قبل أكثر من 150 عامًا: افتتاح أول مكتب بريد في مسقط

أثير-تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

يصادف تاريخ الأول من مايو مرور أكثر من 150 عامًا على افتتاح أول مكتب بريد في مسقط، حيث إنه وفي الأول من مايو عام 1864م، تم افتتاح أول مكتب بريدي في مسقط.

“أثير” تقدّم لمحة عن تاريخ البريد في السلطنة اعتمادًا على بعض المراجع والدراسات التي تناولت هذا التاريخ ومن بينها كتاب “تاريخ البريد في عمان”، وكتاب ” الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة مسقط “، ومقال علمي للباحث في التاريخ البريدي خالد المعمري بعنوان “مراحل تطور الخدمات البريدية في السلطنة” منشور في مجلة التكوين عدد 26 يناير 2020.

وسائل نقل البريد قبل ظهور المكاتب البريدية

بحسب كتاب ” تاريخ البريد في عمان 1856-1985 فإن وسائل نقل البريد قديمًا وقبل ظهور المكاتب البريدية، كان يتم – وتحديدًا أثناء فترة الوجود البرتغالي – عن طريق كتابة الرسائل على الورق وثنيها أربع مرات ثم غلقها بالشمع وختمها بالختم الملكي، وكانت تحمل بعد ذلك بواسطة مختصين يطلق عليهم اسم مراسلين (Messengers) فيحملون الرسائل ويسيرون على أقدامهم حتى يصلوا إلى البحر المتوسط، ثم يعبروه بواسطة مراكب صغيرة إذا ما وجدوها ووجدوا الرياح مواتية للعبور، وكانت هذه الرحلة تستغرق حوالي عام كامل ليصل حامل الرسالة إلى مكان وجود المرسل إليه سواءً في هرمز أو في مسقط، ويأخذ عامًا آخر للعودة بالرد.

وبعد اكتشاف الطريق البحري إلى الهند أصبحت الرحلة من البرتغال إلى الهند وهرمز ومسقط أسهل قليلًا حيث يتمكن حاملو الرسائل من استخدام المراسي في رحلاتهم، وتقلصت المسافة إلى ستة شهور، بالإضافة إلى أن هناك نوعًا من الرسائل الخاصة كان ينقل شفويًا بواسطة بعض المراسلين خشية سرقتها في الطريق ومعرفة مضمونها.

بداية ظهور البريد في الخليج

يذهب الدكتور علي البسام في كتابه ” الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة مسقط ” إلى أنه كان من نتائج تسيير السفن البخارية بين بومباي والخليج بعد افتتاح قناة السويس، إنشاء مكاتب البريد الهندية في الخليج، حيث قامت شركة الهند البريطانية للملاحة البخارية بتولي نقل البريد على سفنها، وأصبح البريد يصل بين بومباي والخليج بصورة مباشرة من خلال رحلاتها الثماني، وفي عام 1863 أنشأت حكومة الهند البريطانية خطًّا ملاحيًّا لنقل البريد بين بومباي وبغداد.

ويضيف البسام أن تشغيل الخط البريدي أدّى إلى افتتاح مكاتب بريدية في المحطات التي كان يتوقف فيها الخط، وهي محطات: جوادر ومسقط، وبندر عباس، وبوشهر، والبصرة، وتم افتتاح أول مكتب بريد رسمي في مسقط عام 1860، وخضع منذ افتتاحه لإشراف حكومة الهند، دائرة بومباي، وفي عام 1869 تحول الإشراف عليه لدائرة السند، ثم أعيد مرةً أخرى لإشراف دائرة بومباي في عام 1879، وقد استخدمت في المعاملات البريدية الرسمية الأختام والطوابع الخاصة ببريد حكومة الهند البريطانية.

تاريخ افتتاح أول مكتب بريد في مسقط

يشير كتاب تاريخ البريد في عمان إلى أن أول مكتب رسمي للبريد في مسقط تم افتتاحه عام 1856 إلا أن الباحثين في توثيق بداية الخدمة البريدية في عمان لم يستطيعوا الحصول على وثائق تساند قرار بدء الخدمة البريدية في هذا التاريخ، وقد أمكن الحصول على مستند رسمي من متحف البريد بدلهي بالهند مسجلًا فيه تاريخ الأول من مايو 1846 كتاريخ لافتتاح أول مكتب بريد في عمان، وبالتالي يُعدّ هذا التاريخ بداية الخدمة البريدية في عمان اعتمادًا على هذه الوثيقة.

مراحل الخدمات البريدية في عمان

يشير خالد المعمري في مقاله المنشور بمجلة التكوين في 26 يناير 2020 إلى أن الخدمات البريدية في السلطنة مرّت قبل وضعها الحالي بأربع مراحل رئيسة حتى وصلت إلى المستوى الحالي الذي نراه اليوم، ويعود ذلك إلى ظهور شركة الهند الشرقية كمنظمة تجارية وسياسية قوية منذ نشأتها كمؤسسة تجارية في لندن، وتأسست بموجب مرسوم ملكي للملكة اليزابيث الأولى سنة 1600م وتم فتح مكاتب سياسية في الخليج العربي وكان يديرها المقيم السياسي البريطاني، ولعب موقع السلطنة الجغرافي حلقة الوصل بين تجارة الشرق والغرب.

وقد كانت هناك حاجة ماسة لإنشاء خدمات بريدية بالدول التي لها مصالح مع بريطانيا العظمى، وقد تم إنشاء وكالات بريدية بدول الخليج ومن ضمنها مسقط، وكانت هذه الوكالات أو المكاتب البريدية في بداية الأمر تتلقى التعليمات من إدارة البريد الهندية في بومباي، ومن هنا انطلقت المرحلة الأولى، وهي مرحلة الإشراف الهندي، وكانت البداية بتاريخ 1 مايو 1864 حسب الوثيقة الموجودة بمتحف البريد الهندي بنيودلهي، وتثبت بدء الخدمات البريدية في السلطنة وحتى استقلال الهند وخروج بريطانيا منها بتاريخ 15 أغسطس 1947م.

وكانت الخدمة بعمان – بحسب المعمري – تدار من مكتب بريد مومباي حتى تم نقله وجميع مكاتب الخليج وبعض مكاتب العراق وفارس التي كانت تدار من دائرة بريد بومباي إلى إدارة السند (كراتشي) في أبريل 1869م، ثم أعيدت مرة أخرى إلى إدارة مومباي في عام 1879م، ثم توزعت مرة أخرى بين بوشهر وبومباي (منذ نوفمبر ١٨٨٩ ولغاية مارس ١٨٩٢)، ثم عادت إلى بومباي في أبريل ١٨٩٢، وقد يكون سبب النقل إداريا بحتا أو تنظيميًا.

وفي هذه المرحلة تم استخدام الطوابع الهندية التي كانت عليها صور ملوك بريطانيا، ولذلك نجد أن أول الطوابع الهندية التي استخدمت بعمان تحت دائرة الإشراف الهندي تحمل صور الملكة فيكتوريا وكتب عليها بريد الهند الشرقية حتى عام 1877 حين أصبحت الملكة فيكتوريا ملكة على الهند وتغير الاسم على الطوابع ليكون بريد الهند بدلا من بريد الهند الشرقية وظلت تستخدم حتى 1900م.

وفي الفترة من 1902 إلى 1947م عند انتهاء الاستعمار البريطاني للهند استخدمت طوابع مجموعة الملك إدوارد السابع، ومجموعة الملك جورج الخامس، وطوابع الملك جورج السادس، وفي تاريخ 20 نوفمبر 1944 تحديدا تم إصدار مجموعة من الطوابع مكونة من 15 طابعا موشحة بكلمة آل بوسعيد، وكتب عليها تاريخ 1363 هجرية، وبمناسبة مرور 200 عام على حكم أسرة آل بوسعيد لعمان.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الإشراف الباكستاني على الخدمات البريدية، وتعد أقصر مرحلة من مراحل الخدمات البريدية، نتيجة استقلال الهند عن بريطانيا وانفصال باكستان عن الهند أيضا التي بدأت في 15 أغسطس 1947 واستمرت لغاية 31 مارس 1948م، وهي فترة قصيرة، وتعد المواد الموجودة لهذه الفترة قليلة ونادرة جدا بسبب قصر الفترة.

وتعد المرحلة الثالثة هي مرحلة الإشراف البريطاني على الخدمات البريدية، إذ تمكنت الإدارة العامة للبريد البريطانية من تولي الوكالات البريدية في دول الخليج وكانت فترة الإشراف على الخدمات بالسلطنة من 1 أبريل 1948 إلى 29 أبريل 1966م، وكان مكتب البريد يدار من مقر إقامة المقيم السياسي في القنصلية البريطانية، بواسطة أبناء البلد.

وفي هذه الفترة – كما يشير المعمري – استخدمت الطوابع البريطانية في سلطنة عمان مع توشيحها بالعملة المحلية المستخدمة ذلك الوقت وهي فئة الآنه والروبية، وكان أغلب طوابع هذه الفترة يحتوي على صور الملك جورج السادس والملكة إليزابيث الثانية، وظلت تستخدم هذه الطوابع في عمان حتى نهاية الإشراف البريطاني على الخدمات البريدية في 29 أبريل 1966م.

أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة الاستقلال البريدي عن الإشراف الأجنبي بتاريخ 30 أبريل 1966م، وبحسب كتاب ” تاريخ البريد في عمان”، فقد أصبحت الخدمة البريدية في عمان تدار منذ ذلك التاريخ بواسطة أبنائها العمانيين، وظهر على العالم أول مجموعة طوابع عمانية عادية تصور ميناء مسقط والقلاع العظيمة وشعار الدولة، وقد صدرت هذه الطوابع باسم مسقط وعمان.

وفي 9 أغسطس 1970 أعلن صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم تغيير الاسم من مسقط وعمان إلى سلطنة عمان، وبتاريخ 16 يناير 1971 طرحت أول مجموعة موشحة بهذا الاسم.

المراجع

  1. البسام، علي بن حسين. الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة عمان وأثرها على الملاحة والتجارة في عهد السلطان تركي بن سعيد وابنه فيصل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لبنان، 2009.
  2. المعمري، خالد. مراحل تطور الخدمات البريدية في السلطنة، صحيفة لبان، 26 يناير 2020.
  3. وزارة البريد والبرق والهاتف. تاريخ البريد في عمان 1856-1985، ط1، 1985.
  • الصور من كتاب تاريخ البريد في عمان، وشبكة المعلومات العالمية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى