عائشة المجعلية تكتب: إلى معلمتي …من طالبتك البارة بكِ

عائشة بنت عبدالله المجعلية- باحثة تربوية ومدربة

من جميل صدف الحياة وأكثرها إنصافا ، تلك التي تجمعني بمعلماتي، لأعود أنا عبر ظرف الزمن الافتراضي إلى مقاعد الدراسة ، فتتمثل أمامي حاضرة صورتها، تلك الصورة الذهنية المحفوظة في الذاكرة الصريحة طويلة الأمد ، ذاكرة يتربع على عرشها أولئك الذين ينطبق عليهم “فضلنا بعضهم على بعض”، وأحداث تكتنزها السعادة والفرح، لا يأتي عليها السهو والنسيان .

لم ينتقص الزمن من معلمتي شيئا، بل أضفى عليها جمالا ورونقا وهيبة، يعبر بها الزمن بين فصل الربيع والربيع مجتازا معها فصوله الثلاثة، وكأنه يخصها بذلك دون غيرها من النساء العاملات، وحدها هي في اتجاه معاكس مع خط العمر، تزيدها السنوات رقما فتكرمه عطاء وحسنا ووقارا.

أخاطبها بلقب يسبق اسمها ، أستاذة فلانة ، وإن تقاربت الألفة بيننا، أدعوها بأم فلان وغالبا لا أسقط اللقب عنها..ومع أنني أصبحت زميلة عمل لهن ومشرفة تربوية لبعضهن ،إلا أنني لا أجرؤ البتة على مخاطبتهن بأسمائهن، لأن الهالة التي تطوقهن؛ جعلت الوقار يضفي هيبته، وهذا يستوجب اختيار أسلوب حديث مختلف، وانتقاء الألفاظ ونبرة الصوت التي تناسب المنزلة التي عليها، وهذا هو ما يسمى بمتلازمة حب المعلم، وما أجملها من متلازمة.!!!.

كم هو رائع أن أسوق في معرض حديثي نموذجا من ذاكرة الزمن في عالمي كطالبة، إذ حدث في ذات يوم وأنا في الصف الأول الابتدائي، كانت تدربني معلمتي الحبيبة ( الأستاذة أنيسة الغيلانية ) على إلقائي للبرنامج الإذاعي، وكانت تهمس في أذني بصوتها الحنون: ( اقرئي جيدا ولا تخطئي حتى لا يقال عن معلمتك بأنها لم تعلمك جيدا)، فعملت على التدرب أسبوعا كاملا وأنا لا أزال أتهجأ الحروف ، حتى حفظت الموضوع عن ظهر قلبي لا خشية منها بل بدافع مراعاة مشاعرها؛ معلمتي التي زرعت الثقة في نفسي بأني قادرة على القراءة بأكمل وجه، وأنني طالبتها المتميزة. .
نموذج آخر، كنت في عمر أكبر هذه المرة، حيث كانت نتائج الثانوية العامة تعد مرحلة مصيرية، وكان التنافس شديدا على المراكز الأولى بين صفوف المدرسة، وفي لحظات الترقب والنفس بين الخوف والرجاء ، كانت أستاذتي ومربية الفصل ( أستاذة وفاء العلوية ) تترقب معنا ظهور النتائج ، وكم كانت اللحظة الحاسمة عندما ظهرت نتيجتي وأنا ألمح ترقرق الدمع الممتزج بالفرح والغبطة، وهي تقول : “لقد رفعتِ رأسي يا عائشة ، ليس في المدرسة فحسب بل في المدينة بأكملها”. من يومها وأنا أقبل ذلك الرأس الذي سامق النجوم شرفا بي وبتعليمي .

مشهد آخر ومنذ أيام قريبة، شاركتني أستاذتي ( الأستاذة عائشة الكثيرية ) في تغريدة لها، صورة لبطاقة إهداء، كتبتها لها وأنا على مقاعد الدراسة، كلمات في المحبة والوفاء– في الماضي الجميل بتلك الطريقة كنا نوثق الذكريات – كنت أجهل ساعتها لضيق مداركي، بأن المعلم أبعد عن النسيان وأقرب للحضور، برهنت لي بأنها لم تكن خربشات طفولية بل دستور وفاء وبيان محبة متفقًا عليه .

نعم يا معلمتي.. تلك المواقف أضحت من الماضي، غادرنا الفصول الدراسية ومضت سنوات الأمانة، حمل ثقيل عجزت عنه الجبال الراسيات وكنت لها أنتِ، يا خير من أؤتمن وخير من أدى .كنت ملاذنا الآمن وصراطنا المستقيم إلى العالم الجديد، ولا نجد مناصا من الأخذ به ، الكلمة منك بألف من غيرك، وتلميحة من عينيك بأمر ونهي عمن سواك، وبحضورك البهي تشرق في قلبي ألف ألف شمس ساطعة.

ختامًا معلمتي: هذه المقالة أتقرب فيها بالبر بك، وفاء وتبجيلا في يومك هذا، علني ألقاك بعده وأنا في رضا وقبول منك ، أو كفارة عمن أخطأ في حقك، أعيذك بها من كل كدر وسوء. .استأمنت الله روحك الطاهرة وقلبك النير..

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: