بالصور: كيف كان أهالي مسقط ومطرح يحتفلون بالعيد قبل 1970؟

أثير- تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

يمثل الاحتفال بعيد الفطر السعيد من أهم الاحتفالات الدينية في المجتمع العماني كونه مجتمعا متديّنا بفطرته، كما كانت الأعياد فرصةً لممارسة بعض المناسبات والهوايات، وكسرًا للجمود الاجتماعي في مجالات الأكل والملابس والفلكلور والترفيه وغيرها، بالإضافة إلى دوره في تقريب العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع وتواصلها.

وبشكلٍ عام كانت المناسبات والطقوس المرتبطة بالأعياد الدينية في السلطنة متشابهة بشكلٍ كبير في أغلب الولايات مع بعض الاستثناءات البسيطة المرتبطة بخصوصيات معيّنة لبعض الأماكن، وفي هذا التقرير ستقترب “أثير” من ملامح الاحتفال بعيد الفطر السعيد في ولايتي مسقط ومطرح خلال فترة ما قبل عام 1970، من خلال الاستعانة ببعض الدراسات والكتب التي تناولت الاحتفال بالأعياد الدينية في تلك الفترة.

تحرّي هلال العيد

كان سكان مسقط كعادة غيرهم من المسلمين يتحرون رؤية هلال العيد لما يحمله من بهجة وسعادة في النفوس، وكانت وسيلة الحكومة لإعلام سكان مسقط والمناطق المجاورة  لها بثبوت الرؤية هو ضرب طلقة مدفعية واحدة من قلعة الميراني كي يسمعها الجميع.

احتفال الحكومة بالعيد

كانت الحكومة تحتفل بالعيد في طابعٍ رسميّ، حيث يقوم ممثل للحكومة سواءً كان السلطان نفسه، أو محافظ العاصمة، أو ناظر الداخلية، بتقبّل التحية العسكرية من الجيش الذي يصطف لأداء التحية من الصباح الباكر عند بيت البرزة المحاذي لقصر العلم، ثم يتم أداء صلاة العيد بحضور أفراد الأسرة المالكة وكبار رجال الدولة وعامّة الناس.

وقد درج السيد شهاب بن فيصل محافظ العاصمة بتقبل التحية العسكرية نيابةً عن السلطان سعيد الذي يكون عادةً في ظفار، حيث يؤدي صلاة العيد مشاركًا أفراد الأسرة المالكة وأهل مسقط، وإذا كان محافظ مسقط مريضًا ينوب عنه ناظر الداخلية السيد أحمد بن إبراهيم.

كما تقام وليمة التصبيحة التي تكون (العرسيّة) أهم وجبة فيها بالإضافة إلى بعض الولائم الأخرى التي يقيمها بعض كبار رجال الدولة في منازلهم الخاصة، والتي تكون من وجبات الأعياد كوجبة الشواء.

 

بيت البرزة في مسقط. كتاب Old Oman
جانب من مراسم استعراض حرس الشرف من حامية مسقط أمام مدخل قصر البيت العلم صبيحة يوم العيد عام 1967. تصوير تشارلس بات
السيد شهاب بن فيصل والسيد أحمد بن إبراهيم وعدد من السادة والأعيان والمواطنين في طريقهم لأداء صلاة العيد عام 1967. تصوير ريتشارد بات
جانب من مراسم تأدية التحية من حامية مسقط بحضور محافظ العاصمة السيد شهاب بن فيصل عام 1967. تصوير ريتشارد بات

وبجوار القصر في مسقط كانت تقام مراجل من العيش والسيوياء وغيرها من وجبات الأعياد، حيث يقوم حاشية السلطان بطبخ تلك الموائد الضخمة، وتقدم للسلطان وحاشيته عندما يفرغ من صلاة العيد، وفي مساحة مخصصة بجوار القصر يتم السماح للفقراء بالأكل من تلك الموائد، وأخذ بعضٍ منها إلى ذويهم وأسرهم إذا ما رغبوا في ذلك.

على الصعيد الاجتماعي

تبدأ مظاهر العيد قبل فترة من الإعلان عن يوم العيد، وذلك بتجهيز ملابس العيد والذبائح وغيرها من المتطلبات التي يجب توفيرها بمدة كافية قبل العيد، وفي الغالب كانت الناس تعلم عن هلال العيد بواسطة ضربة مدفع من فوق قلعة الميراني لإعلام الناس بأن يوم غدٍ هو يوم العيد، وفور الإعلان وربما قبل ذلك يبدأ الناس بالاستعداد ليوم الغد وذلك بتجهيز اللحم للعرسية.

ويؤدي الناس صلاة العيد في عدد من المساجد من أهمها مسجد الوكيل الذي لا يزال موجودًا، ومسجد الخور، وغيرها من المساجد.

عدد من المواطنين والعساكر ينتظرون خروج المصلين لتأدية صلاة عيد الفطر بمسجد الخور عام 1969. تصوير ريتشارد بات

وكان أهل مسقط يقومون في اليوم الأول بزيارة الشيوخ والشخصيات البارزة في المجتمع إما مشيًا أو يتم استئجار سيارة إذا كانت المسافة طويلة، أما ثاني أيام العيد فيخصص لزيارة الأهل والأقارب.

ومن الملاحظ – بحسب الباحث الدكتور صالح البلوشي – أن ذبح الأغنام كان محدودًا ومقتصرًا على الميسورين ماديًا دون غيرهم، وذلك لارتفاع ثمن الماشية مقارنةً بالدخول الضعيفة وقتها، وكان الفرد الميسور أو العائلة الميسورة تذبح ذبيحةً واحدة تستخدم لحمها في إعداد وجبة العيد، ويحدث أن تخصّص ذبيحة إضافية لتوزع كصدقة لمن يستحقها.

ولائم

كان بعض رجال الدولة مثل السيد ناظر الداخلية يقيم الولائم الكبيرة، وتتم عادةً في ثاني وثالث أيام العيد حيث يحضرها كبار رجال الدولة من الأسرة المالكة والقضاة والأعيان، كما أن الولائم الأخرى يحضرها الشخصيات المرموقة من الشيوخ والأعيان القادمين من مختلف أنحاء عمان.

ويذكر مرشد بن محمد الخصيبي بأنه ” من العادات الحسنة التي تسجل لهذا السيد الهُمام هي تلك الولائم الكبيرة التي اعتاد السيد إقامتها في بيته من نفقته الخاصة رغم تكاليف هذه الولائم من الناحية المادية والجهد البشري الذي يبذل في إعدادها ولو أن  السيد عنده طاقم كبير من المستخدمين المستعدين لتحضير كل ذلك”.

ثم يمضي الخصيبي ليضيف: ” ومن هذه الولائم تلك التي يقيمها السيد في ثاني وثالث أيام العيدين                       – الفطر والأضحى– (يوم الشواء والمشاكيك) فهي وإن كانت للشواء والمشاكيك إلا أنه يحضر فيها من كل ما لذّ وطاب من أصناف الأطعمة الأخرى ويدعو لها السيد كبار رجالات الدولة ومن أفراد الأسرة المالكة والقضاة والأعيان، بالإضافة إلى الولائم الأخرى التي يقيمها للشخصيات المرموقة من الشيوخ والأعيان القادمة من مختلف أنحاء عمان والتي تتكرر في العام عدّة مرات”.

 

السيد أحمد بن إبراهيم ناظر الداخلية وعدد من أصحاب السمو متجهين إلى بيت البرزة لتلقي التهاني بمناسبة عيد الفطر عام 1969. تصوير ريتشارد بات

العيّود

وتصاحب أيام العيد في مسقط عادة (العيّود)، حيث إنه في صبيحة أول يومٍ من العيد، يقوم الأطفال من الصباح الباكر وهم يرتدون ملابس العيد الزاهية، وقد خضّبت أيديهم بالحنّاء، ويمرون على البيوت واحدًا تلو الآخر وتنتهي عند الظهيرة للحصول على العيديّة، وتتأهب البيوت لاستقبال الأطفال فيتم تجهيز العملات المعدنية التي يطلق عليها (الآنات)، وفي العادة يحصل الطفل على عيدية قدرها أربع بيسات من المنزل الواحد أو من الشخص الواحد، وتزيد قيمة العيدية كلما زادت قرابته للشخص المانح للعيدية، ويفرح بها الأطفال الذين يتوجهون عصرًا إلى العيّود الذي يقام في (وادي الطويان) لشراء اللعب والحلويات، وربما ادّخروا الباقي.

وفي سوق العيّود بالطويان يكون الباعة قد افترشوا الأرض بسلعهم، التي تكون في الغالب بعض ألعاب الأطفال والحلويات والحلوى العمانية، وبعض المأكولات والمشروبات كالمشاكيك، والذرة المشويّة، والسكر الأحمر، والزليبية والدنجو، وغيرها من المأكولات المعروفة في مسقط.

 

لقطات من احتفال أطفال مسقط بالعيّود في منطقة الطويان خلال عيد فطر عام 1967. تصوير ريتشارد بات

ومن بين تلك المأكولات ” دنجو” وهو حب الحمص المحمّص، وكذلك ” قرون سبال ” وهو الفول السوداني المحمّص بالقشرة أو بدون.

وطوال أيام العيد تتداخل أصوات البائعين، وصوت المزامير، ولعب الأطفال جنبًا إلى جنب، مشكّلةً البهجة التي يرسمها العيد على ملامح الأطفال الذين يحرصون على شراء اللعب، وركوب الحمير والدواب، كنوعٍ من التسلية تتزامن مع فرحة العيد بسوق العيّود في مسقط، حيث كان بعض أصحاب الحمير يحضرون حميرهم ليركب عليه الأطفال فينقلهم من حارة الطويان إلى حارة الشيخ مقابل أربع بيسات لدورة واحدة.

وقد انتقل مكان العيّود فيما بعد من الطويان إلى ريام حيث موقع حديقة ريام حاليًا، ومنه بعد ذلك إلى المطار القديم، ثم إلى مكانه الأخير مكان سوق الجمعة الحالي في الوادي الكبير، قبل أن تتلاشى هذه العادة الجميلة وتتحول إلى فعاليات تنظمها بعض المراكز التجارية أحيانًا.

الاحتفال بالعيد عام 1947

من بين أخبار عمان لشهر أغسطس من عام 1947 في ” رسالة أنباء الخليج الفارسي “، المنشورة في مكتبة قطر الرقمية تحت رقم استدعاء IOR/R/15/2/336، وكانت تغطي الفترة من يناير ١٩٤٧ إلى أكتوبر ١٩٤٨، نطالع خبرًا عن الاحتفاء بعيد الفطر المبارك وإطلاق المدفعية في مسقط 21 طلقة، بالإضافة إلى تبادل الزيارات الرسمية والعامة.

 

مظاهر العيد في مطرح

بحسب كتاب ” من وحي المكان وذاكرة الزمان ” لمعالي يحيى بن سعود السليمي، فقد كان للعيد طبيعة مراسمية في مطرح، حيث كانت الاستعدادات تبدأ قبل فترة طويلة بتفصيل الملابس الجديدة حيث لا يوجد خيّاطون للدشداشة العمانية على المكائن الآلية في ذلك الوقت، إنما فقط ما كان يعرف بالدشداشة الكويتية، كما كان يتم شراء كمّة جديدة، ولا يكتمل زيّ العيد إلا بشراء الحذاء الجلدي اللامع الهندي الصنع من متاجر السوق، أما إذا  أتى العيد في فصل الشتاء فكان الكوت ( المعطف) هو أحد مشتريات العيد المهمة.

كما تعد ساحة الدكاكين في حارة ( العرين) إحدى ساحات “العيّود” في مدينة حيث ينتشر باعة السكاكر والحلويات المصنوعة محليًا والألعاب في ذلك الوقت، أما الأطفال فقد كانوا يترقبون العيّود لصرف محصّلة ما يجمعونه من عيديّاتهم ليقوموا بإنفاقها في شراء الألعاب المتوفرة في ذلك الوقت، بالإضافة إلى بعض المكسرات والحلويات مثل: حب الفول السوداني، القشّاط، وغيرها.

 

جانب من أحد أسواق مطرح عام 1973. تصوير ريتشارد بات

ويضيف معالي يحيى السليمي أنه وفي صبيحة يوم العيد بعد أن يتم تناول (العرسيّة) كانت هناك عادة قائمة قبل أداء صلاة العيد إلا أنها اختفت لاحقًا، حيث يتجمع أعيان وأهالي حارات العرين والدلاليل ومطيرح في ساحة الدكاكين، ثم يتحركون باتجاه باب المثاعيب ومعقل الحطب باتجاه الزبادية حيث يلتقون بأعيان وأهالي الحارات الأخرى متجهين إلى مصلى العيد في (خب السمن) حيث يؤدون صلاة العيد، ثم يتجهون للسلام على والي مطرح إسماعيل بن خليل الرصاصي، بعدها يعودون إلى بيوتهم لتبدأ الزيارات واللقاءات في المجالس العامة.

ويذكر معالي يحيى السليمي أنه وبحكم كون مطرح مدينة تجارية ويقطنها مكوّن سكّاني متنوّع، فلم تكن تقام الرزفة إلا نادرًا في حارة العرين والحارات الواقعة خلف مستشفى الإرسالية الأمريكية ” مستشفى طومس”.

 

عدد من أهالي قرية دار سيت يحتفلون بمناسبة العيد عام 1967. تصوير ريتشارد بات
أهالي روي يحتفلون بمناسبة أحد الأعياد الدينية عام 1969. تصوير ريتشارد بات

المراجع

  1. البلوشي، صالح. مسقط في الأربعينيات من القرن العشرين، روز ورد بوكس، نيودلهي، الهند، 2013.
  2. الخصيبي، مرشد بن محمد. عمان أيام زمان، ط1، مسقط، 1994.
  3. السليمي. يحيى بن سعود. من وحي المكان وذاكرة الزمان، دار الانتشار العربي، بيروت، لبنان، 2018.
  4. الصوافي، ناصر بن سالم. الحياة الاجتماعية في مسقط (1950-1975)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة مؤتة، الأردن، 2010.
  5. الهنائي، سليّم بن محمد. ولاية مسقط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وزارة التراث والثقافة، 2016.
  6. “ملف 8/43 نشرة الخليج العربي”، IOR/R/15/2/336، مكتبة قطر الرقمية، https://www.qdl.qa/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/archive/81055/vdc_100000000241.0x00015f
  • مراجعة: الباحث خليفة بن عبد الله بن فرحان البوسعيدي
  • الصور من كتاب مسقط للمؤلفين عباس غلام رسول الزدجالي وعبد الرحمن السالمي.

 

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى