بالصور: حصاد اللبان برعاية السلطان

أثير- مكتب صلالة
كتب: سهيل العوائد

” يا لبان يا كبكبان يا طالع السماوات والأرض والليذان، اكفي عنا كيد النسوان وكيد عيال النسوان وكيد الأهل والجيران”

“أندخك شوط بشحز عرعين سبرات بإنسات بقربات برحقات، عر كود برلشين برتشبوء برهذبوء برحسدئ أندخك شوط بشحز عر كل غش”

هذه بعض من تعويذات وطقوس استخدام اللبان في ظفار قديما، حيث كان يعتقد القدماء بتأثير هذه الشجرة وقدسيتها في ميثولوجيا المكان، وقد اكتسبت ظفار أهميتها ومكانتها في العالم القديم وعصور الحضارات المزدهرة كالسومرية والفرعونية والبابلية والرومانية وغيرها بسبب وجود شجرة اللبان ، حيث تم ذكر أرض اللبان في العديد من الكتب والأسفار القديمة.
ويُعد موقع وادي دوكة (وادي حريط) الواقع على طريق صلالة ثمريت أحد أهم مواقع اللبان في محافظة ظفار، ويقع هذا الوادي ضمن المواقع المدرجة في قائمة التراث العالمي ، وقد تم إدراجه إلى جانب موقع واحة الشصر (وبار) والمستوطنات المهجورة في خور روري والبليد ليكون ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو باعتبارها ” مواقع أرض اللبان”، وكان جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- قد افتتح مهرجان حصاد اللبان بمحمية وادي دوكة عام ٢٠١٥، حيث عبّر جلالته عن أهمية “هذا الإرث التقليدي والمحافظة عليه”، ويحتوي وادي دوكة على أكثر من ٦ آلاف شجرة لبان ، يقدر عُمر بعضها إلى أكثر من مائتي عام.

وعن أشجار اللبان وأهميتها وتاريخها تحدث لـ”أثير” أحمد بن عامر بن سهيل العوائد باحث في مجال شجرة اللبان ومُشرف على مواقع أرض اللبان حيث قال: تقع أشجار اللبان بمحافظة ظفار في المنطقة الواقعة خلف الجبال ويطلق عليها مناطق” ظل المطر” حيث تكون بكميات كثيفة في بطون الأودية وعلى سفوح الأخاديد والجداول الجبلية، وتنبت هذه الأشجار في المناخ الجاف وشبه الجاف على شكل حزام طبيعي يمتد من الشويمية شرقا إلى الحدود اليمنية غربا بمسافة تمتد لأكثر من ٣٠٠ كم تقريبا، ويصل ارتفاع شجرة اللبان حوالي ٧ أمتار وقد يصل ارتفاع بعضها إلى حوالي ٩ أمتار، وقد أطلق العوائد على شجرة اللبان اسم ” الشجرة المدللة” لأنها تنمو تلقائيا في المناطق الجافة المتأثرة بالمناخ الرطب (الرياح الموسمية) ولا يمكنها النمو تلقائيًا خارج نطاق هذا المناخ .

وذكر العوائد أن اللبان يصنف إلى أصناف مختلفة وذلك حسب البيئة والجودة، حيث قال بأن اللبان “الحوجري” الذي يتم إنتاجه من الأودية الشرقية الجافة لجبل سمحان يعد من أجود أنواع اللبان على الإطلاق، كما يصنف اللبان “النجدي” الذي يتم إنتاجه من الأودية النجدية الكلسية في المرتبة الثانية من حيث الجودة، وهناك أنواع أخرى مثل” الشزري” و”الشعبي” ويتم إنتاجها من الأودية الغربية الجافة والأودية والسهول المتأثرة بالرطوبة والأمطار الموسمية، وتبدأ عملية جني اللبان عادة في شهر مارس وتنتهي في شهر يونيو قبل موسم الخريف، كما توجد هناك مرحلة أخرى لجني اللبان تبدأ بعد انتهاء موسم الخريف مباشرة وتستمر حتى دخول فصل الشتاء.

وحول استخدامات اللبان قال العوائد إن اللبان يتم استخدامه في العديد من المجالات الطبية والعلاجية والتجميلية والغذائية والصناعات العطرية والدوائية المختلفة، وقد تم إجراء العديد من الدراسات والبحوث في الجامعات المحلية مثل جامعة قابوس ونزوى وظفار حول فوائده واستخداماته، حيث تم التوصل إلى أن بعض المركبات الكيميائية التي توجد في اللبان يتم استخدامها في علاج بعض الأمراض المستعصية، كما يتم استخدام زيت اللبان في العطور والبخور والمعقمات المنزلية المختلفة، وفيما يتعلق بأسعار اللبان فهناك أسعار متفاوتة حسب نوع اللبان ولونه ومكان إنتاجه وكذلك يختلف السعر باختلاف المواسم.

ونوّه إلى خطورة طرق استخراج اللبان الخاطئة ونتائجها المدمرة على الشجرة حيث أوضح: ليس كل شخص قادر على استخراج اللبان بل تحتاج الشجرة إلى أيادٍ ماهرة وذات مرونة وخبرة عالية، فقد لاحظنا تدهور بعض أشجار اللبان نتيجة التقطيع الخاطئ من قبل بعض الأيادي المُخربة وغير المختصة، والطريقة الصحيحة لاستخراج اللبان تكون بتجريح الأشجار في عدة مواضع من جسمها بطريقة علمية ومنظمة، وكلما كانت الشجرة كبيرة زاد عدد التجريح والعكس صحيح في الأشجار الصغيرة وتسمى الأداة المستخدمة في التجريح (المنقف ) وهي عبارة عن أداة تجريج مكونة من قبضة خشبية ولها رأس دائري حاد يتم به جرح اللحاء الخارجي للشجرة جرحا بسيطا لا يتعدى ٦ سم ، حيث تضرب الشجرة الضربة الأولى ويطلق عليها محلياً (التوقيع) ليخرج منها سائل حليبي لزج، ويتم ترك الشجرة بعد التوقيع لمدة ثلاثة أسابيع تقريبا ثم تتم بعدها عملية الضربة الثانية من الأماكن المكشوطة سابقا، ويتم استخراج السائل وكشطة للأرض وتتوالى الضربات إلى أن ينتهي الموسم بالكشم وهي عبارة عن أخذ المحصول دون جرح الشجرة لتستريح بعدها الشجرة وتحبس دموعها إلى الموسم المقبل ويطلق على المحصول الأبيض اللبان حيث يتم جمعه بعد ما يتجمد، ثم يتم تعبئته وتحميله إلى الأسواق ويبلغ متوسط معدل إنتاج الشجرة الواحدة ما بين ٣ إلى ٤ كغم تقريبا

وأضاف: العوائد نتمنى أن تكون هناك هيئة مستقلة خاصة باللبان ومنتجاته وذلك من خلال إنشاء مركز وطني علمي متخصص في البحث عن اللبان، لأن ذلك سيساعد على تنظيم هذه الثروة وعلى دعم ورفد الاقتصاد الوطني وعلى توظيف الباحثين عن عمل في مناطق اللبان حيث إن اغلب العاملين على استخراج اللبان اليوم هم من العمالة الوافدة الأفريقية وقد يسيئون استخدام هذه الشجرة ويستغلونها استغلالا جائرا بقصد الربحية دون الحفاظ عليها وعلى قيمتها التاريخية، كما نتمنى أن تكون هناك جهة حكومية مستقلة ترعى هذه الشجرة وتحتضنها وتهتم بمنتجاتها، وتقوم على وضع القوانين والتشريعات ودراسة الحمض النووي للشجرة وإصدار شهادة أو وسم اللبان العماني، بحيث تحفظ وتحمي اللبان العماني من الغش أو التلاعب مع الأنواع الأخرى .

وختم العوائد حديثه قائلا : اللبان ثروة تاريخية واقتصادية وطبيعية لا تقدر بثمن، وما غرسُ جلالة السلطان هيثم بن طارق لشجرة اللبان في مزرعة رزات بصلالة إلا دليل على أهمية هذه الشجرة ومكانتها لدى جلالته، فمنذ أكثر من ٦ آلاف عام وعبق لبان ظفار يجول في الأرض ويصعد إلى السماء، لينشر الحب والسلام والجمال عبر الأزمان ويخبر الأكوان عن سفن سمهرم و البليد و قوافل الخيل والإبل من أرض اللبان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى