د.رجب العويسي يكتب: هل أسهم التعليم في اتساع ظاهرة التنمُّر الفكري؟

د. رجب بن علي العويسي

يأتي طرحنا للموضوع في سياق مسؤولية التعليم في البناء الفكري، باعتباره المعني بتربية النشء وتعليمه القيم والمبادئ والأخلاقيات، وتعريضه إلى تجارب الواقع، وتبصيره بقواعد السلوك، وترسيخ حس الشعور والمسؤولية فيه، وترقية مدارك التفكير لديه، ومنحه فرصًا أكبر لقراءة الحياة في ثوبها المتجدد، وتمكينه من فرص التحليل والنقد والتفكير وإبداء الرأي والحجة وغيرها؛ فهو يرافق الأبناء منذ سنواتهم العمرية الحساسة (الطفولة والمراهقة والشباب) والتي تشكل منطق تفكيرهم نحو المستقبل وجسر عبور لهم للحياة المهنية والعملية، ولمّا كان التعليم أحد البيئات الحاضنة للتنمر لأسباب ومسببات لا مجال لذكرها، لذلك فإن الحديث عن الاختلالات الحاصلة في فكر الأجيال والتذبذب الفكري والحيرة التي تعيشها في وصولها للحقيقة وقبولها للنقد؛ إنما تقع مسؤوليتها على كفاءة الممكنات التي اعتمدها التعليم في تربية الأجيال وتصحيح أفكارهم حول الذات والآخر، وتعميق المنظور الفكري لديهم حول الحياة والعالم.

على أن حجم الثقة التي يمنحها التعليم للأجيال، وقدرته على كسب ثقتهم فيه، واعتماده مدخلا لهم لصناعة طموحات الحياة وأبجدياتها، في ظل مخرجات التعليم التي ما زالت تبحث عن أمل لها في فرص التوظيف والتشغيل والتمهين والتوطين، في مقابل تدني الثقة التي تمنحها الشركات والمؤسسات لمخرجات التعليم في إثبات بصمة حضور لها في واقع العمل وميدان المنافسة، ومبرر المهارة الذي يتحدث عنه رجال الأعمال والمال وأصحاب الشركات والمستثمرين حول قدرة التعليم الوطني على إنتاج المهارة وصناعة الشخصية المهنية المنتجة، ومستوى توفر البديل الوطني الكفء القادر على الإنجاز، وتكريس ثقافة الاهتمام المؤسسي بالخبرة غير الوطنية، وحالة التباين التي أوجدها في فقه المتعلمين، وسلسلة الإجراءات والتعقيدات التي أوجدتها المؤسسات الأخرى في تحقيق طموحاتهم أو الوصول إلى توقعاتهم، وشكلت عقبة في قدرة مخرجات التعليم على فتح مشاريعهم الاقتصادية والاستثمارية والصناعية والتجارية التي يمكن خلالها تطبيق خبراتهم وتجاربهم، والفجوة الحاصلة بين متطلبات العمل والشهادات التخصصية، ومستوى المواءمة الحاصلة بين المنتج التعليمي وسوق العمل الوطني والعالمي، وعجز التعليم -حسب ما أفصحت عنه جائحة كورونا “كوفيد19″، عن نقل المتعلم إلى مرحلة القوة في الاعتماد على النفس وبناء الذات وتوظيف الفرص وإنتاج المهارة؛ أوجد في مخرجاته التراخي وضعف الدافع، مما أعطى صورة نمطية حول هذا الواقع، نتج عنه بروز ظاهرة التنمر الفكري لدى الطلبة في ردود الأفعال السلبية حول ما يطرح من قضايا مجتمعية في منصات التواصل الاجتماعي ممن هم في مقاعد الدراسة أو الباحثين عن عمل من مخرجات الدبلوم العام والتخصصات الجامعية.

وعلى الرغم من روح السماحة والاعتدالية والتوازن التي انطلقت منها مسيرة التعليم في عمان واعتمدتها سياسة التعليم وفلسفته وفق موجهات واضحة وأسس معتدلة، وأطر دقيقة ومنهجيات متكاملة، حددتها فلسفة التعليم في عمان؛ إلا أن الممارسة التعليمية لم تستثمر هذه المنصات والفرص استثمارًا فعّالا بالشكل الذي يضمن تأثيرها المباشر في فقه الأجيال وقناعاتهم ومنظوراتهم الفكرية، واكتفت بتدريسها في إطار تنظيري وفلسفي بحت دون تعريض الطلبة لنماذج عملية محاكية للواقع وإيجاد نماذج عملية لها في ميدان التعليم وبالتالي الافتقار إلى مسار العمليات والتطبيقات المهنية والممارسات الحياتية للتعليم مما أسهم في فصل التعليم عن الواقع وإبعاده عن حياة الأجيال، وأصبح تأثيره في صناعة الشخصية غير واضح بالشكل الذي يمكن أن يعوّل عليه في بناء الشخصية والمحافظة على الهوية والعيش في ظروف متغايرة وأحداث متسارعة، وتناقضات وتباينات يشهدها العالم في كياناته المختلفة؛ فإن التنمر الفكري الحاصل في واقعنا الذي وجد في منصات التواصل الاجتماعية بيئة خصبة له؛ مرده إلى الحصيلة التعليمية التي أنتجت هذا الطالب والفجوة الذي أوجدها التعليم في قدرة المنتج التعليمي على توظيف هذه الخبرات والمهارات والفرص في مواقف الحياة اليومية أي بمعنى أن الواقع الميداني والممارسة العملية تفرض نوعا آخر من الموجهات التي تستدعي قدرة الطالب على استدعاء الخبرات والمعلومات والأفكار التي تعلمها أو اكتسبها من خلال منصات التعليم وبرامجه وفي بيئاته واستقراء واستنباط ما تحمله من منظور معرفي وفكري وتوجيهه لإنتاج واقع جديد.

أخيرا، فإن التنمّر الفكري تعبير عن حالة عدم التوازن التي يعيشها الفرد في قراءة معطيات الواقع الاجتماعي وتفسيره سواء كان في الانقياد الطوعي لأفكار الآخرين وقناعاتهم والتأثر السلبي بهم على حساب مبادئه وقيمه وخصوصياته وهويته وإنسانيته ومجتمعه ووطنه؛ أو حالة التعنت الفكري والتصلّب في الرأي وعدم قبول الفكر الآخر، ولم يقتصر التنمر الفكري اليوم على نوع المحتوى المعرفي والأفكار الجادة والاتجاه إلى المبتذل من المعرفة والذي يحمل فرصة أكبر للإثارة والتشهير ومساحة من الحرية غير المسؤولة في التعبير عنها بأقوال خادشة للحياء وممارسات خارجة عن المألوف من القيم والعادات والذوق العام، بل اتجهت أيضا إلى مصدر هذه المعلومة من النوع الاجتماعي من الجنسين بالقبول الطوعي لكل ما يصدر من النوع الآخر (الإناث) سواء بالإعجاب أو إعادة التغريد أو المشاركة في النقاش والردود على المنشورات الشخصية، وما يصدر في ذلك من كلمات وعبارات مسيئة، ويتداول من مصطلحات مغلوطة وأفكار سطحية، قد تتقاطع مع الحالة المطروحة، بما يعكس مسارا آخر لهذه المنصات، تجاوزته الشعوب المتحضرة والعقول المنتجة التي استثمرت هذه المنصات لتقوية حضورها العالمي وتعزيز اقتصادها المعرفي، والمنافسة في إنتاج الحلول للكثير مما يحتاجه العالم من مستلزماته الحياتية واستهلاكه اليومي، بينما ما زال تفكير مجتمعاتنا حولها أبعد من ذلك بكثير.

 

*صورة المقال من الشبكة العنكبوتية

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى