د.رجب العويسي يكتب: ولي الأمر الذي أقلق مؤسسات التعليم

. رجب بن علي العويسي-  خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في بداية طرحنا للموضوع، أرفع أجمل عبارات التقدير والامتنان والاجلال لكل أب وأم وأخ وأخت على وقفتهم وحماسهم وحرصهم وتكريس جهدهم نحو تدريس أبنائنا بنظام التعليم عن بعد في ظل هذه الظروف الصعبة التي فرضتها جائحة كوفيد 19 فكانوا لهم عونا واحتواء، وملاذا وارتواء،  ثمّ لعل ما  يجب الاعتراف به صدقا، هو أن دخول ولي الأمر بقوة في  مسار التعليم عن بعد أحدث تحولا نوعيا في مفهوم المشاركة المجتمعية في التعليم، ومشاركة أولياء الأمور في تعلم أبنائهم على وجه الخصوص، وأدحض الكثير من القناعات السلبية  والأفكار الأحادية، والتراكمات السابقة التي يتصورها مجتمع التعليم حول هذا الموضوع وكرّستها الدراسات والبحوث والمؤتمرات في الفقه التعليمي، على الرغم من القناعة بأن نجاحات وتفوق الكثير من الطلبة دراسيا  كان وراءه حضور الأسرة الداعم ، شاهد إثبات على حسن تعلمه وحافز على نجاحه وتميزه.

 لقد شكّل هذا التفاعل الحاصل من أولياء الأمور منذ بداية هذا العام الدراسي 2020/ 2021 في الأول من نوفمبر 2020 ، انطلاقة نوعية دعمت قرار اللجنة العليا المكلفة  ببدء العام الدراسي في هذا التوقيت،  كما كان له أثره الإيجابي في تصحيح المفاهيم المغلوطة ورسم علامة مضيئة  لمستقبل أكثر إشراقا للتعليم عن بعد- إن توفرت له الظروف وتحققت له الجاهزية-، فمع القصور الحاصل في مستوى الجاهزية المؤسسية في تكوين تناغم كبير بين عناصر المنظومة التعليمية والتعليم عن بعد، سواء من الممارسين التعليميين وأعني هنا المعلم، أو الطلبة وأولياء الأمور ومستوى تعريض هؤلاء  جميعهم لبرامج تدريبية كافية في استخدام المنصة الإلكترونية واستيعاب أبجدياتها والتعامل مع خصائصها ومحتوياتها؛ إلا أن حماس أولياء الأمور وحرصهم على تعلم أبنائهم وعمق التساؤلات التي يطرحها ولي الأمر للقائمين على العملية التعليمية التعلمية بالمدارس وتجاوب المدارس مع  هذا الأمر؛ أعطى التعليم عن بعد فرصا مناسبة للنجاح في شكله العام وإطاره المؤسسي انطلاقا من فرضية الأمر الواقع واستيعاب الحالة الراهنة، وهو أمر على الرغم من أن بدايته كان يشوبها الخوف والقلق وعدم الرضا من قبل المتعاطين مع هذه المنصات وشبكات الاتصال  بالمدارس وما يحصل من انقطاع مستمر  تجاوز المقبول؛ والتي تضع شركات الاتصالات ومؤسسات القطاع الخاص ذات العلاقة  مسؤولية أخلاقية ووطنية واجتماعية في توفير منظومة اتصالات  ذات جودة عالية تحقق أهداف التعليم عن بعد وتؤسس لثقة الرأي العام  حول جدية هذه الشركات في الوصول إلى طموحات مجتمع التعليم وشركائهم في الخارج، إلا أنه فتح المجال للمزيد من الإبداعات والابتكارات والنماذج الإيجابية التي  قدمها بعض المعلمين المخلصين في سبيل تقديم  نموذج تعليمي راق، وطرائق تدريسية تقترب من توقعات الطلبة وتلامس اهتماماتهم وتقربهم من الواقع ، وأسهم اهتمام ولي الأمر وعملية المتابعة المستمرة التي تقدمها الأمهات خاصة والدعم المعنوي المصحوب بالجهد البدني  الذي يبذلنه في سبيل دخول ابنائهن للمنصة  خاصة في الصفوف الأولى من التعليم ألأساسي؛ قدم  صورة تفاؤلية تفاعلية حول هذا النظام شكلا.

ويبقى دور مؤسسات التعليم في رسم استحقاقات النجاح الذي صنعه حماس أولياء الأمور محطة  لجهد أكبر من مؤسسات التعليم في تبني سياسات عمل واضحة، أكثر مهنية واحترافية وموضوعية في وضع هذا النظام في أولويات الاهتمام وإعطائه مزيدًا من الجهد النوعي وتأهيل المعلمين وإعدادهم، ومع الاعتراف بالدور المحوري للرأي العام المجتمعي  في  توجيه بوصلة التعليم عن بعد واقعا عمليا ونهجا وطنيا، تبقى قدرة مؤسسات التعليم على الإجابة عن تساؤلات الرأي العام وشعور ولي الأمر بالتأثير الإيجابي الذي حققه هذا التعليم على  ثقافة الأبناء وفكرهم وقناعاتهم ومهاراتهم وحماسهم ورغبتهم فيه؛ التحدي الأكبر الذي يضع مؤسسات التعليم أمام مرحلة جديدة وحاسمة من العمل، وجهد استثنائي تقدمه مؤسسات التعليم المدرسي وتتشارك فيه مؤسسات التعليم العالي والجامعات وغيرها في سبيل نقل هاجس ولي الأمر والانتقال به إلى حيز العمل،  بحيث يكون الحراك التعليمي الذي قام عليه أولياء الأمور وسعوا لتحقيقه من أجل تعليم أبنائهم واستشعارهم بالحاجة إلى احتواء الطلبة في مواجهة فاقد التعلم والهدر التعليم والمعرفي، وهدر الوقت عبر وضع الطلبة أمام سيناريو تعليمي واضح ومسار تعلم هادف، لا يقضي على وقت الملل  فقط،  بل يقدم لهم مساحة تعليمية منتجه، تحقق شغفهم وتبني قدراتهم، وتؤسس  فيهم روح المسؤولية والإنتاجية وحب الإنجاز؛ وأن تقرأ في حماس ولي الأمر واهتمامه مرحلة انتقالية في بناء شراكة تعليمية فاعلة، يستوجب عليها  المحافظة على قوة هذه الشراكة  وتجسيدها في اشكال تعبيرية مختلفة، وصورة تعليمية متعددة ،والتزامات  تتجه لصالح تعلم الطلبة، بما يعنيه ذلك من  ضرورة فهم تطلعات ولي الأمر ذاته، وجوانب الدعم التي يحتاجها، والصعوبات التي يواجهها، والمنظور الفكري والنفسي الذي يبني  عليه نظريته في المشاركة وآليته في التعطي مع السلوك التعليمي اليومي لأبنائه، وحدود هذه المشاركة وضوابطها بما يحفظ حق الأبناء في التعلم الذاتي واستخدام قدراتهم باختيار ومهنية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى