د. رجب العويسي يكتب: التعليم ومسؤولية إنتاج وظائف المستقبل

د. رجب بن علي العويسي

تفرض معطيات وظائف المستقبل على التعليم في ظل تعاظم دور التقنيات المتقدمة وشبكات الاتصال الرقمي ودور الإنترنت والصناعة وقضايا الابتكار والذكاء الاصطناعي وما استجد خلالها من تغييرات في مصفوفة الكفايات ومعايير الأداء ونمط وأساليب العمل ومحددات الوصف الوظيفي للوظائف، والمهارات الناعمة والأساسية التي أصبحت مطلوبة في كل وظيفة وفي كل مجال من مجالات العمل بالشكل الذي يضمن قدرتها على التعامل مع مختلف أنماط السلوك الإنساني وفي مختلف الظروف وبيئات العمل؛ مسؤولية التكيف مع معطيات هذا التحول العالمي المتسارع وإثبات بصمة حضور له فيها، ورسم ملامح مضيئة تبدأ بتكييف التعليم سياساته وبرامجه وخططه ومبادراته وأنشطته ومنظومة الكفايات والمهارات لديه بما يتناغم مع معطيات الواقع الكوني، فيتعامل معه باحترافية، ويرصد مستجداته بمهنية، ويعزز من كفاءة أدواته وآلياته ويرفع من سقف توقعاته، ويبني في المتعلمين مفهوما أعمق للوظائف يتجاوز حالة السطحية والروتين ونزعة الذاتية والسلبية، التي ما زالت تحجم الوظيفة في الوظيفة الحكومية وتقرأها كغاية نهائية للفرد فتنتزع منه كل ممكنات القوة الذاتية وفرص النجاح الشخصية عندما يجد بيئة عمل خير جاذبة أو مشجعة، فيقل لديه حس المبادرة واستثمار الفرص وروح الإنتاجية والمبادرات الشخصية والاهتمامات الذاتية وإدارة المواهب الفردية فتصبح هامدة لديه تثبيطها بحجة الحصول على الوظيفة باعتباره غاية نهائية وهدف كلي، إن مسؤولية التعليم في بعث الفرص الخاملة وإعادة انتاجها وصقلها وحقنها بأنسولين الدافع لتبقى الجوانب الابتكارية والمبادرات الفردية والطاقات والاستعدادات في وضع الاستعداد المستمر كلما وجدت الاحباطات أو ارتطمت بالمطبات.

وبالتالي امتلاك التعليم لممكنات القوة ومحدثات التغيير، ومنتجات التحول، وعبر تعزيز مسار البحث العلمي في إعادة هيكلة الممارسة التعليمية وتوجيهها وضبطها وتقنينها وتصحيحها والتثمير فيها وتحويلها من مرحلة الاستهلاكية والهدر إلى الإنتاجية، بالإضافة إلى دوره في تعظيم الابتكار والموهبة وإنشاء نماذج تعليمة في بيئات المدارس والجامعات ومختبرات البحث العلمي لريادة الأعمال من أجل تقديم خدمات مستلزمات وحلول التعليم بطريقة مختلفة، والتي يمكن في ضوئها معرفة وظائف المستقبل ومهارات القرن الـ 21 ومعطيات الثورة الصناعية الرابعة، ودور التعليم في إعادة رسم ملامح الوظائف العامة سواء من خلال بنية التعليم والمحتوى الذي يدرّسه وما يطرحه من تخصصات تتناغم مع معطيات سوق العمل وتجليات منظومة التوظيف والتشغيل على المستوى الوطني والعالمي، أو من خلال بناء مفهوم أعمق لوظائف المستقبل في فكر وقناعة المتعلمين وممارساتهم، وتعزيز مفهوم التسويق الذاتي للمهارة والخبرة بحيث تمكن الخريج عبر اتقانه لجملة من الإستراتيجيات والأدوات واستخدامه الأمثل للتقنية بالقيام بالتسويق لخبراته وتجاربه ومهاراته، فتتكون لديه اتجاهات أوسع في بناء مشروعه الاحترافي فتقوى لديه الإرادة والعزيمة والإصرار الثقة بالنفس وحب المبادرة والمخاطرات المحسوبة، وفي الوقت نفسه يعمل التعليم على رسم إستراتيجيات إنتاج الوظائف من خلال تشخيص واقع سوق العمل ورصد التحولات الحاصلة فيه ومرتكزات التغيير في الأنشطة الاقتصادية الواعدة كالقطاع الصناعي والتجاري واللوجستي والتسويق واقتصاد المعرفة واقتصاد الثقافة والسياحة والاقتصاد الأخضر، ويضع في عمليات التحليل والتشخيص قراءة أعمق للبعد الاجتماعي والسلوكي والمهني بما يمكنه من  تحديد مسار واضح يتشارك مع هذه القطاعات فرص  صناعة النجاح.

إن مسؤولية التعليم في ظل ذلك تهيئة الأجيال لرسم صورة ذهنية لهذه الوظائف في خريطة ذاكرة المستقبل لديهم، وطريقة تعاملهم معها والآليات والمتطلبات والمهارات التي تحتاجها، وتعزيز الروح الإيجابية لدى الشباب من الباحثين عن عمل والأسر في التهيئة النفسية والفكرية والذوقية في التعاطي مع شكل هذه الوظائف، بما يضع التعليم أمام قراءة شاملة وواسعة  لمنظومة التشغيل والوظائف، وحجم العمالة التي يمكن أن تدخل في قطاع التوظيف، ويحدد شكل هذه العمالة ونوع المهارات التي تمتلكها، من واقع مسؤولياته في إنتاج الحلول، ويعزز من وعي الشباب الباحث عن عمل وأولياء الأمور والمجتمع بما يعنيه ذلك في المستقبل سواء فيما يتعلق بمسؤولية الدولة في توفير الوظائف وصناعة الفرص لإنتاجها ومشاركة التعليم الفاعلة في ذلك، ومسؤولية الفرد في البحث عن وظيفة تتناسب مع  قدراته الذهنية ومهاراته العملية، ودور الثقافة التعليمة في التوجيه الوظيفي والمهني للمتعلم وتوفير الخيارات الواسعة له بما يتناسب مع طموحاته وقناعاته ويلبي رغباته، والمقاربات التي يصنعها التعليم بين مسؤوليته في تخريج كفاءات وطنية قادرة على أن تمارس العمل باحترافية مع قليل من التدريب وبين ما يمكن أن يفصح عنه المستقبل من الاستغناء عن حجم القوى العاملة الوطنية التي تحتاجها المؤسسات خاصة في الوظائف المكتبية والترهل المتوقع في هذه الوظائف التي أثبتت جائحة كورونا (كوفيد19) بإمكانية الاستغناء عنها في بيئة العمل وإنجاز هذه المهام خارج بيئة العمل، بما يترتب عليه من توجه نحو الوظائف الميدانية والمعنية بعمليات التقييم والمتابعة والاشراف والرصد والملاحظة والاستكشاف التي سيكون لها حضورها الأكبر على الوظائف المكتبية الأخرى، والتي يقتصر دورها على إدارة الأنظمة الإلكترونية ومراقبة عملها وإدارة البرامج التقنية؛ فإن ملامح الاقتصاد الجديد يعتمد على تعظيم القيمة المضافة للابتكار والتنظيم والإدارة، والاستخدام الأمثل للبرامج الإلكترونية للمؤسسات للدخول بها في واقع الحياة المهنية والاجتماعية اليومية، بما يتطلبه من تصالح إنسانه مع التقنية والآليات باعتبارها رصيدا بشريا لبناء مسارات التحول في حياته وتعزيز  قوة التفكير والذكاء لديه، وتفاؤله بما يستجد من طبيعة المهام والوظائف.

أخيرا.. هل توجد لدينا شواهد إثبات في ظل الفجوة الحاصلة في دور التعليم وفاعلية حضوره في التعاطي مع جائحة كورونا (كوفيد 19) على جاهزيته في إنتاج الوظائف وصناعة المهارة وحفز الإلهام في الرأس مال البشري والدخول في عمق الشأن الاقتصادي الوطني والسياسات والإجراءات المتخذة وعجز المواجهة الذي أظهرتها الممارسة التعليمية في الفترة السابقة؟، لتأتي الإجابة في مستوى العمق الذي يتوجب على مؤسسات التعليم الحكومي والخاص، العالي والمدرسي، الأكاديمي والمهني والتقني أن تتجه إليه وعبر التركيز على برامج التعليم ومسافاته وأنواعه الأكثر استحداثاً للوظائف، والاتجاه نحو إنشاء مراكز بحثية للذكاء الاصطناعي، وإعادة رسم سياسات سوق العمل، وبناء نظام متكامل لمواءمة الوظائف مع منتج التعليم، بما يعنيه ذلك من امتلاك التعليم لحدس التوقعات وممكنات استشراف المستقبل، ومستوى الاستقرار والثبات في قوانينه وتشريعاته، وكفاءة نظم العمل والإدارة فيه، في مواجهة حالة الهدر وفاقد العمليات المتكررة التي انحرفت بالتعليم عن مساره، وأبعدته عن سربه، وأسقطته عن سرجه، وأخرجته عن بيئته، وأسدلت الستار على الكثير من الفرص الخصبة يومها، لتضيع في غياهب الجب وتطفئ شمعتها الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى