د.رجب العويسي يكتب: تجليات الـ11 من يناير، مواجع الفقد وإنفاذ وصية السلطان

د. رجب بن علي العويسي

فجر الحادي عشر من يناير من عام 2020 م يستفيق العمانيون على أمر جلل وخبر مفجع وصوت محزن وصرخة أثقلت الأرض واهتزت منوقعها الجبال، سماء غائمة مظلمة، وسحب تسكب دموع الأسى والحزن، شوارع هادئة، وأمواج هائجة، ورياح شديدة في صوتها الموحش،صراخ وبكاء في البيوت، اضطراب في كل شيء، ضيق في التنفس، وقلق يهز أرجاء المكان، وكأن القيامة قد قامت، كل شيء تغير، لم يعدكما كان عليه من قبل، طعم الحياة تغير، طعم الماء تغير، طعم الوجود تغير، كل شيء في حياتنا تغير فلم يعد بذات المذاق، حتى المطر ظلينهمر دون أن نمنحه أية اهتمام أو نستشعر قيمته، أصبحت قلوبنا جفاء لا تتقبل شيئًا، يكفيها هول الفاجعة، دموع منهمرة، قلوب منفطرة،قد خيم الحزن عليها، لم نطق أنفسنا، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، عالم مخيف وهواجس مظلمة، وخيالات مرعبة، شعرنا بأن الأرضتطوى من تحت أقدامنا، وكأننا نسبح في فضاء بلا شعور أو أحساس، ماذا نفعل، إلى أين نتجه، من نخاطب، من نواسي، الكل يصرخون،الكل يبكون، الكل جاثمون، الكلع هلعون، الكل مندهشون، مترقبون، منتظرون، يعيشون حالة الذعر والارتباك، رجالا ونساء، شيبا وشبابا،كبارا وصغارا، في وضع نفسي وقلق  لم يشعر به أحد من قبل، إذ لم يكن أحد يتصور بأن يأتي هذا اليوم  المحزن، الذي يتلقى فيه خبر موتحبيب القلوب السلطان قابوس بن سعيد بن تيمورطيب الله ثراهولسان حال الكل يقول: يا ليتني مت قبل هذا، لقد أثقل رحيله الأرضوأحزن فراقه كل من عليها، كل شيء كان يبكيه، توحدت مشاعر الحزن نحوه، وأنين الفقد والأسى في وفاته، لنعزي أنفسنا ونعزي بعضنابعضا، الفقد واحد، والمصاب واحد، والألم واحد، والحزن واحد، والمصيبة واحدة، فما أصعبه من أمر، وما أقساه من خبر.

رحل السلطان قابوس، القائد العظيم الذي لم ولن ينجب التاريخ أحد مثله، ولن تلد النساء قابوسا مثل ما ولدت قابوس بن سعيد، رحل سلطانالسلام وحكيم العالم، صاحب الرسالة والمبدأ، السلطان الإنسان، رحل مولد النور، رحل أعز الرجال وأنقاهم، وقد رسم لكل شيء طريقه،ووضع كل شيء في مساره، في سلاسة وأريحية، واستقرار وسلام، وأمن وأمان، وهدوء واطمئنان، الأمور واضحة والطريق معبد، والمساريتجه في خط مستقيم، خطوة تليها خطوة، لا تتقدم عنها غيرها، ولا تتداخل مع ما بعدها أو سابقتها، وكأن لسان حاله يقول: لقد تركت لكمعمان الأمان، كل شيء فيها يمضي إلى استقرار، كونوا لها خير الزاد، وأفضل العباد، في الاحتكام إلى ما رسمته من نهج، ووضعته منأطر شاركتكم على مدى خمسين عاما في صناعتها وإنتاجها فكنتكم كقلب رجل واحد منكم، فبها تصلون للهدف وتحفظون عمان؛ فكانالنظام الأساسي للدولة، ومجلس الدفاع، ووصية السلطان ورسالته إلى العائلة المالكة الكريمة، ومجلس عمان، وتنصيب السلطان الجديد،ومراسم التنصيب، ونقل الجثمان الطاهر إلى جامع السلطان قابوس الأكبر في موكب عسكري مهيب، ثم الصلاة عليه في جامع السلطانقابوس الأكبر، وأخيرا مواراة الثرى لجثمانه الطاهر في مقبرة العائلة المالكة الكريمة، محطات نسجت ملحمة الوفاء لقابوس والانتماء لعمان،خطوات محددة ومحسومة، ليس عليكم أن تجتهدوا فيها إلا بضبط النفس، والثقة بالله، والدعاء الصالح بالمغفرة والرضوان، وأن تقفوا معالقيادة المجددة التي أشرنا إليها في رسالتنا إلى الأمة العمانية بالسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، حفظا لعمان، ووحدةللصف، ورعاية لمصالح الوطن والمواطنين، وصون مكتسبات النهضة واستحقاقات أجيال عمان المستقبل.

لقد شكل الحادي عشر من يناير محطة تاريخية في عمر نهضة عمان الحديثة، فمع مواجع الفقد وغصة الحزن تأتي وصية السلطان ورسالتهلتفتح الآمال العريضة للأمة العمانية، في تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مقاليد الحكم في البلاد، الذي قادعمان بكفاءة واقتدار، متخذا من نهج السلطان الراحل طريقه في البناء والتطوير، منطلقا من الثوابت العمانية والسياسة الداخلية والخارجيةمضيفا عليها ما تمليه الظروف، ويتناغم مع معطيات الواقع، ويستجيب للتحديات القادمة، محطات متواصلة من التجديد المستمر والتطويرالنوعي المبتكر في ظل معطيات مرحلة جديدة وظروف إقليمية ودولية  مستجدة، واليوم الحادي عشر من يناير من عام 2021 تكمل مسيرةالمرحلة الانتقالية لعمان المستقبل عامها الأول على تولي جلالتهحفظه الله ورعاهمقاليد الحكم في البلاد، حاملا لعمان أحلاما كبيرة وأمالاعريضة لن تُسقط من رصيد النهضة واستحقاقات الإنسان العماني شيئا، بل أضافت عليها المزيد من الاستحقاقات القادمة، جسدتهاالإرادة السامية لجلالته في خطاب عمان المستقبل في الثاني والعشرين من فبراير 2020 الذي حدد معالم بناء الدولة وتوجهاتها القادمةورؤيتها الاقتصادية، ومع بدء العمل بتنفيذ رؤية عمان 2040 اتجه العمل نحو ترسيخ مبادئ الحوكمة وتعزيز مسارات التنويع الاقتصاديوتحقيق التوازن المالي في سبيل تحقيق الاستدامة الاقتصادية للسلطنة في مواجهة عجز الميزانية وتراكمات الديون الخارجية والوقوفالفعلي على أولويات رؤية عمان 2040، في ظل التحديات التي فرضتها جائحة كورونا (كوفيد19) وأسعار النفط، وعبر خطوات إصلاحيةجادة في الإدارة والتنظيم والتشريع لضمان تحقيق الكفاءة الأدائية والإنتاجية ورسم معالم التحول في السلوك الإداري الوطني القادم، بدأتمع تعديل التشريعات والقوانين ذات العلاقة بتنظيم الجهاز الإداري للدولة، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة ليتواكب مع متطلبات المرحلة،ومراجعة عمل الشركات الحكومية وإعادة تطويرها لتعزيز كفاءتها الإنتاجية وعبر جهاز الاستثمار العماني، إلى غيرها من الحزم الإصلاحيةالتي ستظهر تباعا في الفترات المتعاقبة، موجهات ترسم طريق القوة وتبشّر بمستقبل مشرق، وتعبّر بصدق عما ينتظره مستقبل عمان الباهرعلى يدي ابن النهضة الأمين وسليل المجد الأصيل من تحولات في مسيرة بناء عمان.

وجاءت الإرادة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظمحفظه الله ورعاهمستوعبة كل هذه الأحداث، في توازنوتناغم واعتدالية وتصالح بين الأولويات والمعطيات، والسياسات والبرامج، ودور الدولة والمواطن، وترسيخ معالم الإنتاجية في كل محطاتالعمل ومنصات الأداء، وفق مسارات تتسم بالتنظيم المعزز بالإدارة الكفؤة التي تقرأ طبيعة المرحلة والظروف الراهنة بكل تفاصيلها معالمحافظة على سقف الثقة مع المواطن في أعلى مستوياتها وحبل الود معه متصلا في مواجهة التحديات والوقوف عليها، وهو يضع أبناء عمانأمام مرحلة جديدة أساسها الإنسان الواعي المخلص المنتج المبادر المسؤول الذي يمتلك أدوات التغيير ومهارات إنتاج الحلول، ويصنع منحضوره في عرصات العطاء وميدان المنافسة مسيرة تحول قادمة ستظل شواهد إثبات على سياسة جلالته الحكيمة ورؤيته النافذة، والعهدالذي قطعه، حبا لعمان وشعبها ووفاء لباني نهضتها الظافرة قابوس بن سعيد طيب الله ثراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى