشكيل الصورة الذهنية الإيجابية حول هذه السياسات والإجراءات في سلوك المتعلمين، الطريق الذي يعيد التعليم إلى الواجهة ويؤسس له حضوره في حياة المجتمع، وتبقى على التعليم مسؤولية الإجابة عن هذه التساؤلات والخروج من عباءة الممارسة المتكررة التي أفقدته موقعه في حياة المواطن وسلبت منه إرادة الامل وشغف البحث وروح التجديد وحبه للدراسة، وعبر إعادة انتاج الممارسة التعليمية التي ما زالت تعيش عالما واحدا في حين من يسعى التعليم إليهم يعيشون عوالم متعددة وآفاقا أرحب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى