محمد الوهيبي يكتب: قريات ذات صيف

أ.محمد بن علي الوهيبي- كاتب عماني

لأصل إلى قريات سريعا سأنتعل الريح مثل رامبو
وسأحرص على الوصول مع نسمةٍ في أول الفجر

عند قدوم القيظ إلى قريات كل الأشياء تمضي كما هو معتاد في مثل تلك الأوقات.
وعلى وقع همسات (الكوس) التي تقفز من شرفاتها المنعشة وتنساب بكل خفة ورشاقة بين حنايا زور النخيل وخوصها، لتلطّف الأجواء من الرطوبة الخانقة.

يبدأ الصيف بالهبوط رويدًا رويدًا مخفورًا بضجيج أزيز (الصرّوخ) وتطاير شذى روائح برم السمر، والأنبا، والبيذام والجوافة (الزيتون) التي كانت تملأ الأرجاء في ذلك الزمن، ومع هدايا نخلة (القدمي) في بشاراتها الأولى بالقيظ.
لم يكن هناك ما ينبئ بما هو غير معتاد أو بتحولات مفاجئة ستحدث عما قريب.

وحدها الغربان كانت تنعق بأصوات متعاقبة وتطير مشرقّة ومغربة كمن مسّه طائف من الجن، أوكمن ينذر بفجيعة ما.

حدث ذلك في السنين البعيدة من أزمنة قريات بمواعيدها التي لا تنتهي مع التقلبات المناخية.

اعتاد أهلها ذلك وقدموا قرابين كثيرة عبر الأزمنة المتعاقبة في سبيل البقاء في المكان ذاته الذي عشقه أسلافهم بكل مفاجآته وتقلباته.

في تلك الأثناء كان الهدوء يسبق الحدث القادم بقوة، حتى الغربان هدأت حركتها وخفت نعيقها ويبدو أنها حملت أعشاشها وصغارها إلى أماكن آمنة بعد أن قامت بالأدوار المنوطة بها في التنبيه والتحذير بعد استشعارها بما هو قادم، وكان الإنسان كعادته ساهيا لاهيا وغافلًا عما سيأتي، وكأن الغاية من وجود الغراب على هذه الأرض فقط لينبه وينذر البشر !!
بعد تلك الوقائع والإشارات ستغمر بيوت منطقة المسيلة والطويان المجاورة ومنطقة حاجر قريات (جائحة) غاضبة وستضربها رياح عاتية، وعلى أثرها ستُقتَلع الكثير من الأشجار والعرشان، والخيام، والسجام، وستُبعثر مساطيحها، حتى بيوت الطين ستنهشها المياه الجارفة.

قبل ذلك كان “ضحي” يتنقل بين ممرات الطويان الضيقة قافزًا السياجات من طوي إلى أخرى، ومن ظل بيذامة إلى ظل سدرة، ليعود بعدها إلى الممرات الضيقة بين الضواحي، ثم يذهب إلى السيح المجاور، ويلجأ إلى ظل غافة عابرًا كل الوجهات على وقع الصوت القادم من ( المسجلة) المغلفة بحقيبة جلدية أنيقة أعتاد أن يحملها في دروبه، وعبر ذلك الجهاز كان صوت الفنان والأستاذ أيوب طارش ينساب بكل رقة و عذوبة:

..(إن أضمأوا روض زهري كنت الندى والظلال
أو حاصروا ضوء فجري كنت الضياء والجمال
وقال عصفور صدري هذا اكتمال الكمال
يا ليت من رام قهري منك تعلم خصال… )

وبالقرب من المساطيح التي كانت تتأهب لحصاد غلة القيظ وقبل تلك الفوضى القادمة والتي توشك أن تعصف بالمكان

كان”ضحي” الذي بدا وكأنه يتهيأ لموعد يعرف اتجاهه ويقابل الدنيا بصمت وضحكات ساخرة، وهو من استهوته غوايات الموت ووحده في تلك اللحظات كان يتوسد كل حكايا القيظ، وينام على المسيلة الناعمة لتأتي ( الجائحة) وتحمله بمخالب أجنحتها البيضاء إلى زوايا الخلود وظِلالها الأبدية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى